صائدة الأحلام.. ألم يحتوي الأمل

فيلم "صائدة الأحلام" تأكيد جديد على الهم "الأنثوي"، الذي كرست نفسها له المخرجة الإنجليزية الشهيرة كيم لونجينوتو منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً، وحاولت تجسيده سينمائياً بوثائقيات تعرض أحوال المرأة في كل مكان وتقديم نماذج إيجابية/ استثنائية لها بأسلوب سينمائي متفرد جعل منها واحدة من "المختصات" فيه دون تحيز فاقع، وذلك لربطها المحكم وعلى الدوام بين مشكلاتها الخاصة وبين الأوضاع العامة التي تعيش فيها وتنتج موضوعياً تناقضات وصراعات تنسحب عليها، ويظهر ذلك جلياً في؛"الساري الوردي"ً،"كبرياء المكان"،"ضمني، افلتني"،"أخوات الأزواج"،"الطلاق على الطريقة الإيرانية"، "عمات فظات"، أخوات في القانون" و"سلمى".

المخرجة "كيم لونجينوتو"

في كل الوثائقيات المذكورة كانت المرأة محوراً محركاً للمخرجة "كيم لونجينوتو"، وفي وثائقيّها الأخير "صائدة الأحلام" تقترب شخصية "بريندا مايرز ـ باول" من بقية بطلاتها ويكاد دورها يتماهى مع أدوار أغلبيتهن، مع اختلاف طبيعة تجربتها وأسلوب تناولها سينمائياً، وهذا ما يميز عمل لونجينوتو الميال إلى التنويع والبحث عن الخصوصيات والتفرد وعدم الخوف من نقلها إلى الشاشة اعتماداً في الغالب على قوة المثال التي فيها وعلى  جمال كتابتها وأسلوب سردها بصرياً، ويمكن أن يكون "Dreamcatcher" نموذجاً لاعتمادها في إنجازه على نص كتبته السيناريست ليزا ستيفنس وسطرت فيه بأسلوب أخاذ تجربة غانية أمريكية تجاوزت بعزيمة نادرة وضعها وبدأت حياة جديدة. كرست جزءاً كبيراً منها، لإنقاذ ومساعدة فتيات سقطن في نفس المستنقع الذي كانت يوماً ما تعيش فيه.

لا تقدم صانعة الوثائقي تفسيراً لعنوانه وتترك تلك المهمة لمشاهده ليجد فيه ما يناسب قراءته للنص السينمائي وإن بدا، رغم ما يحمل من أوجه متعددة، التفسير المثيولوجي هو الأقرب والأكثر انسجاماً مع مضمون حكايته،فالهنود الحمر أرادوا بصناعة تعويذتهم الشهيرة "صائدة الأحلام" من جلود حيواناتهم وتعليقها داخل خيامهم طرد الكوابيس وصيد الأحلام السيئة ووفق معتقداتهم كانت التعويذة قادرة أيضاً على طرد الأرواح الشريرة عن أطفالهم أثناء نومهم. كانت مهمة "بريندا باول" قريبة من مهمة صائدة الأحلام فهي على وجه الدقة أضحت صائدة للفتيات الغارقات في عالم "الدعارة" وتريد انتشالهن ونقلهن إلى عالم سوي بعيد عن الرذيلة والبؤس.

الناشطة الجمعوية "بريندا باول"

لا تسرد "بريندا" حكايتها بنفسها بل من خلال الفتيات،بائعات الهوى، اللواتي كانت تلتقي بهن ضمن نطاق عملها التطوعي، ويشرعن خلالها بعرض تجاربهن وما يتعرضن إليه من ذل وامتهان جسدي ونفسي أمامها، وكأنهن يحكين قصتها، لأنها سبق وأن مرت تماماً بمعظم تجاربهن ومآسيهن التي يمررن بها الآن. حذاقة في التناول يتبعها لزاماً إبداع في السرد البصري وملاءمة بالضرورة مع طريقة السرد المبتكرة والحيوية. ومع إضافة الصورة الحادة والجريئة يكون المشاهد قد فهم تماماً تجربتها وحياتها كما يفهم دورها الجديد ومحاولتها صيد الأحلام الشريرة من رؤوس الكثير من الفتيات الأمريكيات. لا تُسقط الناشطة السوداء أحكامها على تجارب الآخرين ولا تسمح لنفسها بتقويمها. فالحياة علمتها خطأ الحكم على الآخر مهما بدا سيئاً، من الخارج. آمنت بضرورة فهم الأوضاع التي تدفع البشر لعالم الرذيلة ولهذا كانت متسامحة متفهمة للآخرين ما سهل مهمتها وجعل منها "ملاكاً" و"منقذاً" لا تميز بين ضحية وأخرى. فأغلبية المومسات السود المتوجهة اليهن عبر "جمعية صائدة الأحلام" لم تخترها بنفسها، كونها سوداء البشرة بالأصل، لتسقط حكماً متحاملاً على عنصرية المجتمع الأمريكي عبرها، بل جاء كنتاج موضوعي للتمايز الاجتماعي والطبقي الذي يعانيه السود وظروف عيشهم السيئة على كل المستويات والتي تفرز بدورها نتاجاً يظهر جلياً في موضوع توجهت إليه السينما، يتعلق بعالم الدعارة والمرأة الاستثنائية التي خرجت منه وراحت مع مخرجة ألمعية تسجل مشهده العام بكل تفاصيله.

إعلان

حركة الناشطة في الجمعية التطوعية أعطى للوثائقي حيوية وسهّل على مخرجته تبويبه في فصول صغيرة كل واحد منها يحكي جانباً من العالم السلفي وتفرعاته المخيفة. العنف الأسري الهاجس الأكثر رعباً في أحاديث بائعات الهوى فمنه وبسببه تعرضت أغلبيتهن إلى الضرب والطعن بالسكاكين وحتى محاولات القتل والتشويه الجسدي المتعمد. كلهن تقريباً هربن من بيوت أهاليهن بسبب ما تعرضن له من عنف وضرب واغتصاب في حالات كثيرة وهن في سن الطفولة. وجدن في الشارع بديلاً. بدا أول الأمر ملاذاً ثم سرعان ما راح يبتلعهن ويرميهن حطاماً بشرياً. يُلفت مشاهد الوثائقي انزياحه نحو عرض حال الطبقات الفقيرة الأمريكية وما ينتجه عوزها من سلوكيات مدمرة، من بين أسطعها، تناولها المخدرات. معظم المومسات قمن ببيع أجسادهن في عمر مبكر حتى قبل الوصول إلى سن المراهقة أحياناً مقابل الحصول على المخدرات. ثمة معادلة تشتغل عليها الجمعية عنوانها، المخدرات والدعارة. ولها تكرس صائدة الأحلام الكثير من وقتها. تعلمت ألا تتدخل في حياة إحداهن إلا بعد نضوجها واقترابها من اللحظة الحاسمة التي تقرر فعلاً فيها التخلص من البؤس الذي هي فيه؛ ترك المخدرات وتنظيف جسدها منه ثم العمل على ترك المهنة. تتردد كلمة "مهنة" في أغلبية أحاديث الغانيات وعندها يتوقف الوثائقي ويسجل شهادات تفيد بأن هناك تعاطفاً عاماً مع حالة المرأة وبخاصة الأم، عند لجوئها إلى بيع جسدها مقابل تأمين عيش أطفالها.

"كيم لونجينوتو" (يمين) رفقة بطلة فيلمها الناشطة الأمريكية

لا عن الذرائع يبحث الوثائقي في فصل الأمومة إنما عن غريزة البقاء على قيد الحياة والاختلاط الشديد، في كثير من الحالات المعروضة ضمن سياق ومنطوق سينمائي مدهش، بين شروط الأمومة الحقة وبين غانيات مراهقات وجدن أنفسهن أمهات دون إرادتهن. لا أحد مثل "بريندا" يمكن له أن يقدم مقاربات حول هذا الجانب والبون الشاسع بين الحالتين. فلقد مرت هي بمرحلة الأمومة في سن السادسة عشرة من عمرها. أسقطت أكثر من جنين قبل أن تجد نفسها يوماً أماً لطفلة ثم لثانية. من معنى الأمومة وقساوة حرمان الأم من طفلها وتنازل بعضهن عن فلذات أكبادهن عنوة لغيرهن أو التخلص منهم بطريقة تراجيدية ينتقل الوثائقي البريطاني إلى الجسد وانهياره. قبلها يسجل بشكل رائع تعدد معانيه في عالم تجارة الجسد. فالمتاجرون به لهم نظرتهم المختلفة عن مشتريه وبائعيه.

تشترك المومسات المتصارحات مع الناشطة الأمريكية بوحدة أجساد معطوبة تالفة. الخراب عنوانها الأسطع. ظهرن ككائنات نُهش لحمها وتركت عظاماً متهالكة لا تقوى على المضي بعيداً. يكمن الإعجاب الأكثر في طريقة تجسيد الوثائقي لهذا الجانب. فبمقدار ما يكون الجسد أول الأمر مدعاة للإغواء والتبادل يضحى مع الوقت عبئا على صاحبته، ومصدر طمع لمستغليه على اختلاف مستوياتهم ومواقعهم من عملية التبادل الجسدي غير الإنسانية. فإذا كان مشتري الجنس يدفع المال مقابل الحصول عليه يظهر السمسار كمستغل مجاني وقهري له ولصاحبته. وقوف السمسار الذي عملت معه "بريندا" خلال فترة مراهقتها واقناعه بتقديم محاضرة في أحد الثانويات يلخص فصلاً شنيعاً من فصول استغلال جسد الكائن وقسوة أكلته بأعلى درجات الهمجية. والمبهر قدرة الوثائقي على التكيف مع الواقع حين راح يسجل وبأعلى درجات الصنعة السينمائية مسار حياته التي تتوحد تفاصيلها مع حياة الفتيات اللواتي استغل أجسادهن لصالحه. مثلهن كما ظهر في مشاهد (الفلاش باك) المصورة، انحدر من عائلة كان العنف فيها سائداً، الأب يضرب زوجته والأخوة يدمنون على المخدرات ويتسببون في مشاكل مع أقرانهم في الشوارع والأخوات مضين في طريق بيع أجسادهن. ظروف متشابهة تعيشها الضحية وآكل لحمها، في ظل غياب المثال والمساعد في انتشالهم من واقع سيء.

ملصق فيلم "صائدة الأحلام"

المحزن، مع أن الوثائقي في عمومه مؤلم وسوداوي، أن أكثر المومسات اللواتي قابلن الناشطة الأمريكية كن أقل حقداً على الرجال وبخاصة من أهلهم وحاولن على الدوام إيجاد الذرائع لأفعالهم وعند هذه النقطة يقترح الفيلم عرضاً خاصاً لهذا الجانب النفسي من خلال تحليل تجارب نساء تعرضن للاغتصاب من قبل الأقارب ومع ذلك كن يحلن السبب إلى أنفسهن، وضعفهن. اعتبر الناشطون في الجمعية الأكثر تقديراً عند النساء المتورطات بالدعارة ذلك السلوك التبريري واحداً من المؤشرات المهمة التي اشتغلوا عليها ونبهوا من طلب مساعدتهم إلى عدم القاء اللوم على الذات وجلدها. وعليهم استبدال السؤال "لماذا أنا وحدي أتعرض لمثل هذا الانتهاك؟ إلى السؤال، لماذا يقدم الآخرون على أفعال شنيعة ضدنا وبخاصة ضد الاطفال والمراهقين وكيف يمكن لنا تجاوز البؤس الذي يشجعهم على انتهاك أجسادنا؟ يكرس "صائدة الأحلام" فصلاً لتشجيع المراهقات والمهددات بالسقوط في وحل الدعارة على التعليم والمراهنة القوية عليه. وتقدم الناشطة "بريندا" نفسها مثالاً. فبعد تخلصها مما كانت عليه كافحت من أجل تعليم بناتها وإدخالهن الجامعات. كرست وقتاً كبيراً لفهم الرغبات الجسدية الغريزية والتوق للحصول على حبيب والتفريق بين المشاعر الطيبة وبين الانصياع إلى رغباته الجسدية استسلاماً! الخوف والسكوت عن الانتهاك هما في الغالب مَن يؤدي إلى دفع الفتيات للبحث عن خلاص خارج المؤسسة العائلية. إلى الشارع حيث تهان فيه كرامتهن الإنسانية وينتهك الصائدون الأشرار فيه ذواتهن وأجسادهن. كم الموضوعات الفرعية والتنوع الثري للقصص والاشتغال على مساحات جغرافية وبشرية كثيرة قلما يمكن جمعها في وثائقي واحد والأصعب الخروج من أجواء سوداوية غالبة إلى أخرى أكثر تفاؤلاً بأكبر قدر من التكثيف. "صائدة الأحلام" مثار إعجاب وتأكيد قدرة صُناعه على استنباطهم من متن تجارب اجتماعية مريرة نماذج بشرية تستحق التوثيق وهذا ما تشتغل عليه كيم لونجينوتو دون توقف منذ سنوات.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان