"معطف كبير الحجم"

لقطة من الفيلم

إن فكرة دفع المال مقابل مشاهدة فيلم، لا تعني سوى الرجوع إلى فكرة السينما الأصلية، واختيار المُشاهد الذهاب للسينما مقابل أن يدفع ثمن ذلك؛ فيختار عن وعي كامل أن يدفع من ماله ليتشارك مع جماعة من الغرباء حضور فيلم ما، بعيداً عن عروض الأفلام التي تنظمها مؤسسات المجتمع المدني والتي تقدم مفهوماً مغايراً تماما لدوافع صناعة الفيلم عند المخرج، ومشاهدته عند المتلقي.
العودة إلى صالة السينما وشراء التذاكر، أمراً لم يحدث منذ أكثر من عقد من الزمان في قطاع غزة، إنها التقاليد السينمائية التي يتعطش إليها جيل كامل، وتجربها لأول مرة أجيال جديدة.

إن فيلم "معطف كبير الحجم" فعل ذلك، حين استطاع أن يجمع المئات من أهالي قطاع غزة أمام شاشة السينما في مسرح الهلال الأحمر بحيّ تل الهوى، كما استطاع أن يحافظ على العدد ذاته من الجمهور لمدة 120 دقيقة دون أن يخرج أحدهم، سوى بعض المنظمين الذين يعملون في شركة "عين ميديا" التي نظمت العرض بتذاكر رمزية، يوم السبت الماضي.
فيلم "معطف كبير الحجم" لا يمكن إنكار جماهيريته ومخاطبته الشعبية والعاطفية للناس، لكن الأمر لا يعدو أكثر من ذلك؛ فهو عبارة عن حكاية فلسطينية كلاسيكية صرفة، لطفل عاد من السعودية بصحبة والديه إلى قريته في طولكرم، وشهد الانتفاضة الأولى، وقد كان كل شيء جديداً عليه؛ سواء كان الإضراب، أو إطلاق النار أو المظاهرات، أو الانتماء لحركتي فتح وحماس.

ويرصد الفيلم التفاصيل بمونتاج أقرب للتلفزيوني منه إلى السينمائي، وبمعالجة غير لمّاحة، فيعود بنا إلى التقاليد السينمائية العربية في تناول قضية فلسطين والاحتلال الإسرائيلي، والتي من الممكن أن نجدها في العديد من الأفلام المصرية الركيكة كفيلم "أصحاب ولا بيزنس".
ومن هذه التقاليد؛ مشهد الجنود وإلقاء الحجارة عليهم، وطبعا إذا أراد أن يتحدث أحد هؤلاء الجنود، فالحتمية السينمائية العربية تلزم الجندي بلفظ كلمة "خبيبي" وتتحول الحاء إلى خاء، وتكون ذقنه شقراء كـ"الخواجات"، ويجب أن يتلقّى البطل الذي يرتدي الكوفية رصاصة بصدره، فموت الفلسطيني هي النهاية المنتظرة والمرجوة، وكون الفيلم قد تم إنتاجه بالأردن لم ينقذه من الوقوع بأخطاء تعدُّد اللكنات على أمل أن تشبه إحداها المحكية الضفاوية.

إعلان

يتناول الفيلم حشدا من القضايا الكبيرة، كموضوع العملاء و"نداء رقم واحد" الذي خرج من القوى الوطنية الفلسطينية كإعلان رسمي عن بدء الإنتفاضة الأولى، مروراً باتفاقية أوسلو وحصار ياسر عرفات.
فمخرج الفيلم "نورس أبو صالح" حاول أن يركز على العناوين البارزة، والأيقونات الفلسطينية في الصراع؛ كالأم التي تحتضن ابنها تحت الموت، الزعتر وخبز الطابون، والمقلاع.
يكبر الفتى الذي يحصل على معدل مرتفع في الثانوية العامة، ويذهب إلى الجامعة في مدينة رام الله، ليدرس الهندسة، وهنا يبدأ فيلم آخر يختلف تماما عن الأول، فالتراكم الدرامي بينهما ضعيف؛ يقع الفتى في حب الكاميرا عن طريق زميله فادي الذي كان يصور الحاجز ثم يستشهد في مظاهرة داخل الجامعة، ويقرر فتانا أن يُحوِّل تخصصه الجامعي من الهندسة إلى الإعلام انتقاما لمقتله.

ويبدأ بتصوير الأفلام السياسية لأستاذه في قسم الإعلام في مشاهد تغلب عليها الكوميديا، كما تغلب عليها الذاتية العالية التي لا تعبر سوى عن "أنا" مخرج الفيلم نورس، فالفتى يصبح فجأة مبدعاً بل عبقرياً كمخرج، وتُعرض أفلامه في سينما رام الله، في اختزال غير واقعي لسنوات دراسته على عكس السير الدرامي في الجزء الأول بالفيلم الغارق بالواقعية والتفاصيل والتراجيديا.
وبطبيعة الحال يصل هذا العبقري إلى أحد المهرجانات العالمية، وذلك بعد صراع مع والده الذي تحوّل من مناضل وزّع بيان الانتفاضة الأولى، إلى رجل سياسة فاسد نوع ما، حين يجبر ابنه باستخدام رجال أمن السلطة الفلسطينية على الرحيل إلى الاردن، ليبدأ من هناك بصناعة فيلمه الروائي الطويل والذي يوصله إلى المهرجان العالمي.

مخرج الفيلم "نورس أبو صالح"

يحاول الفيلم أن يظهر أن هناك ثأرا شخصيا بين الجندي الإسرائيلي الذي لا يزال يلفظ الحاء خاءً، وله ذقن شقراء، وبين فتانا منذ الانتفاضة الأولى، ورغم أن هذا الخط الدرامي ضعيف، ولا يمكن اعتباره حتى حبكة ثانية في الفيلم كي تُبنى عليها خاتمة الفيلم، إلا أن هذا ما سيحدث، فالانتقام يظهر فجأة ويحمل هذا الضابط بندقيته التي هي على شكل كاميرا ويذهب إلى المهرجان العالمي ويقتل من أحد النوافذ فتانا المخرج.
إن تصوير إسرائيل بهذه السذاجة لهو أمر غير مقبول لعقل المشاهد، فإسرائيل قد تقتل ألفي مواطن في حرب واحدة، كما فعلت الصيف الماضي في قطاع غزة، ولكنها لن تقتل مخرجاً فلسطينياً أمام الملأ وتحت الكاميرات وبهذه الطريقة التي لا تُعبِّر سوى عن أحلام بطولة تراود المخرج ذاته، ونرجسيته التي ترى أن المبدع والمناضل، كلاهما يقتلان في مقدس البطولة الفلسطيني.

إن آخر مبدع قتلته إسرائيل كان الكاتب غسان كنفاني في بيروت بتفجير سيارته، ولم يكن مشهداً فخماً أو سينمائياً على سجادة حمراء، بل قتل في سيارته مع ابنة أخته الطفلة لميس، هكذا تقتل إسرائيل المبدعين، وليس لأن هناك ثأرا شخصيا بين أحد ضباطها ومخرج أرّق إسرائيل بعبقريته.
إن هذا الجزء من الفيلم هو مشهد سينمائي ينتج عام 2015 يمثل مشهد سينمائي آخر طالما علق في ذاكرتنا السينمائية طوال أربعين عاماً، إنها فكرة اختزال الفلسطيني بالموت، وأيضا فكرة اختزال موت الفلسطيني بموت المبدع، وأيضاً إن هذا الموت لا يكتسب قيمته سوى لكونه يحدث أمام العالم.

إعلان

دافع المخرج نورس بعد عرض الفيلم، في لقاء عبر السكايب، عن تمسكّه بكلاسيكية فيلمه، وأنه سيصنع فيلماً تجريبياً آخر بوقت لاحق، ولكن إذا كان التجريبي في الإخراج والأفلام هو عكس الكلاسيكي ولا تعتبر الكلاسيكية تمثلّاً في تيار التجريب، لماذا حاول نورس نفسه التجريب حين اختار هذا العنوان للفيلم؟ كما أنه ألقى علينا الفانتازيا كصفعة في مشهده الأخير؛ فبعد أن تصيب الرصاصة صدر البطل يستقيظ على شاطئ بحر وهو يرتدي معطفاً كبيراً ويختار أن يخلعه ويلقيه في البحر، وهو مشهد رمزي يوحي بأننا كفلسطينيين سنتخلص يوماً من مشاكلنا بإلقائها في البحر، ولكن يبدو أن هذا لن يحدث سوى بـ"الجنة"!

يقول المخرج نورس عن اسم الفيلم "أطلقت عليه اسم معطف كبير لأنه يوضح كيف أن القضية أصبحت مثقلة بالمشاكل الكبيرة"، مضيفاً "هناك موروث فلسطيني أن من يرى في نومه أنّه يرتدي معطفاً أكبر من مقاسه، فهذا يعني أنّه سيتحمّل مسؤوليات والده، التي تفوق طاقته".
ويبدو أن هذا العنوان ينطبق على الفيلم بشيء واحد، أن الفيلم ذاته كالمعطف الكبير، وضع فيه المخرج كل شيء، فارتدى الفيلم معطفاً أكبر من قياسه.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان