"عاصفة رملية"

رغم أن المسابقة الدولية للأفلام الطويلة بمهرجان برلين السينمائي السادس والستين خلت تماماً من أي فيلم إسرائيلي، مع ذلك بلغ عدد الأفلام الإسرائيلية 22 فيلماً متنوعا ما بين الوثائقي والروائي، طويل وقصير، جاء أغلبها بإنتاج مشترك، وعُرضت بالأقسام الأخرى الموزاية مثل مسابقة الفيلم القصير، والمنتدى، أو البانوراما الوثائقية التي عُرض بها فيلم "من الذي سيحبني الآن" للأخوين تومر وباراك هايمان والذي فاز بجائزة الجمهور مناصفة مع الفيلم الإسرائيلي "تقاطع 48" للمخرج أودي ألوني الذي يدور حول موسيقى الراب الفلسطينية ودورها في مقاومة القهر الإسرائيلي وهو الفيلم الذي عرض بقسم "بانوراما خاصة".

أما في قسم البانوراما فعُرض الفيلم المهم على المستويين الفني والمضمون "عاصفة رملية" والذي سبق له أن حصد إحدى جوائز مهرجان صاندانس في مسابقته الرسمية، والذي سنخصص له مقالنا إذ يكتسب أهميته من صدقية التناول، ولأنه يقدم رؤية موسومة بالواقعية للمرأة الفلسطينية المسلمة بعيون امرأة إسرائيلية.

اعترافين

في الثلث الأول من فيلم "عاصفة رملية" يدور حوار متوتر بين ليلى الفتاة البدوية الشابة المتطلعة للحرية والحداثة – بينما لاتزال تُكمل دراستها – وبين والدتها ينتهي باعتراف الأولى بجرأة انفعالية ودفاع عن نفسها: "أنا أحبه.." فتصمت الأم كأنما أربكتها كلمات الابنة بفعل المفاجأة، وكأنما للحظة أصابتها الكلمات في صميم القلب وتعاطفت معها، لكن بعد قليل تعود إلى سيرتها الأولى المتشددة، مرتدية القناع المحافظ على التقاليد قبل أن تقول: "لن ترينه مرة أخرى.."

   في الثلث الأخير من الفيلم تقرر ليلى أن تهرب. تُدرك جدتها ذلك فتخطف منها مفتاح السيارة، لكن الأم تتدخل بحسم وتقف إلى جانب ابنتها فتُعيد إليها المفتاح قائلة: "بسرعة.. فلا شيء هنا يستحق أن تبقي من أجله."

إعلان

   في ذلك الزمن الدرامي ما بين الثلثين الأول والأخير من الفيلم، والذي لا يتجاوز أياماً قليلة جدا، ما الذي حدث وجعل سلوك الأم يتبدل بزاوية 180 درجة؟ وهل تواصل الابنة تنفيذ قرارها بالإفلات من ذلك المجتمع التقليدي الذي تحكمه العادات والتقاليد؟ وهل صحيح يُوجد دائماً حل آخر مثلما قالت الابنة لأبيها في أحد المشاهد؟ لا شك أن التبدل في تفكير الأم – التي لعبت دورها بمهارة واحترافية بالغة الممثلة ربى بلال عصفور – أخذ شكله الكامل قبل قليل من مساندتها للابنة، لكن في نفس الوقت لا يمكن إغفال وجود تراكم داخلي كان ينمو في الأعماق منذ بداية الفيلم وربما حتى قبل أن يبدأ أمامنا على الشاشة.

  تستهل المخرجة الإسرائيلية "عيليت زكسر" شريطها الروائي الأول الطويل الذي كتبت له السيناريو بنفسها – بعد سلسلة من الأفلام القصيرة روائية ووثائقية – بمشهد للفتاة ليلى، التي تجسد دورها لميس عمار، وهى تقود سيارة نقل صغيرة تحمل بعض الأثاث بصحبة والدها سليمان الذي مثل دوره هيثم عماري.

تشي النظرات المتبادلة بينهما طويلاً بتيار تحتي ولغة حوار قوية غير معلنة، كل منهما يفهم الآخر، يوجه إليه رسائل غير منطوقة، يحاول الأب الإفلات من تلك الرسالة الأخيرة وتحويل مجرى الحوار فيسألها عن الدرجة التي حصلت عليها، متوقعا أن تكون 90%، لكنها تخيب رجاءه. وإثر غضبه وبعد عدة محاولات لمصالحته تنطلق السيارة مثيرة خلفها غباراً متصاعدا.

في منطقة محددة على مشارف قرية النقب جنوب إسرائيل يطلب الأب من ابنته تبديل المواقع ليتولى هو القيادة. بعد قليل لن يكون من الصعب أن ندرك لماذا فعل ذلك. لأنها فتاة بدوية في قرية لاتزال محافظة ترى البنات أقل مرتبة من الأولاد، فلا يصحّ أن تقود السيارة، أو تخرج من دون حجاب، أو تتزوج من خارج العائلة حتى لو كان بدافع الحب.

المفاجأة الأولى بالعمل أنه عندما يصل الاثنان إلى البيت وسط أجواء احتفالية ويتم البدء في تركيب السرير الذي تتولاه ليلى وأمها تتناثر الكلمات المتسائلة والتعبيرات المندهشة من الأم من دون أن ندرك سببها تماماً إلا عندما تتوجه لاستقبال العروس، وتُسلم عليها وتقبلها قائلة: مبروك.. أنا زوجة سليمان الأولى."، فهنا فقط يفهم المتلقي أن الزوجة الأولى هي التي تُشرف على مراسم زفاف زوجها إلى امرأة أخرى، حتى أنها في إحدى اللقطات سترتدي شاربا مستعاراً أثناء الرقص والاحتفال.

إذن الأب يحتفل بزفافه الثاني، رغم وجود خمس بنات وزوجة لاتزال شابة متأججة بالحيوية والنشاط وقادرة على تحمل المسئولية. لابد أن السبب هو الرغبة في إنجاب ولد يحمل اسم العائلة مثلما يعتقد الكثيرون، خصوصا البدو. الزوجة الأولى على ما يبدو لم تمانع، ورضخت للتقاليد مرغمة، مجبرة، مستسلمة، لكن ملامح الوجه والإيماءات الجسدية والنظرات المتبادلة مع الزوج ومع الابنة، وحتى ردود فعلها الصامتة كانت تشي باشتعال حريق ظل يتأجج بالداخل وإن كانت لاتزال حتى الآن قادرة على إحكام السيطرة عليه.

يسير التوتر التحتي في خطين متوازيين وان كان أحدهما يبدأ قبل الآخر ثم يتقاطع معه بقوة في لحظة معينة؛ الأول بين الأم والأب بسبب الزيجة الجديدة، ثم يتولد الخط الثاني بين الأم وابنتها ليلة العرس بعد اكتشاف علاقة الحب، ثم سرعان ما ينضم الأب أيضاً إلى هذا الخط لتتصاعد الأحداث تدريجيا ويشتبك الأطراف الثلاثة ويصبح من الصعب التمييز بين الخطين، خصوصاً عندما حتى تفقد الأم السيطرة على نفسها وتنفجر بكل قوتها لتهين الزوج في ذكورته، فيتحول سليمان إلى أسد جريح لا يجد شيئا ينتقم به سوى تطليقها.

إعلان

هنا، مع الطلاق المباغت تكتشف الزوجة – التي لا مهنة لها سوى العمل في البيت – أنها من دون قيمة، لأنها لو كانت أنجبت الولد لما بحث رجلها عن امرأة أخرى. ربما. لأنه لا يوجد أي إشارة لأسباب الزواج في الشريط الفيلمي. بمجرد الطلاق أصبحت الزوجة لاجئة في بيت أبيها. فقدت سلطتها "غير الفاعلة" التي أصبح من الواضح أنها كانت مستمدة فقط من وجودها في كنف الزوج. بهذا الوعي الذي غمرها يمكن تفسير تحول موقفها ومساندتها لابنتها كي تفلت من هذا المصير المشابه الذي ينتظرها خصوصا بعد أن قرر الأب تزويجها من منير الذي تراه الأم غير مناسب لابنتها الذكية التي كانت تتوقع لها مستقبلا أفضل.

كان بإمكان ليلى أن تهرب. وبالفعل خطت على الطريق سريعاً، لكنها دوما كانت ترى أن للمشاكل أكثر من طريقة للحل. لذلك، أثناء عبور النفق الممتد لتلتقي بحبيبها المنتظر هناك شعرت كأنها كما لو كانت ترمي عائلتها بالكامل خلفها. الأم المطلقة المشردة، والبنات الصغيرات، والأب الذي تربطها به علاقة قوية. إذن، كان من الطبيعي أن تبكي، أن يزداد البكاء كلما توغلت أكثر بداخل النفق، وأن تتوقف فجأة وسط بكاء هستيري.

أما ما لم يكن متوقعاً – لكنه ومع ذلك تصرف تلقائي يتفق ومنطق الشخصية – أنها ستذهب في اللقطة التالية إلي أبيها في مكان تجمعه برفاقه ليلا. نسمعه يصرخ بها لأنها جاءته، فلا تبالي. تسأله: هل هو موجود بينهم؟ يُشير إليه خفية، يحاول أن يقنعها بأنه رجل جيد. فتقول له: "أرجع أمي". ثم في اللقطة الختامية نرى ليلى بفستان الزفاف الأبيض جالسة، على وجهها طبقات كثيفة من الماكياج كأنها ارتدت قناعاً ولم تعد ليلى الأولى، أمامها يقف العريس يسألها باضطراب مشوب بالخوف وعدم الثقة عن ألوان رابطة العنق؟ فتخبره بضجر واستعلاء بأنها غير مناسبة.

يسألها: أستبدلها بالبنفسجي، فيأتينا صوت تسنيم الأخت الصغرى التي كانت تتلصص عليهما من خلف قضبان النافذة: "لا…" هنا تقف ليلى محتجة: "تسنيم..!!" بطريقة أداء تعني أن تكف، ثم تتبعها بنظرة مواجهة بين الفتاتين.

ثراء التفاصيل ودلالتها

بالفيلم عديد من المزايا، فإلى جانب قوة الأداء التمثيلي للأبطال ودقة ضبط الزمن النفسي درامياً، ورسم الأجواء والمناخ المُعبر، وحركة الكاميرا المتحركة في الضوء الخافت والظلام بقوة تعبيرية لافتة كما في ضوء النهار، هناك أيضاً التفاصيل الدقيقة منها مثلاً ما يتعلق بشخصية الأم التي تفرض سيطرتها على الأب – خصوصا قبل أن تُهين كرامته – لكنها في ذات الوقت لم تكن قادرة على فرض سلطتها على البنات بنفس القوة، لأن سليمان كان يمنحهم مساحة حرية أكبر، وإن ظلت محدودة بسقف لا يمكن تجاوزه، بل سيتم إلغاؤها بمجرد أن تتعارض مع التقاليد، فالابنة الصغرى تسنيم عندما تخرج من دون حجاب لتذهب إلى مكان تجمع الرجال ليلة العرس تعنفها الأم وتطلب منها ارتداء الحجاب، لكن الطفلة تفلت منها بسرعة قائلة: "أبويا بيسمح لي.. انت اتجننت على الآخر." وكذلك التفاصيل المتعلقة بليلى وقصة حبها خصوصا عندما يأتي الشاب إلى البيت للقاء والدها ومحاولة إقناعه بالزواج منها.

أما التفاصيل الأكثر أهمية وتلعب دوراً محورياً في اندلاع التوتر فتأتي في البداية عندما يتمزق فستان الأم أثناء تركيب السرير، في مشهد أكثر من رائع، حيث تقترح الابنة إنقاذا للموقف أن تعطيها فستانها لتستقبل العروس دون أن تنتبه أنها نسيت الموبايل في جيب الفستان، والذي سيدق جرسه أثناء الرقص فترد الأم ومعها تبدأ المشاحنات إذ تكتشف أن المتحدث شاب تربطه علاقة حب بابنتها فتعنفه بينما نعايش ارتباك ليلى في لحظة اكتشاف اختفاء الموبايل، والنظرات الصامتة المتبادلة بينها وبين الأم بعد إنهاء المكالمة التي لم نسمع منها شيئا بسبب ارتفاع موسيقى العرس.

إعلان

من دون أن ننسى تفصيلة انقطاع الكهرباء بسبب تعطُّل المولد، ومن ثم بناء عدة أمور على انقطاع التيار الكهربي منها فساد الطعام واضطرار ليلى للذهاب لبيت الأب الثاني لإحضار شيئا للصغار فيدور نقاش ممزوج بالضيق والغيرة والحقد والذي مع تقدمه يزداد التوتر بين المرأتين ويصير علنيا، ثم ينتقل بدوره إلى الأب الذي ينفجر في ليلى، فتقرر الهروب.

الميتافور

   الميتافور بشريط "عيليت زكسر" يتحقق في أكثر من شكل منه ذلك اللقاء بين ليلى وحبيبها على السلم، إذ رسمت المخرجة ميزانسين محملا بدلالة رمزية تشي بمصير تلك العلاقة، فهي لم تكتفِ بأن جعلت ليلى تحاول الصعود إليه، لكنها مع ذلك تظل في مرتبة أقل منه، إذ تبقى على الدرج المنخفض مثلما هي الأمور في تقييم الرجل والمرأة في ذلك المجتمع، مثلما جعلت كل منهما في اتجاه عكس الآخر، كما أن وجودهما على السلم يحمل دلالة هذا الوجود غير المستقر، بل المعلق في الهواء، لأنه ضد التقاليد، ولذلك سيكون الجميع ضده. أما العنوان فلم يكن هناك عاصفة رملية بالمعنى الحقيقي، فما أثير من غبار قليل جدا لا يصل لحد العاصفة الرملية، والمقصود أساساً من العنوان "ميتافور" لتلك العاصفة التي يواجها أفراد تلك العائلة نتيجة الإصرار على الحفاظ على التقاليد.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان