"عُمْدتا أوكرانيا" يفوز بجائزة إدفا

ذَهَبت جائزة أفضل فيلم تسجيلي طويل لمهرجان إدفا السينمائي، الذي طوى دورة جديدة منه في السابع والعشرين من شهر نوفمبر الماضي، إلى فيلم "عُمْدتا أوكرانيا" (Ukrainian Sheriffs) للمخرج الأوكراني رومان بوندارتشوك. اعتبرت لجنة التحكيم أن الفيلم يقدم بوتريتهاً كونياً مبدعاً لمجتمع صغير يحاول أن يتعايش مع الإحباطات والنزاعات القريبة والبعيدة، فيما تم نقل شخصيات ذلك المجتمع إلى الشاشة بحساسية ثاقبة. كما أبرز الفيلم بشكل لافت أن المناطق النائية ليست بمنأى عن الأحداث الكبيرة والمفصلية. والأخيرة، أي ما يتواصل منذ بضعة أعوام في أوكرانيا، كانت حاضرة في مجموعة مُعتبرة من الأفلام التسجيلية في دورة هذا العام من المهرجان السينمائي الهولندي. بيد أن ما يجري في العاصمة كييف والمناطق المتوترة الأخرى في البلد، مَرَّ بشكل خاطف في الفيلم التسجيلي الفائز، ولم يحدد مساره الظاهر، وإن لم يغب عن بال شخصياته، ويثقل قلوبهم بالقلق والهموم.
![]() |
ينتمي فيلم "عُمْدتا أوكرانيا" إلى سينما المعايشة التسجيلية، من التي ترافق شخصيات عادية او شهيرة دون أن تتدخل أو توجه ما يجري أمامها، بل تكتفي بالمراقبة والتسجيل، ثم البحث في عمليات المونتاج لاحقاً عن خطوط سردية، تعكس الواقع الذي صورته الكاميرات. هذا النوع من التسجيل يشترط الحساسية والالتزام والنباهة. والقدرة على التقييم الفطن لما يقع أمام الكاميرا، ليتم التفاعل معه سريعاً، باختيار موقع الكاميرا وحركتها واتجاه عدستها، وأحياناً الإسراف في تصوير وقائع معينة ربما تبدو لحالها عادية او مُجردة، لكنها ستشكل جزءاً من نسيج من التفاصيل في ذهن المخرج وفريقه، إذ سيتم ربط الأطراف الفضاضة في حبكات تعكس بمستويات متبانية في جودتها وصدقها الواقع الفعليّ الذي سجلته. فيما تختلف فترات عمليات التصوير، إذ يصل بعضها لأشهر طويلة وأحياناُ سنوات وأخرى أسابيع مكثفة.
يرافق الفيلم الفائز شرطيان متطوعان في قرية صغيرة في جنوب أوكرانيا. لا ينتمي الشرطيان للجهاز الأمني القائم، بل هما مواطنان عاديان من القرية تبرعا لمساعدة الشرطة التي تشكو من فقر المصادر. ستكون مهمة الشرطيين الطيبين حَلّ النزاعات البسيطة بين أبناء القرية بالتراضي، وترك تلك المُعقدة للشرطة الأصلية. هذا بدوره سيفتح الأبواب لهما لبيوت أهل القرية دون تحفظات. وبالتالي سيمكن الفيلم من الاطلاع والذي يقترب أحياناً من فعل التلصص على ما يجري خلف الأبواب المغلقة، بخاصة المصاعب التي يواجهها بعض من أهل القرية في حياتهم، كالفقر والإدمان على الكحول، وأيضاً القلق مما يجري في بلدهم، منذ تفجرالصراع بين الحركة الوطنية الأوكرانية والانفصاليين الموالين لروسيا.
تدُور السيارة القديمة التي تقل الشرطيين المتطوعين على بيوت أصحاب النزعات في القرية. ليست السيارة وحدها التي تُذَّكر بسنوات الشيوعية الآفلة. فالبيوت والشوارع وكل شيء تقريباً يشيرإلى زمن بعيد، مازال عالقاً في مشاكله وقيمه. أغلب المشاكل التي يتدخل الشرطيان بحلها، تعود إلى الإسراف والإدمان على الكحول. يركز الفيلم قليلاً على أحد النزاعات التي يصادفها الشرطيان: رجل يضرب زوجته، ويقضي أيامه فاقداً للوعي تقريباً بسبب ثمالته المتواصلة. هذا الرجل سيحاول أن يعيد ترتيب حياته، فيتابعه الفيلم وهو يصلح بيته المتصدع، في مسعى جدي لتغيير عاداته وقبل فوات الأوان. يتابع الفيلم هذا الخط، وبالتوازي مع خطوط أخرى، مُلتقطاً مشهديات من حياة القرية اليومية، كاحتفالاتها التقليدية، في مساع لرسم صورة قريبة للحياة في قرية مجهولة، لا تتميز بشيء عن غيرها من القرى الأوكرانية.
لن يكون الشرطيان البطلين الوحيدين للفيلم، فالعمل التسجيلي سيوجه انتباهه إلى مدير بلدية القرية، الرجل النبيل، المُحترم من أبناء قريته. سيمرّ المدير هذا في عدد كبير من مشاهد الفيلم، منها تلك التي تسجل اجتماعاً بين سكان البلدية وموظفين حكوميين من خارجها. يقف أهل القرية خلف مدير بلديتهم بوجه خطط حكومية لم يوافقوا عليها من قبل. ينقل الفيلم أيضاً كلمة للمدير نفسه في احتفال رسمي. ورغم أن الكلمة تلك لا تكاد تخرج عن الرسميات واللغة الخشبية، الا أن صدق الرجل والظروف التي تواجه البلد بشكل عام، جعلها عاطفية، مؤثرة بمن حوله من أبناء القرية.
![]() |
ينحاز الفيلم إلى اللحظات العفوية من الحياة اليومية في القرية فيبرزها، لتغلف هذه بالدفء والكوميديا من الفيلم، الذي لم يشح وجهه عن اللحظات القاسية أيضاً. من تلك اللحظات التلقائية الدافئة، نقله لتقليد لأهل القرية في السبح بمياه متجمدة، حيث يسابق البالغون الأطفال على الدخول في تلك المياه الباردة. أو تلك التي تصور اجتماع للشرطة المحلية، وكيف أن الضابط الذي كان يدير الاجتماع تلقى اتصالاً على هاتفه النقال ليقطع حديثه ولينشغل بالاتصال الخارجي وسط صمت الحاضرين. ساهمت هذه اللحظات في تكميل الفسيفساء الخاصة بالحياة في القرية، وعادات ناسها، من أجل المزيد من الفهم لظروف حياتهم.
بغياب التعليق الصوتي الخارجي في الفيلم، وندرة الحوارات الجانبية بين البطلين في سيارتهما وجولاتهم اليومية، سيكون للتقاطعات بين الشرطيين وسكان القرية أهمية كبيرة لفهم ما يجري والتعرف على مشاكل أهل القرية. يبلغ الفيلم درجات صادمة من الكشف والجرأة في تقديم تفاصيل قاسية وأخرى حميمة من مِحَن بعض سكان القرية، كمشاهد الجثة التي عثر عليها الشرطيان في أحد البيوت والتي تعود لرجل قضى بسبب إفراطه في شرب الكحول. لا شك أن التصوير في بيئة نائية مازالت تتعامل باحترام يقترب من القدسية مع الإعلام، الدور المهم بأن يتمكن المخرج بتصوير كل تلك التفاصيل، دون أن يوقفه أحد السكان، أو أن يعرقل إنتاج الفيلم الحصول على أذونات مُعقدة لتصوير هذه اللحظات الخاصة، وهي التفاصيل التي تُصَّعِب كثيراً إنتاج أنواع معينة من الأفلام التسجيلية اليوم. هذه الحرية التي توفرت لفيلم "عُمْدات أوكرانيا"، جعلته ينتمي مثل القرية التي صور فيها، إلى زمن ماض بعيد من السينما التسجيلية، قبل التغييرات الهائلة التي أصابتها في السنوات الأخيرة.


