مسلمو أوروبا.. أسئلة مصيرية

تتبدل وظيفة علامة الاستفهام التي تأتي في نهاية عنوان الفيلم التسجيلي "كل شيء سيكون على ما يرام.." للمخرجة الهولندية من أصول تركية فيدان إيزيك، من الاستفهام البديهي الذي بدأت به، عندما شرع الفيلم في مهمته في التحقيق بحال المسلمين في هولندا وأوروبا على وجه العموم منذ عملية شارلي إيبدو في باريس في العام الماضي وحتى اليوم، لتنتهي هذه العلامة إلى التشكيك، وأحياناً القنوط من الوضع القاتم الذي يعيشيه العالم اليوم.

هذا الوضع القاتم يجعل من الصعب أيضاً الاطمئنان إلى أن "المستقبل" سيصلح كل المشاكل القائمة اليوم، ويقرب بين الأضداد، ذلك أن الكثير من عقد تعايش المسلمين في أوروبا، ترتبط بظروف عامة وأماكن بعيدة، ومعالجتها هناك ستكون مقدمة للبدء في حلها في هولندا وغيرها من الدول الغربية، التي تظهر في الفيلم التسجيلي وكأنها على حافة بركان يقترب من الانفجار، ويندرج الفيلم ضمن الاتجاه التسجيلي الذي يأتي استجابة مباشرة لأحداث عامة متواصلة، كما أن خطه العام سيحدده إلى حد بعيد ما يطرأ من تطورات على تلك الأحداث.
قرار المخرجة والصحفية الهولندية البدء بهذا المشروع التسجيلي إثر تلقيها رسائل غاضبة ومؤيدة بعد إطلالة تلفزيونية لها على التلفزيون الهولندي، طلبت فيها من المسلمين في هولندا موقفاً واضحاً مما حدث في شارلي إيبدو. إذ إن هناك من انتقد بشدة هذه الدعوة، وكيف يمكن أن تقرأ ضمنيا بأن "المسلم" مسؤول عما يقوم به مسلم آخر. تذهب المخرجة إلى منتقديها وتواجهم بذهن مفتوح، وتحقق أيضاً في حال مسلمي هولندا اليوم، وتجمع بين الشخصي والعام، فهي تنطلق من قصة والديها المهاجرين التركيين، واللذين يشعران اليوم وبعد أربعين عاماً من العيش في هولندا، بالضيق الشديد من تغير الذهنيات والمحيط من حولهما، إلى الحد الذي جعلهما يفكران بالعودة النهائية إلى تركيا.
من شقة صغيرة في بناية عالية في إحدى المدن الهولندية، تبدأ المخرجة فيلمها. هي في بيت والديها المتقاعدين اليوم. واللذين انتقلا قبل أربعة عقود إلى هولندا من أجل مستقبل أفضل، وعاشا حياة اتسمت وحسب شهادتهما بالهدوء والتناغم مع محيطهما الأوروبي. كل هذا سيتغير في الحادي عشر من سبتمبر والأحداث الجسام بعدها، ويبدو اليوم، وفي ظل التهديد الذي يمثه "داعش"، وكأنه يضع على المحك كل الأسئلة الصعبة عن الاندماج وصراع الثقافات والإسلام. تتمحور شهادة الأب الذي تحدث بالتركية عن التغييرات التي يشهدها في محطيه الصغير، وتجعله يشعر بالحزن على السنوات الطويلة التي قضاها في البلد، الذي تحول إلى موطنه، قبل أن تجبره أحداث السنوات الأخيرة على إعادة تقييم حياته وقراراته.
ينطلق الفيلم بعدها في مهمته والتي كانت في جزء منها البحث عن تصورات مغايرة للأزمة التي يعيشها المسلمون في أوروبا، فتلتقي المخرجة زميلاً لها من أصول مغربية يدعى عبد الكريم الفاسي، والذي كان قد أخرج العام الماضي فيلماً حميمياً عن أبيه بعنوان (أبي المغترب). سيبين الفاسي الذي كان قد انتقد فيدان إيزيك على دعوتها التلفزيونية، الأسباب التي تجعله يعتقد أن موقفه من مسلمي هولندا غير مفهوم ولا طائل منه، بل يمكن أن يزيد من الانقسام الذي يعيشه المجتمع، وأن موقفا جماعيا لكل الهولندين ومنهم المسلمون برفض الإرهاب، سيكون الرد الأمثل. سيمر الفيلم التسجيلي على فيلم قصير جدليّ أنجزه الفاسي مع زميل له وعُرض على الإنترنت، يظهر فيه أطفال هولنديون من كل الإثنيات يعتذرون عما فعله الكبار.

لن تتمسك المخرجة بوجهة نظرها السابقة، التي كانت المدعاة لهذا الفيلم، بل ستعترف في مواقع من فيلمها، بأن تصريحها وقتها كان رد فعل عاطفيا متسرعا على حدث مأسأوي. لكنها لن تتوقف عن محاولتها قراءة الوضع العام من موقع المهاجر المسلم، وهذا سيقودها إلى جمعية للطلبة المسلمين في جامعة "لايدن" الهولندية العريقة، كما ستنقل حوارا طويلاً مع زوجها الصحفي الهولندي، والذي كتب سلسلة مهمة عن المهاجرين المسلمين، والذي يعتقد أن اتخاذ موقف مسلم عام ليس دعوة غير عقلانية، إذ إن المسلمين يحاسبون الغرب على ما تقوم به حكومات هذا الأخير. كما أن "الغربي" بالمطلق مدان في الشرق الأوسط على ما تفعله إسرائيل، رغم أن الدولة العبرية مسؤولة لوحدها عما تقوم به، وليس كل الغرب يقف اليوم خلفها.
يتوسع أُفق الفيلم عندما تفرد المخرجة مساحة لأزمة اللاجئين المتواصلة في أوروبا اليوم، فتقابل في هذا الخصوص هولنديا أرسل لها رسالة غاضبة على إطلالة تلفزيونية أخرى لها تدعو فيها إلى مزيد من التفهم للهاربين من حجيم حروب بلدانهم. يعكس موقف الهولندي ذاك من أزمة اللاجئين عدداً متصاعداً من الهولنديين الذين يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة أزمة عالمية تترجم نفسها في تفاصيل حياتهم اليومية، إذ سيورد الهولندي الذي ظهر في الفيلم أمثلة مباشرة عن تأثيرات أزمة اللاجئين في حياته وحياة عائلته. فابنته التي تنتظر منذ سنوات من أجل الحصول على شقة، عليها أن تؤجل هذا الحلم بسبب الطلب المتزايد على المنازل، كإحدى تداعيات أزمة اللاجئين المباشرة.

وعلى رغم أن الفيلم كان استجابة لحدث آني، وتم الاستعجال في صناعته حتى لا تفوت مناسبته وليحلق بالدورة التلفزيونية، إلا أن هناك الكثير الذي يستحق الإعجاب بهذا الفيلم، سواء على صعيد المقاربة الكاشفة الصادقة للمخرجة، ولما يمثله من شهادة على الزمن الحالي الذي نعيشه. والفيلم وإن بدا أنه يحاول أن يجيب على أسئلة المخرجة المهمومة بالوضع العام، إلا أنه ينفتح على قضايا جدليّة، ويتناولها بهدوء، بعيداً عن ضغط نشرات وبرامج التلفزيون العابرة. كما يواصل الفيلم تقليداً هولنديا بإدامة الحوار، وعدم غلق الأبواب، ومحاولة فهم الآخر، رغم صعوبة ذلك أحياناً.
دَرست المخرجة فيدان إيزيك الصحافة وعملت في التلفزيون والصحافة الهولندية كمراسلة من تركيا، وغطت الحرب الأمريكية في العراق في عام 2003 من على الحدود التركية العراقية. كما أنها قامت وبموازاة عملها الصحفي بإخراج برنامجين تلفزيونيين عن المهاحرين الأتراك بهولندا حظيا باحتفاء نقدي كبير. الأول بعنوان "السفينة إلى هولندا"، والذي يقدم تجارب الجيل الثاني الذي تنتمي إليه المخرجة عمرياً للمهاجرين الأتراك إلى هولندا. والثاني بعنوان "أنا أرى رحلة إلى بلاد بعيدة"، والذي يستلهم في إحدى حلقاته تجربة والدة المخرجة وهجرتها من البلد الأول إلى هولندا.