اكتشافات "المُنسّق" الروماني
آخر تحديث: 17/11/2025 16:18 (توقيت مكة)


عُرِض فيلم "المنسق" (The Fixer)، جديد المخرج الروماني "أدريان سيتارو"، في برنامج سينما العالم المعاصرة في الدورة الأخيرة لمهرجان تورنتو السينمائي، وبعدها كان ضمن أفلام مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في الدورة التاسعة والعشرين من مهرجان طوكيو السينمائي التي عُقدت الشهر الماضي.
والفيلم هو الثاني للمخرج في هذا العام، وبعد بضعة سنوات من الابتعاد عن السينما الروائية الطويلة، إذ يتواصل عرض فيلمه الأخير "غير شرعي" في دائرة المهرجانات السينمائية الكبيرة، والتي بدأها في مهرجان برلين السينمائي في شهر فبراير الماضي، وتنقّل بعدها على عدة مهرجانات في الولايات المتحدة، وأمريكا الجنوبية، كما كان أحد أفلام الدورة الأخيرة لمهرجان إسطنبول السينمائي.
ولعل ما يجمع الفيلمان الأخيران للمخرج وإلى جانب تقديمهما لشخصيات رومانية مُعاصرة تتعثر بأزمات مفاجئة وتنوء تحت ثقل تاريخ عام معقد مازالت تداعياته متواصلة وقاسية، هو لغتهما السينمائية المتأنية، ومقاربتها التي تشبه الحفر البطيء بحثاً عن طبقات مخفية تحت اليومي والعادي، وجسَّها لأعصاب المجتمع الحساسة.

في فيلم "غير شرعي"، يُجبر أشقاء على التنقيب في الماضي غير المشرِّف لوالدهم في حقبة العهد الشيوعي ويذهبون في رحلة تطهيرية طويلة من أجل التصالح مع ذلك الماضي، في حين يَهزّ المسكوت عنه والفساد العام في البلد الحياة المستقرة للصحافي الروماني في فيلم "المنسق"، ويضعه في مواجهات مُربكة مع ذاته، وبشكل أوسع مع محيطه بما يُشكلّه هذا الأخير من صور وصدى للذات.
تتفجر أحداث فيلم "المنسق" في مكان بعيد عن مكان وقائع الفيلم في رومانيا، إذ يثير القبض على سياسي فرنسي بتهمة ممارسة الجنس مع قاصر رومانية في باريس فضول صحافة فرنسية، والتي ستسعى إلى مقابلة فتاة بعمر الخامسة عشر، عادت للتو إلى قريتها الصغيرة في رومانيا وبعد فترة من العبودية قضتها في باريس. يتشَّكل معظم زمن الفيلم من الرحلة البرية التي قطعها صحفي ومصور فرنسيين، مع مساعدهم الروماني، والذي يعمل في وكالة الأخبار الفرنسية الشهيرة نفسها التي تريد أن تسبق الجميع وتقدم موضوعا عن ضحايا تجارة الجنس من الفتيات القاصرات القادمات من أطراف أوروبا المجهولة والأقل حظاً.
إعلان
وبينما سيمنح هدف العثور على الفتاة وإجراء المقابلة الفيلم مساره النفسي والطاقة في الرحلة التي يقطعها، إلا أن المحطات التي يمرَّ بها أبطال الفيلم ستكون الأكثر كشفاً وقساوة، من ناحية ما ترسمه من مشهد عام لرومانيا، البلد الذي صرنا نعرف وبفضل السينما الرومانية من العقدين الأخيرين الكثير عن أزماته القديمة والطارئة. كما ستعين تلك المحطات وبدون أن تتضمن دراما عالية، على تشكيل معالم شخصيات الفيلم، سواء الرئيسية فيه، أو الثانوية التي ظهرت في مشاهد منفردة، والتي تركت جميعها آثاراً مهمة على الشخصيات الرئيسية والفيلم.

وعلى الرغم من أن الفيلم يفتتح زمنه بمشهد أوروبي متشعب وشخصيات متعددة اللغات وسيواصل جزءاً كبيراً من حواراته باللغة الفرنسية وهو أمر غير شائع في السينما الرومانية المعاصرة، إلا أنه سرعان ما يحصر عدسته على أزمات البلد. عارضا الفيسفساء الاجتماعي المتنوع فيه، من الفقر المدقع الذي يفقد صواب بعض الناس هناك، كما في مشاهد لقاء الفريق الصحفي بوالدة الفتاة التي أعادها البوليس الدولي إلى بلدها بعد أن اختُطفت وتم تشغليها في البغاء في باريس، إلى الكنيسة الرومانية كمؤسسة مازالت فعالة في البلد وتساهم على نحو كبير في تشكيل الهوية والحيرة المجتمعية، والتي ستقدَّم في مشاهد قوية هي الأخرى، إذ ترفض إحدى المسؤولات فيها السماح للصحفيين بمقابلة الفتاة التي وصلت إلى الدير هناك، لحمياتها من العالم الخارجي.
يُقدم الفيلم بطلاً غير مألوفاً بعادية حضوره واقتصادية عواطفه حتى ضمن معايير السينما الأوروبية الفنيّة، إذ يكتم الصحافي الروماني الشاب انفعالاته ولا يكشف عنها بسهولة طوال زمن الفيلم تقريباً، هذا على الرغم من ملاحظة أن الرحلة التي قطعها في بلده قد هزته بشدة وزلزلت عالمه الهاديء.
هو صحافي شاب متزوج وأب لصبي، وترقّى للتو في مكان عمله إلى رتبة صحافي بعد أن كان مترجماً لزملائه الأجانب الذين لا يجيدون اللغة الرومانية. سنرى البطل في مشاهد بعيداً عن عمله، مع ابنه الذي ينافس دون همة كبيرة في سباقات للسباحة، ومع زوجته الشابة. في حين ستأخذ مشاهده مع زميليه الصحفيين الفرنسيين جلَّ وقت الفيلم.

يواجه البطل مواقف تفوق قدرته، فهو وعبر زمن الفيلم لا يفقد فقط هويته الصحافية التي اكتسبها للتو في عمله ويعود إلى مهماته السابقة كمترجم ومنسق (Fixer) فقط، بل يكتشف في الوقت نفسه هشاشة وتقوض المجتمع الذي ينتمي إليه. هذان التطوران يسيران بالتوازي تقريباً، دون أن يدفعا البطل إلى الإتيان بأفعال خارج الخط الواقعي المميز للفيلم الذي لا يصنع أو يُمجد أبطالاً. وحتى عندما يتم ذلك اللقاء بين فريق الصحفيين والفتاة التي خذلها مرة أخرى الفساد في بلدها وكشفها للصحافة، تسير الأحداث على نحو ينسجم مع الروح العامة للفيلم، إذ تفشل كل شخصية من الخروج من أسر وضعها الاجتماعي ولا تخالف التوقعات المنتظرة منها.
وفي مقابل المحافظة والاقتصاد الكبير الذي يغلب على شخصية البطل الروماني، يتميز الصحافي الفرنسي الذي يدير المهمة بشخصيته الكبيرة الصاخبة (أداء رائع من الممثل الفرنسي من الأصول الجزائرية "مهدي نبوي"). يجسد الممثل بحيوية مفعمة بالطاقة شخصية الصحافي، بعيداً عن التنميط الذي تظهر عليه هذه الشخصيات غالباً في الأعمال السينمائية والتلفزيونية. ينتمي أبطال الفيلم إلى مؤسسة صحافية عريقة، لكن تقاليد الأخيرة لم تمنع الصحافي الفرنسي من المرواغة والضغط وأحياناً الخداع للوصول إلى غايته.
إعلان
إلى جانب المشاهد التي تصور الأبطال في السيارة، والتي تميزت بانتقالاتها السريعة، يستريح الفيلم في محطات لافتة بسكونها، وثرائها الدرامي والشكليّ، والطبقات المتعددة التي تكشفها مواجهاتها، مثل مجموعة المشاهد التي تصور الأبطال الرجال في مطعم مع مسؤول محلي سيمارس سلطاته حتى يدفع الفتاة بالحديث للصحفيين الفرنسيين. تبدأ المشاهد بشكل عادي وكأنها بلا وجهة، ثم تتطور إلى ما يقترب من دراسة لمّاحة لسلوكيات الشخصيات الرجالية في الفيلم، والمفاوضات غير المعلنة أحياناً وتصادم الإرادات لهذه الشخصيات للوصول إلى غاياتها. هذا سيقدم ضمن حركة كاميرا مثيرة ومشهديات بألوان باذخة للمطعم الذي جمع الشخصيات.
يجمع الفيلم الروائي الرابع للمخرج الروماني – الذي يبلغ الخامسة والأربعين من العمر – بين البناء التسجيلي بنبضه الواقعي المُلحّ والذي سيجد في الرحلة البرية الواسطة التي تجعله يعاين ويحقق وينتقل بسلاسة بين بيئات وشخصيات متنوعة، وبين نضج التطور الدرامي المحسوب لشخصيته الرئيسية، البطل دون بطولات، والذي يتركه الفيلم وهو يساءل مهنته، وقيمه وموقعه بالعلاقة Yلى ما يحدث في بلده. وبينما كان العثور على الفتاة شكل نهاية الفيلم الزمنية، الا أن الأسئلة التي يثيرها كانت تتصاعد حدتها مع كل خطوة من الرحلة التي قطعها الأبطال، لتشكل في مجملها إدانة للمجتمع والنظام السائد الذي خذل فتاة الفيلم مجدداً، ولا يكتفي بتجريم العصابة التي خطفتها من قريتها الصغيرة وباعتها الى تجار الرقيق الأبيض في باريس.
المصدر: الجزيرة الوثائقية
