من سرق الحلم الأمريكي؟

في 2012،في عام اشتداد وطأة ثورات الربيع العربي لاستعادة ما سرق من الشعوب، في الوقت الذي تمنى فيه الثوار تقدمًا ينافس ذاك الذي تتباهى به الولايات المتحدة، صدر الفيلم الوثائقيّ Heist, Who stole the American Dream? ليصرخ بأنّه حتى الحلم الأمريكيّ قد تمّ نهبه. ترجمة عنوان الفيلم هو : نهب: من سرق الحلم الأمريكيّ؟ وهو من إخراج   Donald Goldmacher, Frances Causey، ومن إعدادهما أيضًا بالمشاركة مع Hollis Rich، ومن إنتاج Connecting The Dots Production.  وبعد أربع سنوات، ما زال كل موضوع ناقشه الفيلم حيًّا وكل نقطة طرحها معرضًا للنقاش، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة.

ملصق الفيلم

هذا الفيلم مليء بالمفارقات التي زادت أهميته، فبالإضافة إلى تزامن صدوره مع متابعة العالم لأحلام الشعوب العربيّة، فقد كان فريق الفيلم يصور في نيويورك حين سقطت البورصة الأمريكيّة في وول ستريت كما توقعوا، وعرض الفيلم لأول مرة بعد ثلاثة أسابيع فقط من بداية اعتصام Occupy Wall Street والتي تكاد رسالة الفيلم تتطابق مع مطالب منظميها، وربما لذلك وبعد الانتهاء من عمل الفيلم أضاف مخرجوه مشهد البداية من حوارات مقتبسة من التظاهرات، وكأنّ فريق العمل الفنيّ يقول هذه هي نهاية سرقة حلمنا فتابعونا نخبركم كيف كانت البداية.

من المفارقات أيضًا، أنّه تمّ اختيار بيرنارد ساندرز المرشح الرئاسي المنافس لهيلاري كلينتون داخل الحزب الديمقراطي في الانتخابات الحاليّة ليكشف الفساد الذي أدى إلى الهوّة الساحقة بين الطبقة الكادحة التي عبرت عنها مظاهرات "احتلوا وول ستريت" بأنّهم الـ99% من الشعب في حين تمثل الطبقة المتحكمة في الاقتصاد 1% فقط.

بداية الفيلم

الفيلم يبدأ بالهتاف من داخل التظاهرات، فظهر الشباب والشيوخ والأطفال بألوان جلود وتجاعيد مختلفة لإبراز أنّ الرسالة من الشعب وليست حكرًا على فئة أو عمر بعينه، فالعديد يعاني من سوء توزيع المال في المجتمع الأمريكيّ. ثمّ يأتي صوت الراوي ليشرح الخلفيّة الأعمق للحدث فيعلق:

إعلان

"الفوضى التي نحن فيها الآن لم تبدأ في وول ستريت. فقبل الانهيار المالي بفترة طويلة كان تفكيك التنظيم الحكومي يتم على قدم وساق. كل العواقب هي نتيجة لانقلاب تم تنفيذه ببراعة. هذه هي قصة أكبر عملية نهب في التاريخ الأميركي ".

لفت انتباهي انتقاء كلمة "انقلاب" للتعبير عمّا حدث، فالمعنى الدارج للكلمة هو أنّ مجموعة من جنرالات الجيش تنقلب على الحاكم وتحوّل البلاد إلى حكم عسكريّ، ونحن نعلم أنّ الولايات المتحدة دولة يحكمها مدنيّ والجيش فيها يتبع قوانينًا وميزانيات معروفة للمدنيين، كما أنّه استخدم كلمة "نهب" مما يبادر إلى الأذهان صورة عصابة سطو متخصصة، فما المقصد هنا؟ ترك الأمر للمشاهد ليصل إلى ما يريد في سياق سلبيّ مقصود.

لوحة مكتوب عليها "مستعد أن أفقد وظيفتي ليكون لدي صوت"

وحرصًا على عدم ضياع الرسالة، لجأ المُعِدون إلى إنزال لوحة مكتوبة بين كل فقرة وأخرى، كما أنّه يشرح معنى عنوان الفيلم من خلال جمل مقتبسة من الحوارات وبدأ بالنتائج وهي أنّ الحلم الأمريكيّ يختفي أمام أبناء الشعب ويطرح السؤال الذي سيخصص باقي الفيلم للإجابة عنه "كيف استطاعوا سرقة أحلامنا أمام أعيننا؟"

الراوي

من المواقف الطريفة وأنا أشاهد لقاءً تليفزيونيًا مع المخرجين  Frances Causey وDonald Goldmacher على قناة RT  الروسيّة، أنّه في ختام اللقاء أعلن ضيف البرنامج أنّه هو نفسه الراوي للفيلم وذلك بعد أن أشاد به في اللقاء. هذا الراوي هو Thom Hartmann مقدم برنامج The Big Picture والإعلاميّ التقدميّ الشهير. صوت هارتمان اتسم بالجديّة والعمق مع اختلاف سرعات الإلقاء لإيقاع تأثيرات متباينة وللتأكيد على المعاني الهامّة، وهي نبرات تختلف تمامًا عن المعهود منه في برنامجه.

الموسيقى التصويريّة

الموسيقى التصويريّة سريعة الإيقاع تضع المشاهد داخل أجواء أفلام المطاردات البوليسيّة لعصابة خطيرة لكن هذه المرة الشعب هو الذي يطاردها وليس الشرطة.

شخوص اللقاء

نجم اللقاء هو بيرني (بيرنارد) ساندرز وذلك لبروزه على الساحة السياسيّة عالميّا كأول متحد لدولة الشركات الكبرى والبنوك الاستثماريّة التي تنعم بالاستقرار داخل الدولة الأمريكيّة، كما أنّه هو المرشح الرئاسيّ الوحيد الذي رفض دعوة AIPAC تلك المنظمة الصهيونيّة التي تتحكم في السياسات الأمريكيّة وتتأكد من استمرار أمريكا للسجود لأوامر الكيان الصهيوني المحتل، ساندرز وهو المرشح اليهوديّ الأول الذي يرفض تلك الدعوة ما فجّر غضب اللوبي الصهيوني واعتبروها إهانة لهم على الرغم من أنّه عرض أن يحادثهم عن طريق الإنترنت، ولكنّ هذا أيضًا اعتبر فجاجة منه في الوقت الذي أبدى فيه البقيّة من المرشحين فروض الولاء والطاعة. آراء بيرني في الفيلم لا تختلف عن تلك التي يستخدمها في حملته الانتخابيّة، وبروزه على الساحة السياسيّة زاد نسبة مشاهدة الفيلم بعد سنوات من انتهاء عرضه في دور السينما.

بيرني ساندرز

التقى الفيلم كذلك العديد من الشخصيات السياسيّة والبحثيّة البارزة نذكر منهم، جيف فو، مؤسس معهد سياسات الاقتصاد، ومن الضيوف أيضًا، روبرت كوتنار مؤلف كتاب Squandering America  وترجمة العنوان تبديد أمريكا، وكذلك التقى الفيلم Robert Lloyd Bob Crandal  الرئيس السابق لشركة الخطوط الأمريكيّة، والذي أكّد أنّ الناس خائفون وينبغي لهم الخوف من الوضع الحالي.

إعلان

 ومن الملاحظ أنّ مجري الحوار يختفي تمامًا ولا يظهر إلا الضيوف وهم يجيبون على الأسئلة المطروحة وفي حالة احتياج المشاهد إلى مزيد من المعلومات أو البيان، يخرج صوت هارتمان ليوصل النقاط ثمّ لوحات فاصلة تلخص ما سبق في جملة أو عنوان حتى ترسخ في عقل المشاهد.

يعود الفيلم الوثائقيّ بنا إلى فرانكلين روزفلت (الرئيس الأميركيّ الثاني والثلاثين 1933-1945) والذي كان الأشد جرأة في الوقوف ضد توغل الشركات العملاقة في مقدرات الشعب، فسنّ قوانينًا تحمي الطبقة المتوسطة مما أدى إلى ازدهارها، وساند نقابات العمال وشكّل المعاشات والتأمينات الاجتماعيّة لحماية الشعب كما خلق فرصًا للعمل، ما أدى إلى جانب عوامل أخرى إلى خروج بلاده من أزمة الكساد العظيم التي وصلت نسبة البطالة خلالها إلى 25%. واستمرت مرحلة الانتعاش خمسين عامًا افتخر خلالها الأمريكيون بأنّ ما يتوفر لدى الأسر العاملة لديهم لا يتوافر إلا للطبقة العليا في دول أخرى.

ما الذي بدّل الموازين؟

الفيلم يعزو السقوط المتواصل لموارد الدولة في أيدي فئة محدودة تتحكم في سياساتها إلى مذكرة لويس باول وكان وقتها محاميا للشركات الكبرى فكتب وثيقته في 1971، والتي اقترحت أنّ الشركات الكبرى يجب أن تستخدم عضلاتها الماليّة في تشكيل سياسات الدولة وعليها أن تعاقب سياسيًّا من يعترض، هذه المذكرة ظلت سريّة إلى سنوات ولكنّها تُدوولت بين أصحاب تلك الشركات ولم تصل إلى الإعلام إلا حين رُشِّحَ لويس باول لمقعد في المحكمة العليا التي تحوي تسعة مقاعد ثابتة مدى الحياة، فسربت تلك الوثيقة لتشكك في اختيار باول وانحيازاته المسبقة.

لويس باول

الوثيقة أوعزت إلى الجمهوريين بإنشاء إثنتي عشرة مؤسسة عملت على مصلحة الشركات الكبرى لسنوات، حتى وبمجرد فوز المرشح الجمهوريّ رونالد ريجان الذي حكم ما بين عاميّ 1989-1981 والذي يعده حزبه حزب الجمهوريين في الولايات المتحدة أيقونة يقاس الرؤساء عليها، كانت الخطة جاهزة للتطبيق، واتسقت قراراته مع وثيقة باولPowell ، فمنح الشركات الكبرى امتيازات غير مسبوقة، تلك الامتيازات كانت بداية انهيار الحلم الأمريكيّ، والذي يتلخص في قدرة كل فرد على امتلاك بيت وسيارة وعمل يعيش منه مرتاحًا مع أسرته، هذا الحلم عاشه الأمريكيون لعقود، بل ودعوا الكفاءات من العالم ليشاركوهم فيه. وإن كان الفيلم يرجع البداية إلى الجمهوريين فإنّه لم يغفل أنّ الديمقراطيين احتسوا نفس الكأس وساروا على نفس النهج.

آراء النقاد

لا أدري إن كان لدى الجميع القدرة على نقد العمل بعيدًا عن توجههم السياسيّ، لكنّ معظم الآراء أطرت على العمل الذي استغرق الإعداد له ست سنوات، ومن أكثر المواقع التي تعطي مؤشرات لمدى جودة العمل هي Rotten Tomatoes أو "الطماطم العفنة"، وهي صفحة نقديّة شديدة بمقاييس نقادها ويبدو أنّ إلقاء الطماطم العفنة على صنّاع الفن الفاشل ثقافة عالميّة، غير معمول بها لكنّها لا تختفي من الذاكرة، درجة الفيلم هناك بلغت 86% وهي درجة عاليّة بالمقارنة بغيره من الأفلام.

الفيلم يقدم وجهة نظر مدعومة بالأدلة والأبحاث والشهود، وهو عمل أرى أنّه أرضى ضمير صنّاعه لكنّني، وأنا لا أدّعي معرفة الحقيقة كمشاهدة، شعرت أنّه أحاديّ النظر وأنّه لم يقدم لي ولو على سبيل المرور العابر أي عوامل أخرى لهذا السقوط الضخم، وإن كان هناك ما أعرفه عن الحقائق فهو أنّ هناك دائمًا الرأي والرأي الآخر وإن اختلفت قواهما، ولا يطمئن قلبي إلا حين يعرضا عليّ معًا، فهذا ما يكسب العمل مصداقيّة لدى المشاهد، وفي هذا العمل، حتى الحوارات التي أجريب مع أصحاب الفكر المعارض لم تكن على المستوى المطلوب وإجاباتهم لم تكن شافيّة، ولا أدري أهذا بسبب ضعف موقفهم أم أنّه متعمد من صنّاع الفيلم أم للسببين معًا؟

إعلان

الفيلم لا يتّحدث فقط عمّا وصلت إليه الساحتان السياسيّة والاقتصاديّة فحسب بل يعرض عن طريق اللقاءات حلولًا للخروج من تلك الأزمات ومنها إفساح المجال للاتحادات العماليّة والسيطرة على الشركات الكبرى والحد من تدخلها في سياسات الدولة وشراء الأصوات، فالطبيعي أن تحمي الحكومات مصالح مواطنيها وخاصة الضعفاء إذ إنّه كما يأتي في الفيلم "الأغنياء لا يحتاجون إلى حكومة، فهم يسكنون في مجتمعاتهم  المسوّرة، ويرسلون أبناءهم إلى مدارس خاصة، الأغنياء يراعون أنفسهم."  فإن ساوت الحكومة في التعامل ما بين الشركات العملاقة وبين المدنيين فستكون المعادلة في صالح الشركات وبذلك تم وبنجاح سرقة الحلم الأمريكيّ.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان