مهرجان فجر السينمائي.. أفلام إيرانية ذات مغزى

ندى الأزهري

نظرة على عدة أفلام إيرانية عرضت في مهرجان فجر السينمائي الدولي في طهران نهاية شهر أبريل الماضي، تشير إلى أنها تشترك في توجهها السياسي سواء تلك المنتمية لما يطلق عليه في إيران أفلام "الدفاع المقدس" أو تلك التي تنتقد الأوضاع السياسية السائدة حاليا.
تحتل أفلام "الدفاع المقدس" -وهو الاسم الذي يطلق على الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) وانعكاساتها على المجتمع الإيراني- مكانة جدّ مهمة في "فجر" السينمائي بحيث لا تخلو دورة للمهرجان منها. ويعتبر "فجر" الحدث الأهم للسينما الإيرانية وبمثابة مهرجان السينما الوطنية، إذ يعرض فيه معظم الإنتاج السنوي للتنافس على الجوائز.
كان هذا المهرجان قد انقسم منذ ثلاث سنوات فبات يخصص دورة فبراير موعدا للاحتفال بـ"فجر" الثورة الإسلامية للسينما الإيرانية فقط، أي مهرجان السينما الوطنية. وينظم "فجر" آخر دولي في أواخر أبريل للسينما العالمية وتتنافس فيه بالطبع أفلام إيرانية مع أفلام أجنبية من شتى أنحاء العالم.
يطمح المهرجان الدولي وفق مديره المخرج الإيراني رضا ميركريمي "ليكون واحدا من أكبر مهرجانات الشرق الأوسط وآسيا باهتمامه بأفلام من المنطقة ومن العالم الإسلامي ومن الدول الأخرى أيضا"، ويوجه عناية خاصة نحو "اكتشاف المواهب الشابة والسينما التي تحاكي قصصا معاصرة عن واقع المنطقة ومنها المقاومة الفلسطينية والقضايا الإنسانية في أفغانستان وميانمار وسوريا وليبيا والعراق من ضمن أخرى". وفي نطاق هذا التوجه كان من بين ما تم عرضه فيلم "بتوقيت الشام" للمخرج إبراهيم حاتمي كيا.

"بتوقيت الشام".. سوبرمان إيراني
يصوّر "بتوقيت الشام" تعرّض طائرة إيرانية محمّلة بالمساعدات الإنسانية لسوريا لعملية خطف من عناصر إرهابية تنتمي لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" قبل أن تحطّ في مطار دمشق، صُوّر الفيلم في إيران وسوريا وشارك في تمثيله عدد من الممثلين السوريين واللبنانيين، واستُخدمت فيه تقنيات جديدة لتصوير معارك طائرات حربية ومشاهد من الدمار الذي لحق بسوريا. لكن كل الإشادة بتقنية الفيلم وإيقاعه لا تنسحب على مضمونه ولا أسلوب إخراجه المشابه للأفلام الهوليودية ذات الإنتاج الضخم.
لم يخلُ "بتوقيت الشام" من الأسلوب الدعائي ومن الادّعاء، كما اتسمت بعض شخصياته بالكاريكاتيرية، ويمكن القول إن البطل السوبرمان الأميركي استُبدل هنا بسوبرمان إيراني ذي بطولة أسطورية.
ثمّة تفاصيل في الفيلم أيضا تؤكد صبغته الدعائية ووجهته السياسية كإظهار ترحيب السوريين بقدوم الإيرانيين الممَثل في الفيلم بوصول قائد الطائرة ومساعده الشاب -وهو ولده- لإنقاذهم ونقلهم من منطقة مهددة بقدوم داعش إلى دمشق الآمنة.
لقد ألحّ السيناريو على احتفاظ قائدي الطائرة بالحسّ البطولي والرغبة بالتضحية وإنجاز الخوارق حتى اللحظة الأخيرة ورفضهما التعامل مع الخاطفين بالمثل "فنحن بشر ولسنا حيوانات مثلهم". كما اهتم المخرج بالإشارة إلى هوية بعض معارضي النظام السوري (الأكراد والإخوان المسلمين)، وإلى "الفرق بين إيمان وآخر من وجهة نظر داعش التي حددها بأن "مشكلتنا ليست مع اليهود ولكن مع المسلمين الآخرين مثلكم والسعوديين وتركيا".
لم يفت السيناريو كذلك إرسال نكزات للقوات الروسية الموجودة على الأرض السورية حين يعلّق الطيار الإيراني وهو مهدد في الجو قائلا "آه.. أخيرا ظهر الروس!"، بمعنى قبل أن يفوت الأوان.
ظهر المدنيون السوريون في الفيلم ضعفاء، لكن كان الداعشيون من السوريين في الفيلم أقل وحشية من "إخوانهم الشيشان" دون أن ننسى الإشادة بأداء البطلين الإيرانيين والأداء الهستيري المناسب للداعشيين. نشير إلى أن الفيلم حفل بمناظر عنف من قبيل رؤوس مقطوعة تهاوت بالسيوف.
خيبة أمل رغم الحفاوة الرسمية
كان لافتا أن "بتوقيت الشام" الذي تصدّر توقعات الفوز بمعظم الجوائز، لاسيما أفضل فيلم في المهرجان الوطني للسينما الإيرانية، لم ينل سوى جائزة العنقاء البلورية (السيمورغ) في الإخراج مناصفة، إضافة إلى جائزتين للموسيقى والصوت، وهي جوائز لم تتوافق مع الإعجاب الرسمي بفيلم "حاتمي كيا" الممثَّل بوزير الخارجية الإيراني والقائد العام للحرس الثوري وقائد القوات الإيرانية في سوريا، لكنها جوائز توافقت إلى حد بعيد مع انتقادات بعض الصحفيين الذين وصفوا الفيلم بالغلو والمبالغة في إظهار العنف وبأن شخصياته غير مقنعة، لكن المخرج نفى في مؤتمر صحفي التهمة معتبرا أنه قدّم صورة حقيقية عن داعش وقال إن هذا واضح في أفلامهم الدعائية.
يعتبر إبراهيم حاتمي كيا (مواليد 1961) من أشهر وأبرز السينمائيين الإيرانيين الذين حققوا أفلاما تنتمي إلى فئة "الدفاع المقدس"، وهاجم في بعض أفلامه الحكومة والمجتمع لإهمالهما الجنود الذين ضحوا من أجل البلد، كما انتقد عبر أعماله الهوّة القائمة بين الثوريين والجيل الجديد وانحسار القيم الثورية في المجتمع.
ينتمي حاتمي كيا إلى الجيل الأول من المخرجين الذين عملوا في السينما بعد الثورة الإيرانية، ويعتبر دعامة من دعائم مهرجان فجر ومن أكثر المخرجين الحاصلين على جوائز فيه.
"مضيق باب غريب".. معركة ملحمية
أما "مضيق باب غريب" لبهرام توكلي الذي انتزع جوائز عدة مهمة منها جائزة أفضل فيلم وأفضل إخراج في المهرجان الوطني وعرض في الدورة الدولية الـ36 الأخيرة، فهو مأخوذ عن قصة حقيقية.
ويدور الفيلم حول "معركة ملحمية" في الأيام الأخيرة للحرب العراقية الإيرانية قبل توقيع اتفاقية السلام، حين حاولت وحدات من الجيش العراقي الاستيلاء على منطقة حساسة ودفاع كتيبة من الجيش الإيراني عنها في معركة غير متكافئة.
"سرو تحت الماء".. أسئلة مصيرية
ويعالج "سرو تحت الماء" لمحمد علي باشه آهنكر -بأسلوب مشوق- قضية أزلية تمسّ الإنسان أينما كان؛ فظاعة الحروب التي لا تتجسد فقط بالدمار والموت وفقدان الأحبة، بل بتمسك الأهل والأقارب بالعثور على أجساد هؤلاء ولو كانت مبعثرة لجمعها ودفنها وإقامة المراسم الأخيرة لراحة روحها.
الفيلم يناقش هذه المسألة المهمة ويطرح سؤالا جوهريا وأخلاقيا بشأن أولوية الاهتمام عند اكتشاف بعض الحقائق. ومنها حين تعطى جثة قتيل في الحرب اسما آخر لشخص مفقود؛ هل يجب في هذه الحالة كشف الأمر لأهالي المفقود أم تركهم على انتظارهم وأملهم وترك الآخرين على قناعتهم بأن الجسد الذي بحوزتهم هو لابنهم الغالي؟ هل يجب الصدق في هذه الحالة أم أن الاهتمام بالأحياء وحالتهم النفسية يبرر عدم كشف الحقائق بل والكذب؟..
الموقف من الموت ومن الحياة نسجه المخرج ببراعة واستطاع تحويل قصة الفيلم من قصة حرب وضحايا إلى قصة تتعلق بأسئلة مصيرية.

"مرموز".. أحمدي نجاد نموذجا
وبعيدا عن قضايا الحروب الماضية والراهنة يأتي فيلم "مرموز" (الخبيث حسب العنوان بالإنجليزية أو الغامض الذي له دلالة مخفية، وفهمه يقتضي فكّ طلاسمه) لكمال تبريزي ليتناول السياسة الحالية وينتقد بجرأة وكثير من الطرافة الوضع السياسي الإيراني إزاء طريقة اختيار المرشحين للانتخابات الرئاسية وصولا إلى كيفية التحكم بالرأي العام وإقناعه بما لا يقنِع أحيانا.
ويركز الفيلم على الأسلوب الذي يتبعه البعض للوصول إلى أعلى المراتب كتحويلهم كل أنواع القضايا إلى قضايا أمنية. كما يبدي "مرموز" تلاعب شخصيات سياسية واستخدامهم الديماغوجية والعبارات الرنانة في خطاباتهم التي تستقطب الجماهير، كالديباجة التي يبدأ بها بعض المتحدثين الرسميين ومنها "الموت لأميركا".
أدى الممثل حامد بهداد دور مرشح أحد الأجنحة الرئيسية بأسلوب ساخر ولافت، ونجح في تقديم شخصية مذبذبة ومثيرة للسخرية لرئيس مرشح مدعوم من أحد الحزبين المتنافسين كانت إيحاءاتها واضحة لشبهها بالرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد شكلا ومضمونا.
لكن الفيلم لم ينجُ مع أسلوبه الخفيف من خطابية في نهايته حثّ فيها على "المحبة التي تحمي المجتمع لأن المشكلة اليوم هي عدم التعقل والتفكير".
يعتبر كمال تبريزي من المخرجين الإيرانيين الذين جعلوا الكوميديا وسيلة لنقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية في بلدهم، وتلقى أفلامه إقبالا شديدا من الجمهور الإيراني وذلك لمغزاها السياسي وخفتها وظرافتها. وتجدر الإشارة إلى أن فيلمه " ليزرد" أو "السحلية" الذي أخرجه عام 2004 قد منع في إيران لسخريته من رجال الدين.