"بنت الملاح" ولحظات الحلم المُتكسِّر

يعتبر فيلم "رجاء بنت الملاح" للمخرج عبد الإله الجواهري في أولى تجاربه الطويلة هو الفيلم الوثائقي الوحيد ضمن مجموعة إنتاجات السينما المغربية التي يقدمها المهرجان الوطني هذا العام، والذي يعتبر الحصيلة السينمائية الأساسية بالنسبة للسينما المغربية خلال عام منصرم وآخر على وشك أن يبدأ.

كانت السينما المغربية تعاني ولا تزال من ندرة الأعمال الوثائقية حيث يفضل الكثير من صناع السينما سواء الشباب أو المخضرمين صناعة أفلام روائية طويلة أو قصيرة وعلى طول تاريخ الأفلام الطويلة لهذه السينما الذي يمتد من عام 1958- كما حددته افتتاحية الكتاب التذكاري الصادر عن المجلس السينمائي المغربي – نجد أن المنجز الوثائقي المغربي شحيح جدا لأسباب ربما تحتاج إلى دراسة متأنية بنظرة فنية واجتماعية وسياسية متأنية وواعية.

وثائقية المعايشة

الغريب أنه رغم قلة التجارب الوثائقية المغربية إلا أننا نجد أن تجربة "رجاء بنت الملاح" تميل لأن تصبح تجربة صعبة في مجال الوثائقي يمكن أن نطلق عليها (وثائقية المعايشة)، أي أن المخرج يقدم على معايشة موضوعه سواء كان شخصا أو حكاية أو حادثة لفترة زمنية طويلة سواء كانت تلك المعايشة قريبة زمنيا أو من خلال العودة للشخص أو الحكاية على فترات متباعدة للوقوف على التطور الزمني والحياتي بشكل تراكمي، وهو ما يحتاج إلى جهد وخبرة وتركيز كما أنه يحتوي على قدر من المخاطرة لأن التجربة كلها يمكن أن تنهار في أي لحظة نتيجة أي حادث خارجي غير متوقع.

في تجربة"رجاء بنت الملاح"يمكن أن نعتبر محطات المعايشة الوثائقية هي محطات سنوية من خلال حدث رئيسي يتكرر عام بعد آخر وهو دورات مهرجان مراكش السينمائي – أكبر مهرجانات المغرب الذي ينظم سنويا ما يزيد على الـ 50 مهرجانا سينمائيا – وهو اختيار ذكي سوف نعود إليه بالتحليل خلال سياق حديثنا عن التجربة.

إعلان

استطاع عبد الإله الجوهري أن يعايش موضوعه/شخصيته عبر ما يقرب من العشر سنوات بداية من عام 2006 كما يشير أول تاريخ يظهر على الشاشة وصولا إلى 2014 حين تجلس الشخصية أمام بوستر الدورة الرابعة عشر لمهرجان مراكش وهي نقطة الارتكاز الزمنية الأساسية كما أشرنا.

وبالنظر إلى تجربة عبد الإله – القادم من خلفية نقدية معروفة – نجد أن ثمة عناصر أساسية تحكم علاقته بالمنجز الوثائقي الذي يقدمه، أولها هو ميله لأن يكون موضوعه شخصاني بالأساس، أي يتمحور حول شخص واحد بعينه وتجربته الحياتية المختلفة والمغايرة ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة عبر النظر إلى فيلمه الوثائقي الأول "الراقص" – 52 دقيقة – الذي أنجزه عن شخصية "عزيز" الرجل الذي يعمل كراقصة شعبية في مدينة مراكش.

رجاء أثناء تحقُّق الحلم

والعنصر الثاني هو ارتباط الموضوع الشخصاني بالمدينة التي تعيش فيها الشخصية وفي كلا الفيملين "الراقص" و "رجاء" نجد أن للمدينة – مراكش- حضورا أساسيا وعضويا وملتحما بشكل كامل مع الشخصية بل وفي بعض الأحيان تمثل المدينة طرفا في الصراع النفسي والإنساني الذي ترصده التجربة الوثائقية عبر حركة الموضوع/ الشخص في سياقه الحياتي.

العنصر الثالث هو ارتباط شخصيات التجارب الوثائقية للجوهري بحقل فني ما سواء كان هذا الحقل هو الرقص الشعبي في ساحة جامع الفنا في فيلم "الراقص" أو التمثيل للسينما كما في تجربة "رجاء".

نجاة أم رجاء !

في عام 2003 وخلال فعاليات ختام الدورة الثالثة لمهرجان مراكش السينمائي صعدت الممثلة الشابة "نجاة بنسالم" لتتسلم جائزة أفضل ممثلة من المهرجان وسط فرحة عارمة للأوساط السينمائية المغربية بحصول ممثلة مغربية شابة على الجائزة من قبل لجنة دولية وذلك عن دورها في الفيلم الفرنسي "رجاء" للمخرج جاك دولون، والذي يحكي قصة حب عنيفة بين ثري فرنسي يعيش في مدينة مراكش وفتاة مغربية تعمل لديه كمساعدة وبينما يستغرق هو في حبها فيما يشبه الولع الهستيري تقوم الفتاة بابتزازه ماليا إلى أن تكتشف انه يحبها حبا حقيقيا وليس مجرد نزوة عابرة.

وعن نفس هذا الدور (الوحيد) سوف تنال نجاة عدة جوائز أهمها جائزة أفضل ممثلة صاعدة من مهرجان فينيسيا ليصبح اسمها الفني – والفيلمي – هو رجاء حتى أننا خلال مشاهدة الفيلم سوف ننسى تماما اسم نجاة ويترسب في وعينا فقط الاسم الحلم/ رجاء.

يبدأ الجوهري فيلمه من تلك اللحظة تحديدا، لحظة تحقُّق حلم الفتاة المراكشية مع أولى تجاربها السينمائية بحصولها على أهم جائزة تمثيلية في مهرجان مراكش خلال دورته الثالثة، يستخدم المخرج مادة أرشيفية من لحظة تسلم الجائزة وبعض لقطات بجودة تقنية ضعيفة من الفيلم الفرنسي "رجاء" – ولا ننسى أنه قام بطباعة البوستر الأصلي للفيلم الفرنسي على اعتبار أنه بوستر فيلمه الوثائقي كل هذا من أجل أن يضع المتلقي في دائرة الحلم والشغف التي عاشتها تلك الفتاة، وعايشها هو عبر تجربته الوثائقية معها.

ومن تلك اللحظة ذات المشاعر الباذخة بالانتصار والتحقُّق، وعبر إظلام مونتاجي يظهر فيه فقط اسم الفيلم ننتقل إلى غرفة نجاة – التي سوف ندعوها خلال حديثنا برجاء تماهيا مع شكل الفيلم – لنراها تستيقظ عام 2006 لتضيئ شمعة ونكتشف على نورها الضعيف أننا في غرفة فقيرة متسخة شديدة التواضع، ويصبح فعل الاستيقاظ الذي اختاره المخرج كي يبدأ به سرد قصة رجاء وكأن ما سبق وشاهدناه خلال المقدمة ما هو إلا حلم بأنها حصلت على جائزة أفضل ممثلة وكانت في تلك اللحظات ملء السمع والبصر.

إعلان

تجلس رجاء على فراشها المتسخ وتبدأ في سرد مختصر أمام الكاميرا لما حدث لها خلال السنوات الثلاث التي مرت منذ حصولها على جائزة مراكش وفينيسيا إلى أن وصلت لهذه الحالة المزرية إنسانيا وماديا ونفسيا، مع تلك البداية لعملية الحكي الطويلة أمام الكاميرا والتي سوف تصبح عنصرا سرديا أساسيا خلال الفيلم يلوح لنا سؤال هام :

لماذا لم يستخدم المخرج لقطات أرشيفية من مهرجان فينسيا لحظة تسلُّم رجاء جائزتها كما استخدم اللقطات الخاصة بمهرجان مراكش؟ هل للأمر خلفيات إنتاجية تخص محدودية الميزانية! أم هو كسل وثائقي حيث تصوَّر أنه يكفي استعراض لحظات الحصول على جائزة مراكش على اعتبار أنه سوف يصبح الركيزة الزمنية التي سوف نحسب من خلالها مرور السنوات وتوالي خفوت الحلم، أو تباعده دورة بعد أخرى، خاصة مع ذهاب رجاء إلى هناك بشكل دوري ومحاولتها الدخول للاحتكاك بالحلم مرة أخرى علّ شرارته الأولى تتكرر!

مع طول زمن الحكي المباشر الذي أخذ التجربة إلى منحى الريبورتاج التلفزيوني أو برامج التوك شو نجد أنفسنا في حاجة مُلحّة إلى صورة لا تخفف فقط من وطأة الحكي وثقله على الذهن، بل لتُدعِّم وجدانيا ووثائقيا ما تحكيه رجاء بالفعل عن حلمها الذي تحقق ثم تكسر تماما، مثلما تكسرت جوائز المهرجانات حين سقط عليها سقف الحجرة المتواضعة في دلالة بصرية رائعة على تكسُّر الحلم خاصة عندما تستعرضها رجاء أمام الكاميرا وهي مفتتة إلى قطع وتُعرّفنا بها (هذه كانت جائزة مراكش وهذه جائزة إيطاليا).

رجاء بعد مرور ثلاث سنوات

هل أراد المخرج لنا أن نتشبع بحالة الفقر والبؤس والفاقة التي أصبحت تعاني منها الشخصية ولكن لو افترضنا هذا، أما كان من الأجدى أن نتشبّع في البداية، بلحظات التحقُّق والأضواء والحلم المتحقق والصعود إلى مسارح المهرجانات لاستلام الجوائز ثم ننتقل إلى ذلك الواقع أو الحال البائس الذي يُجسِّد واحدة من أخطر اللحظات التي يمكن أن تمرّ على إنسان وهو تحقُّق حلمه ثم انكساره !

يمكن الجزم هنا بأن المخرج افتقد كثيرا، خاصة في الفصل الأول من الفيلم، لهذه الميزة الهامة وهي المقارنة البصرية التي كان يمكن أن تتحقق بسهولة بين لحظة الحلم التي تلحّ على مخيلتها وذاكرتها والتي تصبح زادها في الحياة القاسية التي تعيشها على أمل أن تتكرر، وبين أشلاء هذا الحلم الذي تكسّر على بلاطات ساحة الفنا في مراكش بينما تذرعه رجاء ذهابا وإيابا كل يوم من أجل أن تبيع السجائر (بالواحدة) لراغبي التدخين السريع.

ألم يكن هناك وسيلة للحصول على المادة الصحفية المشفعة بالصور لحصول الممثلة المغربية الشابة على تلك الجوائز والتي كانت بلا شك سوف تمثل لحظات بريق هامة يحتاجها الحسّ الوثائقي من أجل إحداث الصدمة الإنسانية والوجدانية المستهدفة من وراء عرض تلك القصة المؤثرة.

من المعروف أن المتلقي يفقد جانبا كبيرا من تركيزه إذا ما تجاوز الكلام المباشر الموجّه إلى الكاميرا التي هي عينه على الواقع الفيلمي أكثر من دقيقتين كاملتين دون عنصر بصري محفِّز أو داعم في شكل معادل من الصور واللقطات لما يقال مهما كان ما يقال شيقا أو برّاقا.

هنا نجد الجوهري يكتفي بحركة كاميرا (زووم – إن) تقترب تدريجيا من الشخصية أو الشخصيات التي تتحدث كما في المشهد الطويل الثابت الذي تجلس فيه رجاء مع عائلتها الريفية في إحدى قرى مراكش والذي من المتفرض أنه يستعرض لنا الجانب الشخصي أو العائلي لتلك الفتاة بعد أن حلّت بها مصيبة انكسار الحلم.

الطريف أن عبد الإله يستخدم أسلوبا حداثيا ملفتا للانتباه على مستوى شريط الصوت حيث يفرده تماما للأصوات الطبيعية التي تتسّم بزخم هائل يعكس روح المدينة – خاصة أصوات ساحة الفنا العامرة – دون أي تدخل موسيقي أو استعانة بالمؤثرات، بل إن نهاية الفيلم وتتراته تأتي على خلفية صوتية رائعة هي صوت العملات المعدنية التي تصنعها رجاء بيدها وهي تمرّ في أزقة المدينة كي تعلن عن نفسها كبائعة للسجائر (الفرط)، ولكن في مقابل هذه الحداثة الصوتية نجد أن الفيلم بصريا أقرب لروح البرامج التليفزيونية منه للأفلام السينمائية الوثائقية الجادة، رغم ما توافر له من خامات شعورية وإنسانية جيدة ومعايشة كاملة وطويلة لشخصيته الرئيسية.

إعلان

نتوقف هنا أمام ملمحين أساسيين لفكرة المعايشة، أولا الركيزة الزمنية التي أشرنا إليها وهي مهرجان مراكش الذي يمثل تجسيدا ماديا للحلم الذي تحقّق في لحظة ما في الماضي ولم يعد بل وتكسّر تماما حيث يقام المهرجان في نفس المدينة التي تعيش فيها رجاء ونراها تذهب إليه كل عام في محاولة تستجدي الدخول فتارة تفلح لأن أحدهم- الممثل الفرنسي باسكال جريجوري- التقى بها على الباب بعد أن كان رجل الأمن يدفعها خارجا بينما تحاول هي أن تقنعه أنها حصلت على جائزة افضل ممثلة في هذا المهرجان قبل أعوام قليلة .. فتاة فقيرة بائسة المظهر تحاول إقناع رجل أمن أن يدعها تدخل إلى مهرجان دولي كبير بينما هي لا تحمل سوى ادعاء – من وجهة نظره – بأنها نجمة سينمائية حصلت على جائزة رفيعة من هذا المهرجان قبل ثلاثة أعوام.

هذه اللحظة ينجح عبد الإله في التقاطها بل وجعل رجاء تحكي أمام الكاميرا الواقعة مرة أخرى بعد أن رأيناها، لكي يصل إلى ذروة اللحظة الإنسانية وهي إدراكها لعبثية اللحظة ومأساويتها فتشير للكاميرا وتنتحى جانبا وهي تبكي في أسى شديد وكأنها في هذه اللحظة فقط اصطدمت بأشلاء الحلم المتكسر وليس في أي من تلك اللحظات الأخرى التي رأيناها فيها تبيع السجائر أو تلملم القطع المهشمة للجوائز بعد انهيار سقف الغرفة عليها.

للأسف لا تتكرر هذه اللحظات كثيرا عبر سياق الفيلم، لكن لا شك أن تلك الزيارات المتكررة للمهرجان والتي تخفت حدتها عاما بعد آخر تمثل عنصرا جيدا في التقاط لحظات الانكسار رغم استمرار توهّج الشغف الكامن في الشخصية، يمكن القول أن نجاة بشكل لا إرادي أو ربما إراديا في محاولة للحفاظ على حلمها المتكسر تحولت إلى رجاء بنت الملاح لأن رجاء استطاعت أن تحقق في لحظة ما، ما لم تفلح نجاة في تحقيقه أو الاستمرار فيه، لقد أبقت على رجاء بداخلها وراحت ترويها عاما بعد عام بتلك الزيارات المأساوية للمهرجان وكأنها ترفض الاعتراف بأن الحلم قد تكسر وانتهى أو هي أقرب لزيارة قبر إنسان عزيز علينا فقدناه ولو أنه استمر في حياتنا ربما لصارت أفضل.

لكن رغم تلك المعايشة الكبيرة لواقع رجاء إلا أن المخرج يغفل تطور الجانب الشخصي في حياتها أو تدهوره ويكفي أننا نراها بعد سنوات وتحديدا في أعوام 2013 و 2014 وقد ازداد وزنها وتغيرت ملامحها كثيرا ولا ندرى هل كان هذا بسبب أنها تزوجت أم حملت أم لمرض أصابها ! لكن فجأة يقفز بنا المونتاج من تلك الفتاة الرشيقة التي تعمل في الملاكمة الشعبية بساحة الفنا لجذب الأنظار وكسب الرزق إلى امرأة سمينة ذات وجه مترهل!

صحيح أنها تستمر في بيع السجائر دلالة على أن واقعها لم يتغير، وصحيح أنها تستمر في الذهاب في الذهاب إلى المهرجان كل عام في محاولة يائسة للدخول، إلا أن هذا التغيُّر الشكلي كان من المفترض أن يصاحبه بعض التفسير البصري أو السردي كجزء من إتمام مهمة التجربة في مصاحبة الشخصية عبر انهيارها الكامل تحت ركام الواقع.

يمسك المخرج في المشهد الأخير بنفس لحظة اليأس والخفوت الإنساني الرهيبة التي تعاني منها الشخصية والتي يمكن أن تتماسّ مع وجدان المتلقِّي عندما تجلس رجاء أمام بوستر الدورة الرابعة عشرة للمهرجان كأنها تجلس أمام شاهد قبر فخم، ثم تنزل الدموع من عينيها مستعيدة لحظات مجد عابرة ولّت بلا عودة لأسباب لا هي نفسها ولا أحد يستطيع الإجابة عليها بشكل مباشر فهل هو سوء الحظ أم قلة الخبرة أم هو واقع فني خشن لا يستغل المواهب التي تلمع في سمائه ويتركها حتى تذبل وتموت أو تسقط في دائرة عدمية !

لا شك أن الجوهري يقدم نقدا قاسيا للوسط السينمائي المغربي الذي لم يرعَ موهبة نجاة بنسالم ولم يحاول استغلال تلك اللمعة العالمية التي حققتها بشكل سريع ومؤثر بل إن الفيلم يجعلنا نتساءل كم من المواهب التي لمع نجمها ثم انطفأ سريعا نتيجة أن عينا خبيرة لم تلتقطه، وماذا كان من الممكن أن تقدم نجاة بنسالم للسينما المغربية لو أن أحدهم قرر أن يستعين بها في فيلمه بعد الاعتراف الدولي بموهبتها كممثلة صاعدة !

ربما يفتقد رجاء بنت الملاح بعض من ملامح النضج الوثائقي نتيجة غياب الخبرة الإخراجية أو تواضع العناصر الإنتاجية، إلا أنه يظلّ لمحة إنسانية مؤثرة عن فكرة الحلم المتكسر والخفوت المأساوي للروح لأسباب خارجة عن إرادتها.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان