"حربنا" .. متطوعون غربيّون يقاتلون "داعش" بأسباب شتى


متطوعون غربيون
نعرف جميعا أن آلافا من الأوروبيين المسلمين قد التحقوا بصفوف تنظيم "داعش"، في حروبه المتناثرة في العراق وسوريا، وفي العامين الماضيين في ليببا، لكن قليلا منا من سمعوا بمتطوعين غربيين، تركوا بلدانهم الآمنة، والتحقوا بتنظيمات أخرى، أغلبها كردية من منطقة الشرق الأوسط، لقتال "داعش".
يحمل هؤلاء القوم السلاح اليوم على جبهات دموية طويلة، أحيانا في مواجهة مباشرة مع مواطنين من بلدانهم يقفون على الجهة الأخرى، في صراع مسلح، لا يستطيع التخلص بسهولة من صبغته الدينية، مع أن أعداء "داعش" حاولوا تصويره بأنه دفاع عن قيم حضارة إنسانية، يُهدد التنظيم بتدميرها.
يُقارب هذه القضيةَ الشائكة الفيلمُ الوثائقي "حربنا" (Our War)، للمخرجين الإيطاليين "بينيديتا آرجنتييري"، "برونو كيارافالوتي"، و"كلاوديو جامباليا"، وقد عُرض على هامش الدورة الماضية من مهرجان البندقية السينمائي، التي انعقدت ما بين 31 أغسطس/ آب إلى 10 سبتمبر/ أيلول 2016.
ثلاثة رجال من الغرب
بدا أن الإعلام الغربي كان يتحرج يومئذ من الخوض في هذه القضية، لحساسيتها وأبعادها المتشابكة الخطرة، فمع أن العالم كله متفق على عنف "داعش"، وأن معتقداته لا تُمثِّل الدين الإسلامي، فإن الحديث عن متطوعين غربيين يقاتل بعضهم التنظيم لأسباب دينية، من شأنه أن يلمس أعصاب عالمنا، المحتقن اليوم بالأفكار الدينية المتشددة.

يعثر المخرجون على ثلاثة رجال غربيين، يمثلون أعدادا غير معروفة من الأجانب، ممن تطوعوا لقتال "داعش" في الشرق الأوسط.
كان أولهم "جوشوا بيل"، وهو أمريكي خدم جنديا في حروب الولايات المتحدة في العقد الماضي، ثم عاد قبل أن تبرد أسلحة تلك الحروب إلى الشرق الأوسط، لينضم إلى الأكراد في سوريا.
وأما الثاني فشاب إيطالي أمه مغربية اسمه "كريم فرانشيسكي"، كان في جحيم معارك كوباني، وتركه الفيلم وهو في طريق العودة إلى سوريا.
وأما الثالث فهو "رافائيل كرداري"، وهو سويدي من أُصول كردية، قاتل في العراق وسوريا. وهؤلاء النفر الثلاثة لا يعرف بعضهم بعضا في الواقع، لكن الفيلم جمعهم ليمثل نموذجا لظاهرة ما زالت تعدّ شاذة عن الحياة الغربية.
تأمل في عالم مضطرب
يقابل الفيلم أبطاله في بلدانهم الأصلية، وهم يقضون استراحة مؤقتة قبل العودة مرة أخرى إلى مناطق المتاعب، فيستعيدون عبر زمن الفيلم تجاربهم في حروب الشرق الأوسط، ويقيمون أدوارهم فيها، ويُسائلون المواقف الأخلاقية.

ذلك ما يجعل الفيلم أقرب إلى المراجعة والمحاسبة على ذلك النزاع المسلح من مجرد التوثيق، وأحيانا يلقي نظرة متأملة على أحوال العالم المضطرب من حولنا.
وستكون انتقالات الفيلم إلى الشرق الأوسط بتجارب أبطاله، فيبدؤون مضطربين مشوشين، ثم يصْفون في منتصف الفيلم، حين يفتحون قلوبهم للمخرجين، وينقّون ذكرياتهم من شوائب الأحداث العابرة، بحثا عن جوهر خاص.
أسباب اقتحام الحرب
لكل شخصية في الفيلم أسبابها للالتحاق بالحرب ضد "داعش"، أما "كريم" فقد بدا أكثر رجال الفيلم ثقافة وعقائدية، فهو شاب شيوعي رأى أن ما يصيب الأكراد والعرب على أيدي "داعش" أقرب للحرب التطهيرية التي تذكر بأفعال النازية، لذلك تراه يسعى إلى استعادة ماضٍ نبيل قرأ عنه في الكتب، حتى في بندقيته التي صُنعت أيام الحرب العالمية الثانية.

أما الأمريكي "جوشوا"، فقد بدا في بداية الفيلم شخصية مُدمنة على الحرب، والحق أنه يحمل هما إنسانيا، بل هو أكثر القوم انشغالا بما يحدث في المنطقة.
فيصوره الفيلم واقفا أمام البيت الابيض، رافعا علم المنظمة الكردية التي يقاتل تحت صفوفها، ثم يصبح وجه المقاتلين الأجانب في الإعلام الإمريكي، داعيا في إطلالاته الإعلامية حكومة بلده إلى منح الأكراد أسلحة حديثة.
ولعل "رافائيل" بحضوره المُعذب الغاضب يشكل أكثر القوم إشكاليّة في الفيلم، ويفتح الأبواب على أسئلة عن ظاهرة المتطوعين الغربيين ضد "داعش" عموما، فقد وُلد في عائلة كردية عراقية بالسويد، وكان يقول دائما إنه سويدي، وبدأ حديثه بعبارة عدائية للغاية، حين قال إن قتاله "داعش" يخفف من "كره المسلمين".
وقد تميزت شهادته بالحميمية، عندما تحدث عن أمّه المريضة، التي كانت توسلاتها تجعله يترك القتال كل مرة ويعود إلى السويد، وابنه الطفل الذي لا يعلم أين يغيب والده أشهرا.
قيمة البوح
يستعين الفيلم بمشاهد صورها "كريم" و"رافائيل" عندما كانا في سوريا والعراق، ويركز على مشاهد "كريم" وهو يضع فوهة بندقيته القديمة في فتحة جدار مثقوب، وأصوات الرصاص لا تتوقف في الخلفية، وكان قد قاتل في بلدة كوباني السورية، وفقد بها رفاقا له.
على الجانب الآخر، تحمل مشاهد "رافائيل" في كردستان العراق الضيق والانزعاج الذي غلف طلّته في السويد، ففي نفس الرجل طبقة لم يلامسها الفيلم، ربما كانت تفسر غضبه المتواصل، وعلاقته المعقدة بالمنطقة التي ولد فيها أبواه، ثم عاد إليها مقاتلا ذا بوصلة أخلاقية مشوشة.
يغلب النفَس التحقيقي الصحافي على الفيلم، ذلك لأن من خلفه صحفيين مخضرمين في أولى تجاربهم الوثائقية، وينتقل الفيلم من شخصية إلى أخرى، مركزا في الأساس على قيمة الشهادات التي يبوحون بها، ولم يسعَ إلى الابتكار الشكليّ أو الأسلوبي، حتى ضمن الإطار التحقيقي الذي يندرج تحته.
يعرض الفيلم المقاطع الضعيفة الجودة التي صورّوها لأنفسهم أثناء الحرب، مع أخرى من الإنترنت تُصوِّر المعارك ذاتها، ويجعلها صدى لشهاداتهم.
عدسات على الجبهات
يعد فيلم "حربنا" ثاني فيلم وثائقي، يتناول قضية المتطوعين الغربيين ضد "داعش"، فقد ظهروا قبل أشهر في البرنامج الوثائقي "المستشكف"، الذي يعرض على قناة "ناشيونال جيوغرافيك".
وصل الصحافي الأمريكي "نيل شيا" وهو يقدم برنامج "المستكشف" إلى جبهات الأكراد العراقيين ضد "داعش"، وأقنع يومئذ مقاتلين غربيين بالحديث للكاميرا، عن دوافعهم وقصصهم.
ويحيط هؤلاء المقاتلون عادة وجودهم في الشرق الأوسط بالسريّة، تحسّبا للعقوبات والنقد الإعلامي في بلدانهم، والمقارنة بالمواطنين الأوروبيين الذي يقاتلون في صفوف "داعش".
