الفيلم الوثائقي المظلوم

هناك الكثير من المداخل التي تتيح الفرصة للسينمائيين المبتدئين للنفاذ إلى عالم السينما. البعض يبدأ العمل مساعدا للإخراج عدة سنوات إلى أن يكتسب الخبرة والثقة للوقوف وراء الكاميرا وإخراج الأفلام الروائية. والبعض الآخر توفر له ظروفه الخاصة القفز مرة واحدة إلى الإخراج دون المرور بمرحلة "مساعد المخرج"، خاصة إذا كان ينتمي "عائليا" إلى الوسط السينمائي منذ طفولته. وهناك من ينتقل من كتابة السيناريو إلى الإخراج، ولكن هناك أيضا من يبدأ العمل السينمائي في مجال السينما الوثائقية، ولكنه سرعان ما يتخلى عنها لحساب السينما الروائية.

لماذا السينما الوثائقية مهمّة؟
معروف أن الفيلم الوثائقي يتطلب الكثير من الجهد، سواء فى العثور على المادة المناسبة لموضوع الفيلم، أو ما يتعرض له السينمائي من متاعب كثيرة أثناء العمل، خصوصا إذا كان التصوير يدور فى منطقة من المناطق النائية الشاقة. وهناك أيضا عامل آخر مهم يتعلق بالمفهوم السائد عن الفيلم الوثائقي، أي كونه لا يحقق للمخرج الشهرة والجماهيرية على نحو ما يفعل الفيلم الروائي الذي يتمتع بأسماء النجوم وبظروف العرض على نطاق واسع مع ما يصاحبه من دعاية ما يجعله فنا شعبيا واسع الانتشار، في حين يظل الفيلم الوثائقي محصورا في نطاق أوساط معينة.
لهذه الأسباب وغيرها، تخلى معظم المخرجين الذين بدأوا حياتهم الفنية بالعمل فى السينما الوثائقية، عنها، وانتقلوا إلى حقل السينما الروائية. لكن هناك أسبابا أخرى تفسر هذه "الهجرة" الاختيارية.
الوثائقي والواقع
المفارقة هي أن بداية السينما فى مصر والعالم كانت وثائقية، كما تشهد كتب التاريخ. فقد صور رائدا السينما في العالم الاخوان لوميير، وصول القطار إلى المحطة وخروج العمال من مصانع لوميير في أول شرائط مصورة على شرائط "السيلولويد"،. ويعتبر أول فيلم مصري هو فيلم "عودة سعد زغلول من المنفى" الذي صوره رائد السينما المصرية محمد بيومي عام 1923.

المخرج الأمريكي روبرت فلاهرتي أثناء تصوير "نانوك الشمال"عام 1921 أوّل فيلم وثائقي رسمي في العالم
وثق الفيلم بشكل ملفت للحياة القاسية لشعب "الإسكيمو" الذين يعيشون في منطقة القطب الشمالي قبل أكثر من مئة عام

قام المخرج فلاهرتي عام 1920 بالسفر والإقامة مع إحدى عائلات الإسكيمو، وكان في تلك الأثناء يقوم بتصوير الحياة اليومية لهم من خلال رجل يدعي "نانوك"
في الصورة نيلا زوجة "نانوك" وطفلهما
ويميل الفيلم الوثائقي بطبيعته أكثر إلى الاهتمام بالقضايا الثقافية والواقعية الجادة، منه إلى الاهتمام بتوفير التسلية للمشاهدين، وإن كان الفيلم الوثائقي الجيد الذي يقدم موضوعا جديدا وطريفا يستطيع أيضا أن يكون مسليا وممتعا لمن يشاهده. لكن الملاحظ أن معظم شركات الإنتاج السينمائي فى بلادنا العربية لا توجه اهتماما كبيرا إلى هذا النوع من الأفلام، بسبب عدم وجود منافذ لتوزيعه وعرضه فى دور السينما.
فى الماضي كان التقليد المتبع أن يسبق عرض الفيلم الوثائقي عرض الفيلم الروائي الطويل، بل وحدث أيضا أن عرضت إحدى دور السينما الرئيسية بمدينة القاهرة عام 1969، فيلما تسجيليا مصريا يبلغ طوله ساعتين، كان هو فيلم "ينابيع الشمس"" الذي أخرجه المخرج الكندي جون فيني المتخصص فى هذا النوع من الأفلام وكان الفيلم وهو عمل بديع، من إنتاج مؤسسة السينما المصرية قبل أن يتم تفكيكها وحلها نهائيا في أوائل السبعينيات. وكان "ينابيع الشمس" يروي بالصوت والصورة والموسيقى ومن خلال مناظر بديعة ساحرة حية، رحلة نهر النيل من منابعه إلى مصبه، وما يقوم على ضفتيه من مظاهر الحياة، والمشاريع التي أقيمت من أجل الاستفادة من مياهه.
وقد تكررت هذه التجربة، أي عرض فيلم وثائقي عروضا عامة في دور العرض مرات محدودة. وفي الوقت نفسه، استمر إنتاج الأفلام الوثائقية الطويلة والقصيرة سنويا، وإن تناقص عاما بعد عام بعد أن أصبح التليفزيون يقدم نفسه باعتباره الجهة الأنسب لإنتاج هذا النوع. ومع ذلك يوجد فى مصر "المركز القومي للسينما" التابع لوزارة الثقافة. وكان هذا المركز في أصل نشأته يسمى "المركز القومي للأفلام التسجيلية والقصيرة" وكانت مهمته تقتصر على إنتاج هذه النوعية من الأفلام، لكنه أصبح فيما بعد كيانا بيروقراطيا هائلا بلا فعالية حقيقية بعد تصفية مؤسسة السينما وإحالة مخلفاتها إليه. ويعمل بالمركز عدد كبير من المخرجين من خريجي المعهد العالي للسينما، لكن معظمهم لا يمارس أي عمل حقيقي، وقلائل منهم هم من يتقدمون سنويا بمشاريع لعمل أفلام وثائقية، لكن المشكلة أن الميزانية المرصودة لإنتاج المركز ضئيلة للغاية لا تسمح سوى بإنتاج ثلاثة أو أربعة أفلام سنويا. ولا يميل المركز لكونه جهة حكومية رسمية إلى تشجيع إنتاج الأفلام الجريئة التي تتناول الظواهر السلبية في الحياة السياسية والاجتماعية المصرية، وهما من الاهتمامات الأساسية للفيلم الوثائقي، بل يشجع القائمون على المركز، وهم موظفون حكوميون، إنتاج الأفلام الدعائية التي تروج للمشاريع الرسمية كما رأينا أخيرا عندما خصص المركز وحدة إنتاج خاصة لمتابعة مشروع توسعة وتعميق قناة السويس.
عن التلفزيون
وتغيب هذه النوعية من الأفلام النقدية تماما عن إنتاج التليفزيون المصري، بسبب طبيعته الرسمية والرقابة المشددة التي تحكم عمله، كما تغيب البرامج المخصصة للسينما الوثائقية. ورغم تعدد القنوات إلا أنه لا يشمل قناة وثائقية خاصة. ومن الغريب أن المساحة المتاحة للأفلام الوثائقية فيه لا تتجاوز ساعتين ونصف الساعة فى السنة كلها، وهذه حقيقة مدهشة بالطبع إذا عرفنا أن عدد الأفلام الوثائقية التي تنتج فى أي دولة من الدول التي تتوفر فيها صناعة سينمائية حقيقية، يتجاوز كثيرا عدد الأفلام الروائية.
من ضمن ملامح أزمة الفيلم الوثائقي، أن النظرة الرسمية إليه لاتزال تنحصر فى إطار الدعاية المباشرة للمشروعات والإنجازات الحكومية المختلفة، بينما يرتبط جانب مهم من اهتمامات الفيلم الوثائقي بقدرته على نقد الظواهر الاجتماعية السلبية، فأول ما يميز السينما الوثائقية تعاملها المباشر مع الحقيقة دون تجميل أو رتوش.
والطريف أن عددا كبيرا من السينمائيين الكبار الذين اشتهروا بأفلامهم الروائية، بدأوا تسجيليين، ومنهم علي سبيل المثال: محمد كريم وأحمد بدرخان وصلاح أبو سيف وهنري بركات وفطين عبد الوهاب ونيازي مصطفي . ومن الجيل الأحدث نسبيا هناك أشرف فهمي وخيري بشارة ومحمد خان وداود عبد السيد وعلي بدرخان. لكن قلائل لا يزالون مستمرين فى إخراج الأفلام الوثائقية بين وقت وآخر والمعروف أيضا أن المخرج الراحل شادي عبد السلام، الذي لم يخرج سوى فيلم واحد روائي طويلا هو فيلم "المومياء" الشهير، أخرج ستة أفلام وثائقية أشهرها "الفلاح الفصيح" و"آفاق" و"جيوش الشمس".

فى الوقت، نفسه، ظل في مصر هناك مخرجون تخصصوا فى إخراج الأفلام الوثائقية ولم "يخونوها" أبدا لحساب السينما الروائية، منهم: الراحلون سعد نديم، صلاح التهامي، عبد القادر التلمساني، وأحمد راشد ونبيهة لطفي، ومن لايزالون على قيد الحياة مثل هاشم النحاس، فؤاد التهامي، عطيات الأبنودي. متعهم الله بالصحة والعافية.
ويعتبر سعد نديم المؤسس الحقيقي للسينما الوثائقية فى مصر والعالم العربي. فهو الذي أسس أول قسم فى ستوديو مصر للأفلام الوثائقية عام 1946. وقد درس سعد نديم السينما فى لندن وعاد إلى مصر عام 1954، حيث بدأ في إخراج الأفلام الوثائقية إلى حين وفاته عام 1980. وكان مفهوم سعد نديم للسينما الوثائقية أنها السينما "التي تعبر عن حياة الناس كما هي فى الواقع، بأسلوب اجتماعي وبطريقة خلاقة". وكان يقصد بذلك عدم تدخل صناع الفيلم بتعديل الواقع أو تغييره، وهو ما يتطلب عدم الاستعانة بالقصص الخيالية. أما الأسلوب الاجتماعي فالمقصود منه أن يكون للمخرج موقف محدد من المجتمع الذي يعيش فيه بحيث لا يخرج الفيلم مائعا فيتسبب بالتالي فى بلبلة إدراك المتفرج.

في السينما العربية
التخصص فى السينما الوثائقية لا يوجد فقط فى مصر، فهناك كثير من المخرجين العرب الذين ارتبطوا بالعمل فى السينما الوثائقية وفضلوها عن السينما الروائية، من هؤلاء المخرج العراقي قاسم حول الذي أخرج أفلاما تسجيلية عديدة منذ سنة 1966، والمخرج اللبناني جان خليل شمعون وزوجته المخرجة الفلسطينية مي مصري، ومن أشهر أفلامهما معا "أطفال جبل النار" و"رهينة الانتظار". وقد انتقلت مي مصري أخيرا لتخرج فيلمها الروائي الطويل الأول "3000 ليلة". وهناك أيضا المخرج والمونتير العراقي قيس الزبيدي الذي قدم عددا كبيرا من الأفلام.
ويرى بعض الذين بدأوا مشوارهم السينمائي بإخراج الأفلام الوثائقية أن التجربة فرضتها عليهم ظروف العمل فى السينما التي تجعل المنتج لا يثق كثيرا فى المخرج المبتدئ الذي لا رصيد له يطمئن على مهارته الحرفية فى الإخراج، قبل أن يعهد إليه بإخراج فيلم روائي طويل. والبعض، كما فى حالة المخرج داود عبد السيد الذي حقق نجاحا فنيا كبيرا بأفلامه الروائية لا يكاد حتى يتذكر الأفلام الوثائقية التي أخرجها، أو لا يرحب كثيرا بالحديث عنها، اكتفاء بالقول إن إخراجه لها منحه الثقة بنفسه كمخرج يستطيع ترجمة الأفكار النظرية إلى صورة وصوت.
وقد تفرغت المخرجة المصرية عطيات الأبنودي، للسينما الوثائقية دون غيرها، وحققت 15 فيلما، معظمها من إنتاجها أيضا، وبعضها أنتجته بالتعاون مع محطات التليفزيون الأوروبية مثل "ايقاع الحياة" وكانت قد بدأت بفيلم من أفلام الهواة هو "حصان الطين" الذي شجعها حصوله على عدد كبير من الجوائز لدراسة السينما ثم احترافها. كذلك تفرغ المخرج الكبير هاشم النحاس للفيلم الوثائقي وأخرج نحو ثلاثين فيلما أشهرها بلاشك "النيل أرزاق" (1973).