"سبعة .. خمسة": انحرافات شرطة نيويورك!

يُعدّ فيلم "سبعة .. خمسة"  The Seven Five للمخرج الأمريكي "تريللر راسل" امتدادا لعدد من الأفلام الأمريكية الروائية الشهيرة التي تناولت انحرافات جهاز الشرطة في مدينة نيويورك، خاصة تلك الأفلام التي ظهرت في السبعينات وأوائل الثمانينات الماضية، وأشهرها فيلم "سيربيكو" (1974) Serpico للمخرج "سيدني لوميت"، الذي قام ببطولته آل باتشينو، ثم فيلم "الوجه ذو الندبة" من بطولة آل باتشينو أيضا.

في تلك الفترة كانت نيويورك تعج بعصابات المخدرات، وشهدت المدينة ما عُرف بـ"حرب الشوارع" بين مافيا الهيروين والكوكايين وراح ضحية هذه الحرب الكثيرين، وانغمس كثير من رجال الشرطة في تلك الحرب، ليس كطرف يسعى لإقرار القانون، بل كطرف ضالع في التستُّر على نشاطات العصابات الإجرامية مقابل الحصول على مبالغ كبيرة من المال. وهذا تحديدا هو موضوع الفيلم الجديد "سبعة .. خمسة" الذي ينقل الموضوع من مجال الفيلم الروائي إلى دائرة الوثائقي.

عنوان الفيلم

يستمد الفيلم عنوانه من فرع شرطة شرق نيويورك الشهير الذي يحمل رقم (75) ويعرف بضباطه الذين يجوبون الشوارع في ثنائيات لضبط المجرمين والخارجين على القانون. وهو يعتمد على شهادات عدد من الضباط المنحرفين، يتصدرهم بطل الفيلم أو الشخصية المحورية فيه، أي الضابط "مايكل دود" الذي نراه في المشهد الأول من الفيلم وهو يدلي بشهادته أمام اللجنة المستقلة التي شكّلها عمدة نيويورك عام 1992 لتقصِّي الحقائق حول انحرافات جهاز الشرطة في المدينة.

يعترف مايكل بكل ما يوجهِّه إليه أعضاء اللجنة من اتهامات، بل يقرّ في هدوء، بأنه ارتكب نحو 250 جريمة، وأنه كان يحصل على 4000 دولار أسبوعيا وكان يسرق الأموال من منازل من يعرف أنهم يتاجرون في المخدرات، كما كان يسرق الأسلحة والمخدرات، ثم تعرّف على "بارون بيريز" الذي كان يملك متجرا متخصصا في بيع أجهزة الاستريو التي يتم تركيبها في السيارات، ويقول "مايكل" إنه أدرك على الفور أن له صلة بكبار تجار المخدرات الذين يغرمون بوضع هذا النوع من الأجهزة في سياراتهم. وعن طريق بارون تعرّف مايك على "آدم دياز" زعيم عصابة "الكمبانيا" وكان معظم أعضاؤها مهاجرين من الدومينيكان.

ويروي مايكل في الفيلم كيف تمكن بعد جهود بذلها طيلة ستة أشهر، من ضمّ ضابط آخر كان في مثل عمره، وظروفه العائلية (تزوج في نفس الوقت وأنجب مثله إبنا) هو الضابط "كن يوريل"، وأصبح الرجلان شريكين لا ينفصلان عن بعضهما البعض، وكانا يقومان معا بالسطو على منازل تجار المخدرات، يسرقان المال السائل، والمخدرات، بل وأصبحا فيما بعد يشترون المخدرات، لكن مع توثُّق علاقتهما مع "آدم دياز" أصبحا يتوليان حماية أفراد عصابته وهم يقومون بنقل المخدرات، باستخدام سيارة الشرطة ووجود الشرطة في المنطقة، مقابل 8 آلاف دولار أسبوعيا لكل منهما.

إعلان

غير أن مايكل لم يكتف بالمتاجرة في المخدرات بل أدمن تعاطي الكوكايين، مما جعل قدرته على التركيز تتدهور، ويصبح أقل وعيا بخطورة ما يقوم به. وهو يؤكد أكثر من مرة في شهادته أمام الكاميرا، سواء في حديثه للمخرج أو أمام لجنة التحقيق، أنه كان على ثقة من عدم خيانة ضباط الشرطة له أبدا، لأن هذا هو أول أنواع الولاء التي يتعلّمها رجال الشرطة فهم الذين يساندون ويدعمون بعضهم البعض عند مواجهة الأخطار في الشارع وهم بالتالي، يتسترون على بعضهم، وقد ظل هذا هو الحال بالفعل واستمر لسنوات.

الشكل الروائي

يتخذ الفيلم شكل الفيلم الروائي، فهو يبدأ من عام 1992 ليعود في فلاش باك عشر سنوات إلى الوراء، لمتابعة كيف بدأ انحراف مايكل من خلال ما يرويه هو بصورته وصوته بعد نهاية فترة عقوبته، مع الكثير من لقطات الأرشيف التي تضم لقطات سرية من دوريات الشرطة، ولقطات وصورا فوتوغرافية لأحياء وشوارع نيويورك، زواياها وأركانها الخطرة، وإعادة تمثيل للعمليات التي كان يقوم بها مايكل وزميله.
ويسير الفيلم في خط روائي يتابع رحلة صعود وسقوط مايكل ورفاقه من رجال الشرطة بناء على أمر من عمدة المدينة بتقصِّي الانحرافات ومتابعة الخارجين عن القانون من داخل جهاز الشرطة بعد أن فقد الأمل في أن تتمكّن لجنة التحقيق الداخلية داخل الشرطة نفسها، من ضبط الضباط المنحرفين، وهو ما نعرفه من خلال شهادة بعض أعضائها المتقاعدين في الوقت الحالي.

إن نهاية مايكل تشبه نهاية "هنري هيل" بطل فيلم سكورسيزي الشهير "رفاق طيبون" (1990)، فهو ينتشي بالمال والثروة ويقع في الإدمان إلى أن يرتكب من الهفوات ما يجعله يسقط مصادفة في أيدي رجال الشرطة، ولكنه رغم ذلك، يتمكن من الخروج مع زميله يوريل بكفالة، ولا يكف عن الإجرام فيخطط مع يوريل لعملية أخرى للحصول على مبلغ كبير من المال، لكن زميله يقرر هذه المرة أن يتحول إلى شاهد ضده، فيشي بخطته للشرطة ثم يقبل القيام بدور مباشر في تسجيل ما يقوله له، فيضمن يوريل بذلك الحصول على البراءة كشاهد، بينما يقضي مايكل 12 عاما في السجن، وهي عقوبة مخففة بعد أن قبل الإدلاء بشهادته ضد عدد كبير من ضباط الشرطة المتورطين والشهادة ضد تجار المخدرات.

على العكس من هنري في فيلم "رفاق طيبون" لا يتحول مايك إلى مرشد ضد العصابات، بل يصبح زميله يوريل، هو الذي يوقع به، بتحريض من زوجته التي تظهر في الفيلم تتحدث وتروي كيف كانت تستقبل ما يقوم به زوجها. غير أن مايكل يظل عاجزا عن فهم دوافع يوريل لخيانته، مؤكدا أنه لم يكن ليفعل هذا من ناحيته قط.

شخصيات حقيقية

يظهر في الفيلم عدد كبير من الشخصيات التي ارتبطت بهذه القصة، من كبار تجار المخدرات مثل "آدم" الدومنيكي الذي قبض عليه وقضى 8 سنوات في السجن ثم تم ترحيله إلى الدومنيكان كما عرف من خلال الكلمات التي تظهر على الشاشة في نهاية الفيلم، كما تظهر زوجة يوريل، ويظهر بارون بيريز ولكن بعد إخفاء معالم وجهه بناء على طلبه، كما يتحدث عدد من ضباط الشرطة السابقين، وعضو في لجنة التحقيق في جهاز الشرطة، ويتم الانتقال بين شهاداتهم المباشرة، وبين شهادة مايكل أمام اللجنة، وإجاباته على ما يوجَّه إليه من أسئلة مباشرة.

إعلان

يسألونه عما إذا كان يعتبر نفسه وقت انغماسه في هذا النشاط الإجرامي، ضابط شرطة أم أحد تجار المخدرات؟ وهل كان ينظر إلى الوراء أحيانا وهو يمارس نشاطا إجراميا ويتطلّع إلى نفسه كضابط، يمكن أن يعود إلى صوابه؟ وهل يعتبر نفسه حاليا ضابط شرطة أم مجرم؟ وتأتي إجابته على هذه الأسئلة مدهشة في صدقها، فهو لا يراوغ ولا يريد أن يصنع من نفسه بطلا يبدي ندمه على ما جنت يداه، فقد كان مدفوعا بنوع من الجشع لم يكن يستطع رده. وكلمة (جشع) هي الكلمة التي يستخدمها ويؤكد عليها في الفيلم، والجشع لا يعرف له حدودا بالطبع!

حقق مايكل الصعود، فحصل على سيارة فخمة، واشترى منزلا كبيرا في الضواحي، وامتلك الكثير من المال، لكنه يعترف بأن هذا كله لم يكن كافيا، ولكنه مع ذلك يعترف بأنه شعر بالارتياح عند القبض عليه.. فهو لم يكن يشعر بالانسجام داخل عالم الجريمة. وأن كل شيء كان لابد أن يصل إلى هذه النهاية.
فيلم "سبعة .. خمسة" ليس فيلما عاديا، بل مليئا بالدراما التي تنبع من غرابة الشخصيات والأحداث، ومن قدرة المخرج على توثيق الحقيقة والاستعانة بالأبطال الحقيقيين للأحداث، وتحقيق إيقاع سريع متدفق يوحي بأجواء التوتر والقلق التي تصاحب هذا النشاط الإجرامي، وحالة الترقب والتوتر التي تحيط به. وليس غريبا بالتالي أن هوليوود في طريقها لتحويل الموضوع إلى فيلم روائي طويل!

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان