أفلام فوق الأربعين

محمد موسى

بدأت في بريطانيا في السادس والعشرين من شهر فبراير الماضي عروض فيلم " ماريجولد ثاني أفضل فندق مثير" للمخرج البريطاني جون مادن. يتابع الفيلم الجديد القصة والأحداث ذاتها التي قدمها لأول مرة فيلم "ماريجولد أفضل فندق مثير" قبل ثلاثة أعوام، كما يُحافظ على الشخصيات نفسها تقريباً مع بعض الإضافات، منها واحدة جديدة يلعبها النجم الأمريكي المعروف ريتشارد جير، الذي يبدو أنه اختير لأجل السوق الأمريكية، رغم أن تلك السوق استقبلت الفيلم الأول بحماس، بأبطاله البريطانيين، وبعضهم غير معروف كثيراً خارج بريطانيا. تتطلع الجهة الإنتاجية أن يواصل الفيلم الجديد النجاح التجاري الكبير والغير مُتوقع الذي حصل عليه الفيلم السابق عندما عُرض عام 2012، إذ جمع وقتها ما يُقارب 136 مليون دولار من عروضه حول العالم، فيما لم تتعدَّ ميزانية إنتاجه العشرة ملايين دولار فقط.

أطلق نجاح الفيلم الأول نقاشات سينمائية طويلة لم تتوقف لليوم، ركزت على الفئات العمرية لمرتادي صالات السينما في الوقت الحاضر وقصور الصناعة السينمائية عن إرضاء فئات معينة، وعن توق جمهور كبير لمشاهدة أفلام مُختلفة، لا يتصدر بطولتها بالضرورة نجوم شباب شعبيين، فالفيلم من بطولة مجموعة من الممثلين والممثلات البريطانيين من الذين تعدّوا سن الشباب، لكن بمواهب فذة لم تذبل أو تفقد أياً من بريقها، بل هي ربما اليوم في أفضل حالاتها، يتقدمهم: جودي دينش و ماغي سميث وآخرون. حتى أن البعض اعتبر الفيلم عنواناً لظاهرة سينمائية جديدة من القرن الجديد، وجدت سريعاً اسماً إعلامياً شعبياً هو :" الأموال المُسِنَّة"، في إشارة  إلى النقود التي يدفعها جمهور تعدّى منتصف عمره لشراء تذاكر الصالات، والأهمية المُتزايدة لهذه الأموال في مداخيل سينما اليوم. كما تم اعتبار الفيلم بأنه أحد الأعمال المفصلية التي عبدّت الطريق لأفلام سينمائية أخرى عرضت في العامين الأخيرين، أفسحت بدورها المجال لقصص شخصيات في منتصف العمر أو أكبر لتهيمن على الشاشة، من التي كان من الصعب أن تُنتج أو تصل للجمهور بدون النجاح التجاري الهام لفيلم "ماريجولد أفضل فندق مثير"، والنقاش الذي أثاره.

تقدم سلسلة "ماريجولد أفضل فندق مثير"، مجموعة من المتقاعدين البريطانيين الذين يقررون التوجه  للهند من أجل قضاء عطلة عادية، قبل أن تتطور الأحداث باتجاه سيبقيهم في النهاية هناك. تتقاسم الشخصيات العديدة البطولة، كما يتقاسمون الـتأثير في ما حولهم. لا تبدو الشخصيات تلك وكأنها في محطة حياتها الأخيرة، فهي مازالت تبحث عن الحب والغفران، وتصحيح مسارات حيوات سابقة، وتماماً مثلما اعتدنا أن نشاهد في قصص الشباب في غالب الإنتاج السينمائي التجاري. تبادل الأدوار بين "الشيوخ" و"الشباب" في الفيلم، هو الذي جعل هذا الأخير يشكل انعطافة مُهمة في مفاهيم تقسيم الجمهور العمرية التقليدية الشائعة، فالنجاح التجاري أكدّ خطأ حسابات الشركات السينمائية الكبيرة، التي استبعدت من خططها الإنتاجية جمهوراً كبيراً، ومارست ما يقترب من التمييز العمري بحق أعمار مُعينة، التي تم دمغها طوال عقود الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، بأنها غير مهمة اقتصادياً، ومن حصة التلفزيون، وعلى السينما أن لا تبذل أي جهود في محاولة جذبها إليها مُجدداً.

سبق النجاح التجاري الكبير لـ "ماريجولد أفضل فندق مثير"، نجاحات أخرى لأفلام من الأعوام الخمس الأخيرة، التي لا تقدم بالضرورة أبطالاً من فئات عمرية  قريبة من الجمهور الذي تتقصده، بل لتضمنها قصصاً وشخصيات مُعمقة، بعضها مستلّ من التاريخ،  والكثير منها يقدم قصصاً اجتماعية أو كوميدية معاصرة. ففيلم "خطاب الملك" للمخرج البريطاني توم هوبر من عام 2010، جمع ما يقارب 414 مليون دولار من عروضه العالمية، رغم معالجته الدرامية الكلاسيكية، وتركيزه على الأداءات المُحكمة لأبطاله. وفيلم "السمكري، الخياط، الجندي، الجاسوس" عن قصة من عوالم الجاسوسية البريطانية والذي أخرجه السويدي الأصل توماس ألفريدسون والذي حصل على 80 مليون دولار من عروضه العالمية. والفيلم الأمريكي "ذي ايديز اوف مارس"، من عام 2011، الذي أخرجه النجم جورج كلوني، وجمع ما يقارب 76 مليون دولار من عروضه حول العالم. جورج كلوني، كان بطل فيلم آخر يمكن درجه في القائمة ذاتها، ففيلمه "الأحفاد" للمخرج ألكسندر باين، والذي عرض في عام 2011 جنى 177 مليون دولار في صالات السينما حول العالم، رغم موضوعه الخاص بعائلة تُعاني من فقد الأُمّ.

إعلان

ليست هناك علاقات إنتاجية مُخطط لها بين الأفلام المذكورة، كما لا تجمعها شركة إنتاج واحدة، فكل واحد منها صُنع تحت ظروف مُختلفة عن الآخر وله قصته الخاصة. لكن نجاحها التجاري الذي تم ربطه بمعالجاتها الفنيّة الغير شعبية، صنفها تحت فئة أفلام البالغين، التي خرجت من أسر توزيع الصالات الفنيّة الصغيرة، ووصلت إلى صالات كبيرة، وجمهور أوسع، من الذي يبحث عن إثارة مُختلفة عن السائد الهوليوودي مثلاً، ويتطلع إلى سينما  تتحدى توقعاته وتجادل فهمه للعالم. في السياق نفسه، وعندما عرض فيلم "ماريجولد أفضل فندق مثير"، والذي لا يندرج تحت السينما الجدليّة، وحقق النجاح التجاري الكبير، جعل كثيرون ينتبهون إلى أن هناك جمهوراً واسعاً لن يتردد في ترك بيته، وما يوفر هذا البيت اليوم من وسائل ترفيه عديدة، من أجل التوجه إلى صالات السينما، كما أن هذا الجمهور أسعده، أن يشاهد أبطالاً بعمره أو أكبر منه، وهم يواصلون حياتهم، بتحدياتها وأفراحها وبالتأكيد خيباتها، ففي الزمن الذي يعيش فيه الإنسان لمدة أطول، مُحتفظاً بصحته وقوامه، مالذي يمنع إّذن أن تواصل شخصيات من فئات عمرية تجاوزت سن الشباب، والتي كانت خارج الحسابات الشعبية، من حضورها الرئيسي على الشاشة؟

كما يُمكن قراءة عودة جمهور كبير من فئات 40 عاما وأكبر، كجزء من ظاهرة أوسع بدأت ملامحها بالظهور في السنوات الأخيرة، فالإحصائيات عن التنوع العمري لرواد السينما في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية، تؤكد تراجع في عدد الجمهور من فئة (39-25)، وهي الفئة التقليدية الأكبر في جمهور السينما منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي.

لاشك أن للقرصنة الإلكترونية للأفلام والمُتواصلة منذ عقد تقريباً، دورها في تراجع نسبة الشباب الذين يداومون على الذهاب إلى السينما، كما أن للأزمة الإقتصادية التي تضرب العالم الغربي منذ عقد تقريباً أثرها في في هذا الانخفاض. في المُقابل، يمكن تفسير عودة الجيل الأكبر عمراً إلى الصالات السينمائية، لأنه الجيل الذي لازال بعيداً وبشكل عام عن القرصنة الإلكترونية، كما أن هذا الجيل قادر بسبب وضعه الإقتصادي الجيد و المستقر على دفع أثمان تذاكر السينما بصورة دورية، بخاصة عندما يجد في تلك الصالات ما يخاطب عقله وقلبه. في كل ذلك، مازالت الصالة السينمائية مهمة في الوعي الغربي، فعلى الرغم من أن البعض يخاصمها لسنوات أوعقود، إلا إن تشبث هذه الصالة بموقعها كركن ثابت من أركان الفن والترفيه رغم العواصف الشديدة التي تمر عليها كل عقد تقريباً، يُثير الكثير من الإعجاب، ويمنح الأمل بمستقبل طويل لها.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان