أسبوع السينما اللبنانية في "كارلوفي فاري"

قيس قاسم ـ كارلوفي فاري (التشيك)

فرصة نادرة وفرّها مهرجان كارلوفي فاري الدولي للسينما اللبنانية حين خصص لها أسبوعاً كاملاً، عُرض خلاله مجموعة أفلام موضوعاتها شديدة الالتصاق بالحروب الأخيرة التي شهدتها البلاد وبشكل خاص الحرب الأهلية وقد تم اختيار ثمانية أفلام، لتغطية مساحات معقولة من الثيمة، هي: "خارج الحياة" 1991 لمارون بغدادي، و"بيروت الغربية" 1998 لزياد دويري، "يوم آخر" 2005 لجوانا حاجي توما وخليل جريج، "تحت القصف" 2007 لفيليب عرقتنجي و"هلق لوّين" لنادين لبكي 2011، "ليالٍ بلا نوم" للمخرجة إليان راهب 2012، "أي حرف صامت" لكورين شاوي 2013 و"الوادي" آخر أعمال غسان سلهب 2014.
وخلال تواجدنا في المهرجان التقينا الزميل الناقد السينمائي والمبرمج المصري جوزيف فهيم الذي ساهم في إعداد الأسبوع وكتب مقدمة عنه في "كاتالوج" الدورة الخمسين للمهرجان وأجرينا معه حواراً حول طبيعة الأفلام المشاركة فيه وكيف تبلورت فكرة إقامة الأسبوع ضمن يوبيلية خاصة بمهرجان أوروبي كبير..
فكرة إقامة برنامج خاص بالسينما اللبنانية طُرحت من قبل كارل أوتش المدير الفني للمهرجان وبعد مناقشات مستفيضة شاركت فيها الزميلة مريم ساسين من شركة "Abbout Productions" اللبنانية تبلورت فكرة تقديم برنامج محددة بخمسة أو ستة أفلام، ولكننا توصلّنا إلى رفع عددها إلى ثمانية حتى تعطي، رغم محدودية العدد، خلفية معقولة عن السينما اللبنانية الحديثة وانعكاسات الحرب فيها، ووجدنا في المقترح فرصة مثالية لتقديم السينما اللبنانية في واحد من أهم المهرجانات الأوروبية والعالمية من فئة "أ" وأن يكون توقيتها مع الاحتفال اليوبيلي الخمسين لانطلاقته.
كما وجدنا فيها فرصة لفتح المجال أوسع أمام السينما العربية في مهرجان كبير ظلّت مشاركاتها فيه قليلة وضعيفة لأسباب تتعلق بضعف علاقات التنظيم مع صناع السينما في منطقتنا، وربما لهذا السبب تعد المشاركة اللبنانية فرصة جيدة تضاف إلى الفرص القليلة التي أُتيحت للسينما العربية لتقدِّم نفسها في مهرجانات عالمية مثل كارلوفي فاري.
وعن طبيعة الأفلام المختارة ضمن "أسبوع السينما اللبنانية" ومستوياتها وعلاقتها بالحروب التي شهدها البلاد أكد فهيم أن طبيعة المنتج السينمائي اللبناني فرض نفسه على الاختيار، وبمجرد إلقاء نظرة على الإنتاج اللبناني خلال العقود الثلاثة الأخيرة، سنجد أن موضوعات الحرب والصراع الطائفي طاغية عليه وحتى تلك التي لم ترغب في خوض ذلك السجال فإن تأثيرات الحرب تظهر جانبياً فيها كما في فيلم "البوسطة" والفيلم القصير الفائزة بجائزة دورة كانّ الأخيرة كانت له علاقة بموضوع الحرب، ومع هذا حاولنا التنويع من خلال عرض فيلم "E muet" (حرف إي صامت) الذي تناول جانباً حياتياً بعيداً عن السياسة من خلال مقاربة لتجارب شابات لبنانيات تحدّثن عن علاقاتهن العاطفية. ليس تميز موضوع الفيلم وحده ما دفعنا إلى اختياره، بل مستواه الفني الجيد أيضاً.
ملاحظته الأخيرة دفعتنا لسؤاله عن التوازن المطلوب توفره في أي برنامج خاص يُنظم تحت سقف مهرجان كبير؟
ـ الموضوع صعب فليس من السهل وضع برنامج متكامل عن سينما ما في دورة واحدة وفي مهرجان لم يطلِّع بشكل جيد على السينما المقترح تقديمها. ولو كان الأمر بأيدينا لأضفنا الكثير من الأفلام إلى المجموعة ولكن عدد الأفلام عادة في الأقسام الخاصة وفي كل المهرجانات يظل محدوداً، لهذا حاولنا عبر ثمانية أفلام إعطاء صورة تقريبية عن تلك السينما وأبرز مخرجيها، ووجدنا لتحقيق ذلك ضرورة أن يكون بينهم مارون بغدادي وزياد دويري مع أن التوجّه كان منصباً على الأفلام الحديثة ما بعد الحرب، لكننا وجدنا في حالة غياب هذين الاسمين سيكون هناك نقصاً واضحاً فيه لأسباب تتعلق بطبيعة المخرجين؛ فمروان بغدادي هو من بين أفضل صناع السينما اللبنانية تاريخياً ناهيك عن فوزه النادر بجائزة كانّ الكبرى، وبالنسبة لفيلم "بيروت الغربية" لدويري فيُعدّ من بين أبرز الأفلام التي تناولت الحرب وقوبلت برضا النقاد.
أما على مستوى النوعية فغسان سلهب خير من يمثلها إلى جانب تفرُّد أسلوبه السينمائي الذي يضعه من بين الأميز في لبنان. وما دمنا نتحدث عن تنوع الأساليب فربما سيجيب هذا بدوره عن سؤال نتوقع مواجهته حول دوافع إدراجنا فيلم نادين لبكي "وهلق لوّين" إلى المجموعة؟ فأقول: بغض النظر عن تقبُّلنا لأعمالها، أو إذا ما كنا نحبها أم لا فإن أفلامها تحظى بقبول شعبي وربما هي اليوم الأوسع على مستوى التوزيع العالمي فكان لا بد من مراعاة هذا الجانب، أما "تحت السقف" فلمزاوجته الأسلوبية بين الوثائقي والروائي ولكونه أيضاً يتناول جانباً من الحرب اللبنانية الإسرائيلية الأخيرة القليلة التناول حتى الآن.
وبهذه المناسبة أذكر ملاحظة الناقد سمير فريد ليّ، أثناء عملي كمسؤول البرامج في الدورة الأخيرة لمهرجان القاهرة السينمائي، نبهّني فيها على ضرورة ألا تكون اختياراتي للأفلام وفق عقلية الناقد، بل ينبغي أن تكون بعقلية المبرمج الذي يراعي جوانب كثيرة أخرى غير النوعية بما يتوافق مع توجهّات المهرجان العامة وجمهوره.
وإذا أردنا الاسترسال والاجابة على سؤالك حول الشروط المفترض توفرّها في المبرمج ومواصفات البرنامج الناجح فتظل قضية توفّر "كيمياء" داخلية رابطة بين الأفلام مهمة جداً إلى جانب قبوله ورضى الجمهور عنه والتعامل معه كوحدة متكاملة، بغض النظر عن موقف المبرمج الشخصي من بعض الأفلام، فأحياناً يقبل بإدراج فيلم لا يتوافق مع ذائقته لكنه ربما يحتوي على أهمية تاريخية تغني جانباً من المهرجان، وغير هذا الكثير، إلى جانب ضرورة أن يكون بينها "منطقاً" يجمعها فعملية وضع البرنامج هي من المؤكد غير صف الأفلام إلى جانب بعضها البعض وهذا ما حاولناه في كارلوفي فاري، حين حرصنا على إدراج أفلام تروي بمجموعها تطور تاريخ السينما اللبنانية الحديثة.
جرّنا النقاش إلى السينما الوثائقية اللبنانية وجرأتها، غير العادية والاستثنائية في محيطها، على قراءة تاريخ بلادها بعين فاحصة وهذا ما دفع فهيم والمنسقِّين معه لإدراج فيلم إليان الراهب "ليالٍ بلا نوم" إلى الأسبوع كونه فيلما يناقش الحرب الأهلية اللبنانية من منظور استقصائي نقدي يتوقف عنده فهيم وينطلق لوصف المشهد الوثائقي اللبناني المتميز عن غيره من السينمات العربية؛ بالجرأة على استعادة الذاكرة السياسية وهذا ما لم يحدث في السينما المصرية التي لم تراجع التغيُرات السياسية ومن بينها الثورة التي أدت إلى اسقاط حكم مبارك على سبيل المثال، حيث لم يراجع السينمائيون تطورات الأحداث خلالها ولا ما بعدها ولا حتى محاولة تقديم رؤية لأسباب فشلها، على عكس اللبنانيين الذين امتلكوا القدرة والشجاعة على النظر لتاريخهم ومراجعته وبالتالي فهمه.
فالذاكرة والنظر إلى الذات سينمياً مسؤلية أخلاقية وتاريخية. لقد لعبت بعض الوثائقيات دور المرآة العاكسة للتاريخ، وبخاصة للمراحل السوداء فيه وتوقفت عندها وهذا ما يساهم في فهم الحاضر وتعقيداته.
قراءة تاريخ الحرب والصراعات الطائفية تتطلب توفير مساحة من الحرية، واللبنانيون لديهم هذه المساحة وهو ما نحسدهم عليه، وفيلم الراهب يسعى إلى التقرُّب من تلك الأسئلة اللصيقة بالماضي وضرورة العودة إليها عبر مراجعة نقدية شجاعة تريد معرفة ما الذي جرى ولماذا جرى كل ذلك؟.
أما عن استجابة الجمهور التشيكي مع الأفلام المعروضة فيؤكِّد فهيم شدة تفاعلهم معها ورغبتهم في الاطلّاع على سينمات مختلفة من العالم ومنها العربية التي يوفر المهرجان في دورته الخمسين فرصة مشاهدتها كحزمة واحدة، فيما نأمل أن توفر للمخرجين والمنتجين لبنانيين وعرب فرصة الانفتاح على الأسواق العالمية.