بين الخيانة والهزيمة.. مصائر الأبطال في أفلام محمد خان

وفي أفلام المخرج المصري محمد خان هناك تيمات واضحة منذ بداية مسيرته: الانشغال بالمكان، جرأة التصوير الخارجي، والتعامل مع المدينة، الشخصيات المطحونة والمهمشة، قصص الحب غير المكتملة، ومحاولات المهزومين للتعامل مع واقع أكبر منهم. ولكن أيضاً هناك أشكال درامية خفية تتكرر دائماً وبأشكال مختلفة داخل الأفلام، ومن بينها الطريقة التي تعامل بها مع الصداقة كعنصر محوري في حياة أبطاله.. وأحياناً ما يكون صُلب حكاية الفيلم نفسه.

ولكن السبب الأهم في كون "الصداقة" محور الفيلم الرئيس هو ما يُتوّج ويتضح في المشهد قبل الأخير: شمس وحبيبته سلوى في مترو الأنفاق، الخالي تماماً في الصباح الباكر، انتهوا لتوّهم من معركة طاحنة مع "العصابة"، أجسادهم مُنْهكة ويشعرون بنهاية الكابوس، يحضر مُراد، صديق شمس ووكيل النيابة الذي كان السبب في تورّطه منذ البداية داخل تلك القضية حين أرسله لتصوير أحد الأفراح دون إخباره بوجود عصابة تهريب وجريمة منظمة في كواليس الحدث، مما أدى بعد ذلك لكل التتابعات الدموية التي مرّ بها، يذهب "مراد" نحو "شمس وسلوى"، يسأله -في آخر جملة منطوقة بالفيلم-: "سليم يا شمس؟!"، فينظر له شمس -بتداخل موسيقى كمال بكير ذات النغمة الحزينة- دون أن يرد، يمد مراد يده، فينزل شمس ويمسك بحقيبة التهريب ويعطيها له، ثم يغادر عربة المترو دون حديث.
هذا المشهد يمتلك شاعرية مُفرطة في اختصار إحدى القراءات المحتملة للفيلم، وهو أنه حكاية عن "صداقة مُهْدَرَة"، شمس يُدرك في مشهد أسبق أن هناك "لعبة جرت عليه من قِبَل مراد الذي لم يخبره بحقيقة الفرح"، وفي تلك اللحظة الختامية، يبدو أن كل شيء تغيَّر في حياة البطل بناء على الليلتين اللتين عاش فيهما أحداثاً عصيبة؛ لا علاقته بمدينته صارت كما هي -كما نشعر في المشهد الأخير على كوبري المشاة بميدان التحرير– وعلاقته بصديقه انتهت.. كأنه بالحقيبة التي يمنحها له يقول إن ذلك الشيء الوحيد الذي تبقى.

في فيلمي "أحلام هند وكاميليا" (إنتاج 1988) و"بنات وسط البلد" (إنتاج 2005)، تكون الصورة أوضح في علاقة بطلاته الأربع ببعضهن، يعمل الفيلم طوال الوقت على خلق "ذكريات" -بصرية وحوارية- بينك وبينهن، سواء حدث ذلك في أزقة مصر الجديدة والسلالم الخلفية للعمارات في الفيلم الأقدم، أو في محطة مترو "السادات" وشوارع وسط البلد في الأحدث.
يبدأ الفيلمان بتلك الصداقة، وينتهيان عندها، تمر حياة الصديقات بالكثير من الصعود والهبوط، الصدمات واللحظات السعيدة، تتغير علاقتهن العاطفية (باختلاف الطبقة والزمن)، ويبقى الجوهر الحقيقي الذي يدور حوله كل شيء هو تلك الصداقة، ومن المُلفت مثلاً كيف أن الصورة الختامية للفيلمين متقاربة جداً: البطلتان وابنة إحداهن معاً، مع استبعاد مكرر -بعيداً عن اختلاف الأسباب أيضاً- للعنصر الذكوري من الصورة.
هذا التتابع -الشاعري جداً أيضاً- يفتح قوساً ما عن تلك "الصداقة"، وحين يُغلق القوس بمشهد السطوح الطويل، ومحاولة "فارس" ثني "عبد الله" عن احتجاز زوجته وأبنائه، وجملته الهامسة ب أنه "يعرف": "عارف يا عبد الله"، قبل أن ينتهي كل شيء بانتحار الأخير من فوق المبنى (في تتابع يقطعه "خان" بصوت حاد ومزعج جداً للمترو قادماً نحو الشاشة) يكون إحدى الدفعات الختامية التي تجعل بطل "خان" يترك "زمن اللعب" ويقبل العمل في تهريب السيارات.
في "سوبر ماركت" (إنتاج 1989)، يقدم "خان" أيضاً شكلاً غير معتاد للصداقة في الأفلام المصرية، العلاقة بين "أميرة ورمزي" (أداء ممدوح عبد العليم ونجلاء فتحي) تبدو منفتحة جداً أكثر من المعتاد، ينفي عنها أي بعد عاطفي منذ البداية، ولكنه لا يحاول التأكيد أبداً على أبعاد الجيرة والتربية المشتركة، لا تتحدث معه بجملٍ مباشرة من قبيل "إنك مثل أخي" (كما يحدث في الأفلام المصرية)، بقدر ما تنساب علاقتهما وتمتلك المشاهد بينهما طريقة طبيعية -ومرة أخرى غير تقليدية- من وصل الأصدقاء.

وفي بُعدٍ آخر موصول بـ"تيمة" الفيلم الحاكِمة، يجعلهما "خان" (وسيناريو عاصم توفيق) أقرب لبوصلة أخلاقية مشتركة موصولة ببعضها؛ "رمزي" بموسيقاه وأفكاره التي لا تزال تحمل بعض السذاجة عن العالم، و"أميرة" التي تأخذ خيارات أقل مادية من طليقها، لذلك ففي النهاية حين نصل إلى ما يعتبره الفيلم "تنازلاً/سقوطاً" لشخصية أميرة من خلال علاقتها بالدكتور عزمي، فإن النظرات المتبادلة الصامتة الأخيرة بين اثنين من الأصدقاء القدامى تحكي كل شيء يريده "خان" من الفيلم: لقطة Track in على وجه "رمزي" يجلس على السلم بإرهاقٍ ونظرات حزينة، لقطة قريبة لأميرة وفي الخلفية دكتور عزمي (Out of Focus ولكن يشغل الجزء الأكبر من الشاشة بهيمنة واضحة)، لقطة أقرب لوجه "رمزي" ونظرات الإحباط/الهزيمة في عينيه، لقطة أخيرة وسريعة لـ"أميرة" ونظرتها تنخفض لأسفل قبل أن يغلق باب "الأسانسير". وتنتهي الحكاية.
وبعد؛ فمن المُلفت كيف أنه في الوقت الذي كانت مصائِر أغلب أبطال "خان" -خصوصاً في أفلامه الأقدم- تنتهي بالهزيمة، وأغلب العلاقات العاطفية الكبرى تصل لمصيرٍ مُغلق (موت أو سَجن أو مُفارقة.. أو على الأقل يسير أطرافها مُحملين بثقل ما جرى)، فإن مصائر الصداقات أيضاً لم تبتعد عن ذلك الحِس الخفي الحزين والمزاج القاتِم الذي يسربه "خان" في نهايات أفلامه. فقد تبقى تلك الصداقات أحياناً في ختام الحكاية (كهند وكاميليا وبطلات بنات وسط البلد) ولكنها على الأغلب تُهدر؛ ويفارق الناس الطرق التي مشوها سوياً ذات مرة.
