رجال عصابات المال.. بنوك فوق القانون

قيس قاسم 

البنك البريطاني "أتش أس بي سي" عُرف بضخامة رصيده المالي وقوة نفوذه الاقتصادي والسياسي، مما جعل الوثائقي الفرنسي "رجال عصابات المال" مهتما بكشف خروقاته وتلاعباته.

في السنوات العشرين الماضية تورطت بنوك دولية عملاقة في سلسلة فضائح وصلت إلى مستوى جرائم، مثل تبيض أموال عصابات المخدرات وفتح حسابات وهمية للمتهربين من الضرائب وغسل أموال رجال المافيا، وكان من بين هذه البنوك البنك البريطاني "أتش أس بي سي" الذي عُرف بضخامة رصيده المالي وقوة نفوذه الاقتصادي والسياسي، مما جعل الوثائقي الفرنسي "رجال عصابات المال" مهتما بكشف خروقاته وتلاعباته، وراح يبحث عن السر وراء بقائه وعدم محاسبة أصحابه رغم افتضاح الكثير من تجاوزاتهم.

 

 

البنك البريطاني.. عبور الأموال غير النظيفة

ينطلق المخرج "جيروم فريتِل" من نتائج تحقيقات قضائية وقانونية قامت بها دوائر شرطة ومؤسسات دستورية غربية ثبتت حقيقة أن البنك البريطاني أصبح مرتعا لكل من أراد غسل أمواله "السوداء" أو التهرب من دفع الضرائب في بلاده، وأنه غدا وسيطا آمنا للراغبين بنقل أموالهم المتحصلة من أعمال غير قانونية إلى مناطق أخرى بعيدة عن الأنظار، ولخطورة ما يُقدم عليه وتجنبا لتعريض نفسه للمحاسبة القانونية وخوفا من انتقام مسؤوليه، تسلح صانعه بالمعلومات الموثقة والوثائق الرسمية المدعومة بتسجيلات فلمية وبمقابلات مع شخصيات قريبة من عالم المال وصُناعه.

لم يكتفِ بكل ذلك، فراح يجمع المادة التاريخية ليوضح عبرها العلاقة بين نشأة البنك البريطاني قبل 150 عاما وارتباطه بمصالح رأس المال العالمي طيلة تلك الفترة.

أحد أسباب قوة البنك البريطاني تشعب شبكة عمله من هونغ كونغ إلى نيويورك مرورا بعدد كبير من دول العالم، مما سهل عليه عملية تحريك الأموال المودعة عنده، إلى جانب مرونة أصحابه في الانتقال من موقع إلى آخر توافقا مع مصالحهم المتحركة على الدوام.

أحد أسباب قوة البنك البريطاني تشعب شبكة عمله من هونغ كونغ إلى نيويورك مرورا بعدد كبير من دول العالم.

 يُقَدم الوثائقي ما جرى في الصين وهونغ كونغ مثال عليها. فالبنك وخلال العقد الأخير وسّع من صلاته بالصين وفتح المجال أمام استثماراتها المالية، وبخاصة استثمارات قادة الحزب الشيوعي والمقربين لهم. ولضخامتها غيَّرت من توصيفه السابق، فبدلا من "البنك الغربي الأكبر في الصين" صار يطلق عليه اليوم "البنك الصيني الأكبر في الغرب". وفي هونغ كونغ يعامل شعبيا بوصفه بنكا وطنيا مركزيا، فهو مَن حوّلها مع الوقت إلى نقطة مركزية لاستقبال الأموال "غير النظيفة"، ففضيحة "تسريبات بنما" تجلي جانبا منها.

إعلان

كالعادة ورغم كشف التحقيقات الدولية دوره الرئيسي في الفضيحة؛ لم يُقدَّم أي من مدرائه أو أصحابه إلى المحاكم ولم تنقص أبدا أرباحه الهائلة.

في بحثه عن جواب شاف على السؤال الملحاح بشأن السر وراء "براءته" الدائمة رغم إدانته، يعود صانعه ومساعده "مارك روج" إلى التاريخ ليجد ربما فيه توضيحا. تأسيسه في هونغ كونغ يعود إلى فترة انتداب بريطانيا للجزيرة وإلى انتصارها على الصين في "حرب الأفيون"، فالصين ظلت عصية على البريطانيين، حيث لم يدخلوها عسكريا بل قاموا بعبور سورها العظيم عبر تجارة المخدرات التي تولى الإشراف على تهريبها ضباط الأسطول البحري، فأدخلوا الكثير منها للبلاد لتصير وبالا على الصينيين، فيما درّت أرباحا خيالية على البريطانيين لتأمين الأموال المتحصلة من بيع المخدرات، وتطلّب فتح بنك لإيداعها فيه وبالتالي "تنظيفها".

في بريطانيا يبدو ارتباط السلطة مع رأس المال -وبخاصة بنك "أتش أس بي سي"- قويا ومتداخلا.

"أتش أس بي سي".. مهوى رجال العصابات

هكذا ظهر "أتش أس بي سي" في هونغ كونغ، ومن المفارقات التاريخية أن أغلب أعضاء مجلسه التأسيسي كانوا من تجار المخدرات البريطانيين، وهذا ربما يفسر بعضا من سلوك البنك على مدى قرن ونصف، يُضاف إليها حقيقة أنه البنك الغربي الوحيد الذي ظل موجودا ويعمل في الصين طيلة حكم الزعيم "ماو".

من التاريخ يرجع الوثائقي إلى الحاضر ليتابع سطوة البنك الكونية وكيف أصبح "فوق القانون". في الولايات المتحدة الأمريكية وبعد مرور أربع سنوات على الأزمة المالية العالمية توصلت شرطتها إلى حقائق عن دوره في اختراق الأنظمة المالية الأمريكية وكسره المتعمد والمستمر لقوانين المقاطعة المالية ضد بعض الدول والشخصيات وتبييضه أموال كارتلات تهريب المخدرات المكسيكية والكولومبية بشكل مُنظم.

 يعرض الفيلم الفرنسي صورة ساخرة عن استهتار البنك بالقوانين المالية الأمريكية، وكيف ظل فاتحا أبوابه على مصاريعها أمام تجار المخدرات ورجال العصابات المنظمة لإيداع ملايين الدولارات "نقدا" وبشكل علني في حساباتهم.

يعرض الفيلم الفرنسي صورة ساخرة عن استهتار البنك بالقوانين المالية الأمريكية، وكيف ظل فاتحا أبوابه على مصاريعها أمام تجار المخدرات ورجال العصابات.

نقله مقاطع من وقائع استجواب بعض مسؤولي ومديري البنك أمام الكونغرس الأمريكي تعطي انطباعا قويا بفشلها وعجزها عن إدانتهم، وتُبيّن في الوقت نفسه الآلية التي يتم التستر بها على نشاطاتهم التي تشير في النهاية إلى درجة تقارب المصالح بين رأس المال والسلطة السياسية.

فمن كل الضجة المثارة خرجت إحدى المحاكم المختصة بالجرائم الاقتصادية بقرار يجبر إدارة فرع البنك البريطاني في نيويورك على دفع غرامة قدرها مليارا دولار تعويضا لخسارات الحكومة الأمريكية. وحسب بحث الوثائقي للحكم مع خبراء مال واقتصاد، فإن المبلغ لا يعني شيئا لأصحابه، لأنه عمليا لا يمثل سوى أرباح شهر واحد تقريبا من مجموع أرباحهم السنوية، والمفارقة أن البنك والمحكمة اتفقا على تسديد الغرامة عبر صرف "سندات بورصة" وهو ما يعني أن مودعي الأموال العاديين سيقومون هم بتسديدها بدلا من البنك!

من التاريخ يرجع الوثائقي إلى الحاضر ليتابع سطوة البنك الكونية وكيف أصبح "فوق القانون".

علاقات محرمة.. رأس المال والسلطة

إعلان

في بريطانيا يبدو ارتباط السلطة مع رأس المال -وبخاصة بنك "أتش أس بي سي"- قويا ومتداخلا، اعتبرته -رغم موقفه الرافض مساعدتها أثناء أزمتها المالية الأخيرة- وسيطا مؤهلا بينها وبين رأس مال الصين. فقد أسندت الأخيرة له مهمة إدخال عملتها المحلية إلى سوق العملات المتنافسة في البورصات العالمية، ولهذا الغرض شيّدت له أكبر مركز في عاصمتها بكين.

الحكومة البريطانية بدورها أرادته ممثلا عنها في الصين وآسيا، ولتحقيق ذلك قامت بتعيين مديره السابق "لورد ستيفن غرين" وزيرا للتجارة في حكومتها مع احتفاظه بعلاقاته "الخاصة" بالبنك، فلقوة وتشابك مصالح بريطانيا مع الاقتصاد الصيني الصاعد يصبح التغاضي عن خروقات البنك منطقيا.

لذلك حتى بعد انكشاف فضيحة "قائمة سويسرا" -أو كما أسمتها الصحافة "سويسليك"- والتي تضمنت أسماء آلاف المتلاعبين والمتهربين من دفع الضرائب بتسهيل من البنك العملاق، لم يُتخذ بحقه أي إجراء قانوني. وبعد ثلاثة أشهر على بدء التحقيقات أمرت الحكومة السويسرية بإيقاف هذه التحقيقات.

البنك وبخبرته الواسعة والتاريخية يعرف كيف يمتص الصدمات القوية، فبعد ظهور فضيحة "قائمة سويسرا" قرر التضحية بمديره السابق وتعيين مدير تنفيذي آخر مكانه، ليبدو الأمر وكأن كل التجاوزات التي تصل قيمتها مليارات الدولارات قد تمت معالجتها.

لهذا ومع كل التملق له، لا تجد إداراته حرجا في تغيير ولاءاتها، فبينما كانت غربية عند تأسيسه وراعية لمصالح دولها طيلة أكثر من قرن ونصف، ترفع اليوم العلم الأحمر فوق مبانيها للدلالة على شدة حماسها للعمل مع المارد الصيني القادم بقوة إلى سوق المال العالمي.

الحكومة البريطانية بدورها أرادته ممثلا عنها في الصين وآسيا، ولتحقيق ذلك قامت بتعيين مديره السابق "لورد ستيفن غرين" وزيرا للتجارة في حكومتها مع احتفاظه بعلاقاته "الخاصة" بالبنك.

الصينيون بدورهم لا يخفون رغبتهم في التخلص من عبء المبادئ الشيوعية، فنرى قادتهم يعلنون صراحة ميلهم للعمل والتعاون مع البنك العملاق واعتباره "وسيلة" ضرورية للدخول عبرها إلى عالم المال الذي طالما ظلوا بعيدين عنه، واليوم يجدون في بنك "أتش أس بي سي" معينا لهم في تغيير وجهة نظر العالم عنهم.

ارتباط جديد يهدد بزعزعة استقرار العالم سياسيا واقتصاديا، وحسب الجملة الختامية للوثائقي فإن خطر التقارب الجديد يكمن في ظهور منطوق مُستَحدث في معادلة رأس المال الكوني إذ يقول: إذا سقط البنك فسيسقط لوحده، هكذا كان الأمر في السابق، أما اليوم فسيسقط ومعه الصين!

للتأكد من صحة المعادلة الجديدة ومن التهم الموجهة للبنك، حاول الوثائقي جاهدا الاتصال بمديريه وأصحابه لكنه لم يحصل على جواب إيجابي منهم. وكما يبدو فالبنك لا يخشى أحدا ولا يريد تقديم تبرير لأحد.

هل البنك فوق القانون؟ هذا السؤال الذي تركه الوثائقي خلفه وترك للمُشاهد أيضا حق التفكير به مليا.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان