عن موانئ الجسد وترّهل الروح


من بين سبعة أفلام ضمّتها هذا العام الدورة الثانية لأسبوع النقاد الدولي الذي تُنظمّه جمعية نقاد السينما المصريين ضمن البرامج الموازية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي (12-20 نوفمبر) في دورته السابعة والثلاثين استطاع الوثائقي الفرنسي البرازيلي المشترك "غريبة, مثيرة .. وما إلى ذلك – "Exotica, Erotica .. Etc وهو أول أفلام المخرجة الشابة "إيفانجيليا كرانيوتي Evangelia Kranioti" أن يحصد جائزة أفضل فيلم (جائزة الناقد فتحي فرج) وذلك بقرار من لجنة التحكيم التي ضمّت هذا العام المخرج المصري محمد خان والناقد اللبناني محمد رضا والناقد الفني النيجيري شايبو حسيني.
واستطاع الفيلم البولندي الروائي"العنكبوت الأحمر" للمخرج "مارتسين كوشاوكا" أن يحصد جائزة شادي عبد السلام لتصبح قسمة العدل في جوائز الأسبوع ما بين فيلم وثائقي وفيلم روائي.
كان أسبوع النقاد الدولي قد ضمّ هذا العام أربعة أفلام روائية هي "رحلة إلى روما" للبولندي توماس ميلينك و"العودة" للسنغافوري جرين زينج و"العنكبوت الأحمر" للبولندي مارتسين كوشاوكا و"بدو سمائيون" من قرغيزيستان للمخرج ميرلان أبديكاليوف. وثلاثة أفلام تسجيلية هي "توك توك" للمخرج المصري روماني أسعد في أولى تجاربه الطويلة بعد تجربته القصيرة الشهيرة "برد يناير"، وفيلم "أولمو وطائر النورس" للمخرجتين البرازيلية بيرتا كوستا والدنماركية ليا جلوب وأخيرا الفرنسي "غريبة، مثيرة .. وما إلى ذلك" للمخرجة الشابة من أصل يوناني إيفانجيليا كرانيوتي.
وقد تنوعت أفلام أسبوع النقاد هذا العام ما بين الحداثي السيريالي والواقعي البوليسي والإثنوجرافي والواقعية الخشنة والتسجيلية الشعرية وهو ما أثرى الفاعلية بشكل كبير وأخرجها من حيِّز التعاطي المحدود لكونها أفلاما لمخرجين يقدمون أعمالهم الأولى أو الثانية.
ليس شهوانيا .. بل صادم
قد يبدو عنوان الفيلم صادما سواء بالإنجليزية Erotica Exotica Etc أو بترجمته العربية القائمة على طبيعة تفاصيله، ولا نقصد بها الحكايات الجنسية أو الشهوانية التي ترويها الشخصية الرئيسية في الفيلم، تلك العاهرة العجوز المتقاعدة، ولكن هذه الصدمة هي جزء من عملية شحذ الحواسّ لتلقي عمل غامض غموض الإشارات لا يُفصح عما يريده لأنه يعتمد على خبيئة يجب أن يبحث عنها المتلقِّي كي يجد فيها بعضا من نفسه في النهاية.
يقول المخرج الفرنسي روبير بريسون في كتابه ملاحظات على السينماتوغرافيا (خبئ الأشياء القيمة التي تريد أن تبوح بها للجمهور) ويقصد أن يُخبئها صانع الفيلم في داخل الفيلم ذاته كي يبذل المتلقِّي جهدا في العثور عليها وبالتالي تتخذ عملية المشاهدة عمقا أكثر تأثيرا من التلقِّي السطحي الكسول المعتاد.
هذا فيلم يحتاج إلى مُتلقٍ لا يملك رفاهية الكسل في المتابعة، فمنذ اللقطة الأولى ندرك أن الشهوانية والشذوذ أو الغرائبيبة التي يعلن عنها العنوان ليست كما نظن، رغم الحضور الحسّي الواضح سواء في المحكيات أو اللقطات، ولكن المخرجة تؤسِّس عبر نصف الفيلم الأول لمساحة وعي مغايرة تجعل من ذهن المتلقي أبعد ما يكون عن التفاصيل الجنسية بل ومتورط في محاولة الكشف عن العلاقة ما بين العنوان وتلك اللقطات الكثيرة للسفن العملاقة في عرض البحر وهؤلاء البحارة الذين لا نراهم يتحدثون ولكن نستمع إلى صوتهم عبر ما يشبه المكالمات التليفونية التي يجرونها من فوق سطح سفنهم البعيدة.

لا يوجد تعليق صوتي يملي أي شئ على المُتلقِّي، ولا توجد معلومة واحدة واضحة المعالم باستثناء ما تبوح به الصورة من دلالات، حتى ما تبوح به العاهرة العجوز يبدو أقرب للحكايات النمطية المعروفة عن الوقوع في حب البحارة الذين تنتظرهم امرأة في كل ميناء وعند كل شاطئ.
هذا فيلم لا يتحدث عن حب فتيات الهوى للبحارة الفاتنين بل هو عن الزمن والانتظار ودراما الحياة التي لا تنتهي، إن الكاميرا الموضوعة من وجهة نظر المتلقي كما لو أنه كان يجتاز البحر فوق السفينة مثل هؤلاء البحارة، وتلك اللقطة التي تتكرر حيث مقدمتها تشق الماء تعني أننا جميعا مثلهم نجتاز بحر الحياة وصولا إلى شواطئ عديدة، ربما نلتقي فيها بالحب أو الصداقة أو المال أو الخيبة أو الموت، ولكننا لا نستطيع أن نتوقف عن الإبحار تماما كما يبوح صوت البحار في أحد المشاهد وهو يتحدث عن علاقاته بالبحر وشغف المغامرة واصطياد الحوريات والبحث عما لم يعرفه ولم يره من قبل رغم طول الأسفار وتراكم المعارف وتنامي الخبرة.
لماذا وضعت المخرجة صوت البحّارة في ذلك الإطار البعيد نسبيا عن الصوت التقليدي أو اللقاء المباشر مثلما فعلت مع العاهرة العجوز! لماذا لم نرَ أيا من هؤلاء البحارة الذين يبوحون بأفكارهم ومشاعرهم سوى عبر إطار الصوت الأقرب للمكالمات التليفونية !
على ما يبدو أنها أرادت أن تُشعرنا بأن هذا الصوت هو صوت داخلي في رؤوسنا نحن المتلقِّين وليس صوت شخصيات بعينها في الفيلم، إننا لا نعرف أسماء هؤلاء البحارة ولا نراهم ولكننا تدريجيا نتورّط في بوحهم بالصوت ونبدأ في إحداث المقاربة بين ما نراه من تتابع لقطات وبين ما يبوحون به لندرك المغزى والعلاقة ما بين الصورة وهذا البوح الذي يتحول إلى صوت داخل رؤسنا تماما كأننا نُحدِّث هؤلاء البحارة في التليفون أو أننا نحن البحارة أنفسهم.
ونعود للتساؤل : إذا كنا نحن البحارة وتلك سفينة الحياة التي نطفو عبرها فوق بحر الوجود فمن هي العاهرة العجوز !
إنها باختصار هي نحن أيضا، إننا البحارة والعاهرة، بعضنا يطأ المواني ليغزو جسد تلك أو ينهك روح أخرى وبعضنا ينتظر أن يغزوه البحّارة المُحمّلون بشبق الحياة وفورتها ومشاعر المُحبّ العابر الذي لا يريد سوى أن يشعر باستحقاق الحياة لهذا السفر الطويل عبر بحارها اللانهائية. تعتمد المخرجة على أسلوب سردي يبدو معقدا في ظاهره لكنه غاية في البساطة والعمق وهو أن تجيب اللقطات في تتابعها على الأسئلة وتطرح أخرى وتضع خطوطا أسفل بعض المشاعر وتمدّ خطوطا أخرى على استقامتها.

إننا نرى العاهرة العجوز تتحدث عن رغبتها وهي شابة في أن تصبح ممثلة لكنها لم تجد سوى العمل كعاهرة في أحد البارات، تنتظر كل ليلة أن تخلع ملابسها لبحار مختلف، وبينما نسمع صوتها يبوح بتلك الحكاية النمطية نرى عاهرة أخرى شابة ترقص رقصا جنسيا في أحد تلك البارات التي لا تزال ممتدة على طول الموانئ في كل مكان من أجل استقطاب البحارة المتعبين وفائري الأجساد، وكأن الحياة دائرة مغلقة لا تنتهي من الإحباطات والخيبات والانتظار المؤلم كما تطلق عليه العاهرة العجوز، ثم نراها وهي تقف عارية وجلدها المتغضن وصدرها المتهدل يبوحان بكم السنوات التي أضيفت لعمرها ومدى قسوة الزمن الذي منح مسامها لكفوف البحارة العابرين، ثم تقطع المخرجة تلك اللقطة لنرى أحد الموانئ من بعيد وكأن العاهرة العجوز هي ذاتها الميناء الذي لا يزال ينتظر بحارا يأتي ولا يغادر ذات يوم، أو الحلم الذي فات أوان تحقّقه ولكنه لا يزال نابضا في جسد امتلأ بالأورام السرطانية من خيبة الأمل وتراكم الانتظار بلا نهاية.
يفقد جسد العاهرة مغزاه الشهواني لا كنتيجة مباشرة لتقدم العمر ولكنه يصبح مع تراكم الحكايات ووضوح الدلالة معادلا بصريا لفكرة ترهُّل الروح وهو أقسى ما يمكن أن يصنعه بنا الزمن وهو يمرّ من بين أيدينا.
لا تلجا المخرجة مونتاجيا إلى الإظلام أو الاختفاء التدريجي أو المزج، بل دوما وسيلتها في الانتقال هي القطع المباشر غير الحاد الذي يصنع الصلات بين اللقطات وبعضها – المزج هنا كان سيبدو شديد السذاجة والمدرسية – إنها لا تُعرِّف الموانئ التي تصورها ولا الشخصيات ولا تكتب شيئا على الشاشة أو تعطي علامة مميزة للمدن الساحلية، ثمّة اعتبارات تجريدية يتم مراعاتها من أجل تعميم الدلالة والخروج من أفق الحكايات الأسطورية عن البحارة والعاهرات إلى أفق التأمل في حال الوجود والوقت.
يكاد يكون الفيلم منقسم موسيقيا إلى قسمين، الأول بداية من لقطات مقدمة السفينة إلى أن نصل للقطات الحفلات التي يقيمها البحارة ابتهاجا بقرب وصولهم إلى ميناء جديد، ثم القسم الثاني الذي يبدأ مع ظهور العاهرات في حانات الموانئ وتصاعد البوح والحكايات التي تتلوها العاهرة العجوز حيث تتجلّى المشاعر بشكل أوضح ويصبح للموسيقى دور سردي ولوني (شعري) في خلفية المشاهد التي تتحدث فيها العاهرة العجوز عن بهاء الجسد الذكوري وروعته، بينما نشاهد لقطات لأحد البحارة في حاوية الحبوب العملاقة داخل سفينة الشحن يبدو كمن يسير في صحراء واسعة من القمح يبحث عن حبة بعينها، إنه انتظار ما لا يقدر بثمن والبحث عن المجهول الذي لا يعرفه أحد غيرنا رغم أننا لم نلتق به من قبل.
تتقاطع اللقطات في النهاية ما بين جسد العاهرة المترهل روحيا وبين أجساد العاهرات الشابات اللائي يُعدن الكَرّة مرة أخرى كأنهن لا يعلمن شيئا عما ينتظرهن كما ينتظرنا جميعا، توق بلا نجاة وشغف أصيل لا يتزحزح ويد الزمن تترك آثارها الحلوة والمُرّة على مسام النفوس.