"بين المؤمنين" .. باكستان والعنف الديني


يرفع الفيلم التسجيلي "بين المؤمنين" (Among the Believers) للمخرجين "محمد نقفي" و"همال تريفيدي"، الستار قليلاً عما يجري من عنف في باكستان منذ سنوات. البلد الذي رغم دوره وأهميته في المنطقة والعالم، إلا أن أزماته وتحدياته ظلّت بعيدة بشكل كبير عن السينما التسجيلية التحليلية. لذلك لم يكن مستغربا أن يجد صانعوه أنفسهم في موضع الشك والتخوين بعد عرض الفيلم، كما أن هناك من هدّد المخرجة الهندية الأصل "همال تريفيدي" بالقتل.
إلى ذلك، مازال الفيلم يتنقل بين المهرجانات السينمائية العالمية ومنذ عرضه العالمي الأول قبل نصف عام تقريباً، محققاً جائزة هنا وجائزة هناك، واهتماما عالميا يركز ويحتفل بما يوفرّه الفيلم من إطلالة نادرة على نزاعات دموية في البلد الآسيوي الإسلامي، تكاد تقوِّض وحدته، وتقرِّبه من هوة عميقة تشبه تلك التي سقطت فيها جارته (أفغانستان).
يركز الفيلم على الحركة السياسية المتشكلة حول تنظيم ما يعرف بـ "المسجد الأحمر" في باكستان. والذي بدأ في منتصف الستينيات من القرن الماضي كاتجاه ديني يركز على تعليم العلوم الدينية والتجويد القرآني، قبل أن يتحول في العقود الثلاثة الأخيرة إلى حركة سياسية متشددة ذات طموحات واسعة.
والفيلم التسجيلي بفتحه ملف هذه الحركة، يقارب على نحو ما واقع الحركات الإسلامية السياسية المعاصرة في كل مكان، ويصل سريعاً إلى الأسئلة التي تؤرق المجتمعات الإسلامية منذ سنوات طويلة عن الدين والحياة ومدى شرعية العنف الذي تلجأ إليه بعض الحركات الإسلامية لتحقيق أهدافها وطموحاتها.
كما يمرّ الفيلم أيضاً على دور "الغرب"، في دعم بعض الحركات الإسلامية المتطرفة، وعندما كانت مصلحته تقتضي ذلك، ليعود بعدها إلى مساره المعتاد بشيطنة هذه الحركات والأفكار التي تدعو إليها.
ينجح الفيلم بإقناع زعيم تنظيم "المسجد الأحمر" الداعية عبد العزيز غازي بالظهور في الفيلم، وهذا بدوره سيفتح الكثير من الأبواب للعمل التسجيلي ويوفِّر مشاهد مهمة كثيراً للداعية من حياته اليومية العادية ونشاطاته العامة.
كما يرافق الفيلم طفلين من مدارس الحركة، أحدهما فتاة قررت ترك المدرسة والعودة إلى قريتها الصغيرة، والشخصية الأخرى لفتى لا يزيد عمره عن الثانية عشر، مازال في مدرسته يتابع دراسة التجويد القرآني.

وهناك في الفيلم باحث باكستاني، ستضيء شهادته المسار الذي قطعه بلده في النصف قرن الأخير، والأجندة الخفيّة التي تسير عليها الحركات المتطرفة، وخاصة تنظيم "المسجد الأحمر".
والحال أن شخصية الداعية غازي وكما تظهر في الفيلم، بصرامتها ورفضها القاطع للمهادنة، هي تأكيد لتشدُّد الحركة التي يقودها، لكن الفيلم التسجيلي لن يكتفي أو يقف عند التصريحات الصادمة لشخصيته الرئيسية، بل يحاول أن ينفذ إلى الرجل والإنسان خلف الصورة الرسمية المتشددة، فينقل مثلاً شهادة الداعية عن مقتل أبيه الإمام أمام عينيه في شبابه، والتي رمى بمسؤوليتها على جهاز الأمن الباكستاني.
في مشهد آخر، سيقود غازي كاميرا الفيلم في جولة على قبور الذين سقطوا في العملية الأمنية الكبيرة لاقتحام مركز الحركة الرئيسي في عام 2007، والتي أدّت إلى قتل الكثيرين من أتباع الحركة من الذين كانوا يتحصنون هناك، ومنهم ابن الداعية ووالدته.
هذه التفاصيل والقصص الخلفية تجعل من الممكن تفهم تطرف آراء الداعية، كما بدا أحياناً أنه لم يعد يعبأ بالحياة من حوله، والحل وحسب قوله، هو بدولة إسلامية تنهي فشلاً علمانياً طويلاً للدولة الباكستانية منذ تأسيسها.
بموازاة البورتريه القاسيّ الذي قدمه الفيلم للداعية غازي، يمرّ الفيلم بعجالة على حكايتي الفتاة والصبي اليافعين. الأولى تركت المؤسسة الدينية والتحقت بمدرسة حكومية، والصبي مازال يدرس في المدرسة الدينية نفسها. واكتفت الكاميرا بمراقبتة وهو يدرس التجويد كل يوم، ويسجل لقاءً مؤثراً له مع والده، الرجل الريفي الذي بدا أنه لم يعد قادراً على التأثير على ابنه المراهق.
في حين ستأخذ قصة الفتاة منعطفاً حاداً، إذ، وبعد أن وجدت السعادة في المدرسة الحكومية، أقفلت هذه الأخيرة أبوابها بسبب تهديدات الحركات المتطرّفة، ولتجبر بعدها على الزواج من شاب من القرية، لعجز عائلتها عن تأمين حياة لائقة لها. تلتقي حكايتا المراهقيْن في إبرازهما للظروف الاجتماعية القاسية التي يعانيها الكثيرون في البلد، والمسؤولة عن انقيادهم لهذا الفريق السياسي أو ذاك.
يغلب الأسلوب التلفزيوني على معظم وقت الفيلم، وستفقده انتقالاته السريعة غير الموزونة أحياناً التركيز المهم للتمعُّن في القضايا التي يمرّ عليها، إلا أنه سيبلغ رغم هذا، ببنائه الذي يمزج بين العرض التاريخي والمراقبة، درجات كبيرة من التأثير العاطفي في ربعه الأخير، وبعد أن وصل الفيلم إلى العمليات الإرهابية التي طالت مدارس باكستانية في السنوات الأخيرة وحظيت وقتها باهتمام إعلامي عالمي. ينتزع الفيلم من الداعية غازي شهادة تأسف على مقتل الطلاب الأبرياء، بيد أنه وفي الشهادة نفسها، يعلن أن العنف هو الأسلوب الوحيد الذي تفهمه السلطات في بلده.
ليس من الصعب تخمين موقف صانعي الفيلم من الأحداث التي قاربوها في فيلمهم، وانحيازهم للتيار العقلاني الليبرالي. لكنهم سعوا بالمقابل لإفساح فرصة للداعية وبعض رفاقه للحديث بحرية للفيلم وإبرازه تصريحاتهم ضمن سياق العمل إلى جانب الخطاب الآخر المضاد.
لكن عندما يوضع جمود خطاب الحركة وتشدّده، مقابل تدفّق الصور العاطفية لضحايا الإرهاب، يميل الفيلم إلى إدانة الحركة، وأحياناً المجتمع والدولة، التي أهملت مواطنيها وجعلتهم فرائس هينة للأفكار المتطرفة.
في كولاج صوري يجمع مشاهد أرشيفية وصورا فوتوغرافية، يبرز الفيلم تيارا باكستانيا واسعا يرفض ما يحدث من عنف في البلد. يظهر واحد من المشاهد الشديدة التأثير، متظاهراً في جنازة أطفال قتلوا في العنف يرفع لافتة كتب عليها باللغة الإنجليزية: النعوش الصغيرة تكون هائلة الثقل على حامليها.
هذا الوصف المعبر لن يخصّ جنائز الموتى من ضحايا التفجيرات فقط، بل يشمل الأحياء أيضاً، الذين ظهر بعضهم في هذا الفيلم ضائعين وبلا أحلام .
