"جدّي ألليندي"..وإعادة بناء الذاكرة


يعتبر مهرجان "كان" من أهم المحطات العالمية لمشاهدة الأفلام الجديدة والمتميزة. يحتوي هذا المهرجان على أقسام موازية تتكلّف بها مؤسسات مستقلّة عن إدارة المهرجان، من أهم هذه الأقسام قسم "أسبوعي المخرجين" الذي تُنظمّه شركة مخرجي الأفلام. تأسّس هذا القسم في البداية كتظاهرة مضادة للمهرجان الذي كان يهمل سينما المخرجين والمؤلفين ليحتفي، فقط ، بالسينما التجارية التي تقوم على النجوم والجمهور الواسع. استمرّ هذا القسم كفعل مقاومة ضد تسليع السينما إلى أن نجح بمعية قسم "أسبوع النقاد" في فرض تصوّره للسينما على مهرجان "كان" ككل، أي تبني "فلسفة سينما المؤلفين" التي تحتفي بالسينما الإبداعية وتُعطيها المكانة الأولى.
يتميز هذا القسم بفتح المجال أمام الفيلم الوثائقي الإبداعي الذي يجد صعوبة في الوصول إلى الجمهور عبر شبكات التوزيع التقليدية. من أهم الأفلام التي عُرضت خلال دورة مايو 2015 فيلم " ما وراء ألليندي، جدي" Beyond My Grandfather Allende للمخرجة التشيلية المكسيكية "مارسيا طومبوتي ألليندي".
ولدت مارسيا بالمنفى بالمكسيك، وهي حفيدة الرئيس التشيلي "سلفادور ألليندي" الذي وصل إلى الحكم بطريقة ديمقراطية وأطاح به العسكر على يد الجنرال "بينوشيه" في بداية السبعينيات.
يشهد التاريخ على تورُّط المخابرات الأمريكية والشركات المتعددة الجنسية في هذا الإنقلاب الدموي الذي جعل التشيلي تدخل مرحلة مظلمة في تاريخها المعاصر لا زالت آثارها عالقة بالأجساد والأرواح.
عادت مارسيا إلى بلدها الأصلي سنة 2007 وساهمت في إقامة مؤسسة "سلفادور ألليندي" من أجل حفظ الذاكرة وإنعاشها لتطلّع عليها الأجيال الحالية والمستقبلية، للتعرُّف على تاريخ بلدهم والمحن التي مرّوا بها من أجل بناء وترسيخ الديموقراطية.

يتميز فيلم "ما وراء ألليندي، جدي" عن الأفلام الوثائقية والتخييلية التي أُنتجت في نفس الموضوع، بأنه فيلم "غير سياسي" بالمعنى المباشر: أي أنه ابتعد عن سرد أحداث الانقلاب وما ترتّب عليه من اعتقالات وتصفيات بالخطف أو القتل للمواطنين الذين يميلون للاتجاه الاشتراكي.
" لا أريد أن أعيد حكيّ قصة الدولة وما جرى بقصر لامونيدا. لقد قال غيري ذلك، رغم أن ما قيل وما سيقال لا يكفي لإيصال الحقيقة كما هي. ولكن أريد فقط أن أحكي قصة عائلتي وخاصة قصة جدتي التي وافقني الحظ أن أجدها على قيد الحياة (ستفارق الحياة قبل عرض الفيلم). إن فيلمي تكريم لهذه المرأة اللطيفة والهشّة والتي تحمّلت كل هذا وظلّت صامتة ومحتفظة بالسر."
حاولت مارسيا من خلال هذا الفيلم أن ترسم بورتريه عائلي وحميمي لتكسر الصمت المضروب على الماضي التراجيدي، من أجل كشف المسكوت عنه بعد ما يزيد عن أربعين سنة من الصمت. استعملت مارسيا أسلوب الزيارة لعيادة أفراد عائلتها عبر مجموعة من المدن داخل التشيلي وخارجه في بعض دول المنفى. حضرت الجدة بقوة ثم الأم ثم الخالة ثم أبناء العمومة وأبناء الخالات.
طلبت مارسيا من جدتها أن تكلمها عن عواطفها وأحاسيسها تجاه جدها وهل كانت تحبه أم لا، راوغت الجدة السؤال وأجابت بأن جدها كان مسكونا بالسياسة وبتغيير واقع بلده. أحسّت مارسيا بأن جواب جدتها سيجرها خارج الموضوع، فأعادت استفزازها بسؤال محرج .. "لقد كان لجدي عشيقات كثيرات، هل كنت على علم بذلك؟!" بعد تردد وشرود تأملي، وكأنها تقلب بذاكرتها ألبوم الحياة، أجابت مؤكدة بتحريك رأسها: "أعرف ذلك، فقد كان في حاجة إلى ما يُخفّف عنه تعب السياسة."

تابعت مارسيا رحلتها إلى منازل أقاربها بشكل تناوبي، وقد كانوا يفتحون أمامها محتويات صناديقهم وألبوماتهم الصورية بالأبيض والأسود، وكانت تدفعهم إلى التعليق عليها بشكل تحليلي أو تفسيري أو شعري.
ومن خلال هذه الصور العائلية، وبواسطة المقاربة التوثيقية التي جعلت من السينما آلة لصعود الزمن، استطاعت المخرجة أن تبني المحكي الفيلمي الذي أعاد الحياة للحظات الفرح الصغيرة: ألليندي يسبح مع بناته، عيد الميلاد، عيد رأس السنة، لحظات التنزُّه، الجلسات الغذائية، الأعراس، اللعب مع الحيوانات الأليفة .. وغيرها.
بنَت مارسيا فيلما على التوتر الإبداعي من خلال وجهات نظر متناقضة لحكيّ الصور الفوتوغرافية، وقد جنّبها هذا الأسلوب السقوط في كليشيه الحكي الخطي الممل. إن بناء إعادة الرؤية لهذه الصور خلق نوعا من التعارض بين الزمن اللولبي (الزمن السياسي) والزمن الخطي (الحياة العادية).
إن هذه الصور تشتغل في هذا الفيلم مثل ذاكرة منعكسة أو انعكاسية للزمن الذي لم يعشه هؤلاء الأحفاد، ولأنهم يعتبرون ورثته الحتميون، وقد اعتمدت المخرجة مسرحة بعض الأمكنة والشهادات وبعض صور الأرشيف، ليس بهدف إيضاح وشرح الحقبة التاريخية، ولكن باعتبارها علامات لروح العصر، التي ينبغي مساءلتها ذهابا وإيابا عبر الحاضر.
وهو بحث في الذاكرة الإرادية واللاإرادية، الجماعية والفردية، المليئة والمثقوبة، هذه القارّة المعتمة (الذاكرة) حيث الماضي يتلقّى آثار المستقبل، لأن الهدف من هذا الفيلم ليس هو الاحتفاء أو التكريم بقدر ما هو التذكير والتذكُّر، لأن رهان الجيل الثالث هو محاولة الفهم بإعادة فتح الماضي، ومن خلال هذا الفهم يمكن أن يتحقّق الإنصاف، إنصاف هذه العائلة وإنصاف الأجيال التي كبرت في ظلّ فقدان، يصعب إصلاحه.