"قارب ورق" .. إنسان غزّة كمفارق لوجوده !

للوهلة الأولى تعتقد أن فيلم "قارب ورق" للمخرج محمود أبو غلوة، يتحدث عن امرأة يأتيها المخاض في الحرب، أو هكذا تتمنّى؛ فجميعنا يحب تراجيديا الحروب، إلا أن الفيلم سرعان ما يتملص من آمال المشاهد، آخذاً إياه إلى مآلات الثنائيات المتناقضة؛ الولادة والموت، النقص والاكتمال، العتمة والضوء، الفلسفة والسطح.

فيلم "قارب ورق"، وهو الفيلم الروائي الأول للمخرج، مشغول ٌبذكاء وبتأن عن
زوجين شابين يعيشان في المخيم بمنزل بائس؛ سطحه من الإسبستس، وجدرانه تكاد تتهاوى، ما يجعلها وسيطا لنقل كل الأصوات خارجها مختلطاً بما داخلها؛ صوت المرأة الحامل وهي تقرأ صفحات كتاب للطاهر بن جلون، والقصف، والراديو، والعتمة والكآبة، لتشعر كأنك تتجول داخلك وداخل تعاستك ..

عبارات قليلة سواء في المونولوج أو الديالوج  لكنها كافية لتتلبس ثيمة الفيلم الذي يتحدث عن الإنسان كمفارق وغريب عن محيطه.

فهذا الرجل تشعر أنه نادم على ذلك الطفل الذي سيأتي، بقوله في أحد المشاهد "إذا كنت أمتلك حُرية الاستسلام لهذه العبودية، فما أملك حق توريثها" والعبودية التي يقصدها، عبودية للخوف، ولقدَر الحرب.

 القصف يحيط بهما، وأحيانا تشعر أن المرأة الحامل من خياله، فتختفي في أحد المشاهد المعتمة، لتجد السرير الفقير فارغا؛ فالعتمة ما هي إلا تخيلات ذاته، والضوء حقيقة واقعه.

فيلم وجودي يمثل لك الإنسان المقاد إلى غرائزه، بتكرار "ديجتالي" لمشهدين خارج سرد درامي هو غرائبي في الأساس؛ الأول فيه البطل مربوط إلى لقمة طعام تتمايل أمام وجهه، فيحاول الوصول إليها دون فائدة، ومشهد آخر لمجموعة من السجناء يحاولون الحصول على قطعة خبز من بين قضبان نافذة بعيدة.

 إنه ليس فقط قدر الفرد، بل الجماعة التي يقتلها البحث عن الطعام، والأمن، إنه الألم الجمعي الذي يصدّره قطاع غزة إلى العالم وسط الشعور بالرعب حين يواجه أقداره، ألم نقي لا ترى في طزاجته شبيهاً سوى بهذه المدينة التي غدت مختبرا لتقانة الآلة الحربية الاستعمارية.

إعلان

الفيلم لا يقول كل ذلك مباشرة، بل تتكاثف أحداثه في أقل من عشرين دقيقة؛ القصف بالخارج، المذيع يصدح صوته المتوتر عبر المذياع: "أعزاءنا المستمعين؛ وردنا للتو أن طائرات الاحتلال قامت بقصف أرض زراعية في شرق غزة، ولا أنباء عن إصابات حتى اللحظة"، والمرأة الحامل تقرأ "كان الليل كسوتنا، إنه كان يُحيطنا برعايتهُ، لا أثر للنور، لا أثر لبصيص ضياء.."، ورجل غارق في هلاوس خوف من استعباد طفل لن يأتيه.

" كان العفن ينال من أجسادنا عضواً تلو الآخر، والشيء الوحيد الذي تمكنتُ من الحفاظ عليه هو رأسي، كُنت أتخلى لهم عن أعضائي ورجائي ألا يتمكنوا من ذهني"

 هكذا يقرأ البطل وهكذا تشعر حين تنظر إلى ما حاولت إنقاذه في غزة، فقد ذهبت المنازل، والأجساد والمشاعر ولم يتبق لك سوى القلق.

هو فيلم يتحدث عن الانتظار، انتظار الخلاص، خلاص الفرد والجماعة من قدر الألم والحصار وتكرار المأساة، فيلم صغير لكنه ينقلك بحيل إخراجية إلى الماضي والحاضر والمستقبل، فيغيب عنصر الزمن متماهياً مع الفرد الذي لا يستطيع التخلص من غربته إلا عبر ذكريات الماء.

فالماء بالفيلم معادل موضوعي للخلاص، ليظهر في أحد مشاهد العتمة القادمة من داخل البطل، حين يضع طفل قاربا من الورق على المياه الجارية في زقاق المخيم، هو ذاته الطفل الذي يراقب أناه حين تكبر في مشهد نهاري عند البحر وأمامه قارب خشبي، لكن أحدهم يبقى والآخر يختفي وهنا ينتهي الفيلم دون إشباع لغليل الانتظار.

الفيلم الذي تم عرضه على مستوى خاص، في شركة "هاردي سكيلز للإنتاج الإعلامي"، الأسبوع الماضي، تقدّم للمشاركة في عدد من المهرجانات أحدها مهرجان كان السينمائي، كما يوضح مخرجه أبو غلوة.

بطل الفيلم "فراس المصري"

ويؤكد "إنه فيلمي الأول، وكنت دائما مهجوسا بأن يكون عميقا ونفسيا، ولا يتناول الأحداث حولنا بشكل تقليدي أو إخباري".

وحول طاقم فيلمه يفصّل "السيناريو  للكاتب محمود أبو سل، والمنتج هو عامر أبو ناصر، وتصوير وإضاءة المبدع حسين جابر، أما الإنتاج التنفيذي فللمخرج يوسف نتيل، ومن موسيقى الفنان جبر الحاج، أما البطل الذي فاق التوقعات فهو فراس المصري، ولعبت دور زوجته الشابة عبير أحمد، وأخيرا الطفل محمد زيدان".

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان