"مهرجان خريبكة الدولي": الاحتفاء الوثائقي

لقطة من فيلم "لم نعُد نغني"

احتضنت مدينة خريبكة المغربية، في الفترة الفاصلة بين 23 و26 ديسمبر الجاري، الدورة السابعة للمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي وذلك باستضافة بريطانيا كضيفة شرف. شهدت مدينة الفسفاط حركة ثقافية دؤوبة دعّمها الحدث السينمائي الذي ينتظره المهتمّون بهذا الجنس الإبداعي المميّز، وقد هبّ السينمائيون من مختلف أنحاء المغرب في حين حلّت مجموعة من الضيوف الأجانب لتزيد من بهجة اللقاءات وتضفي طابعا دوليّا احتفاء بالوثائقي.. خريبكة، المدينة الصامتة… أصبحت محطّة مهمّة ورمزا للوثائقي مما دعّم طابعها السينمائي الإفريقي التي عُرفت به.

حميمية اللقاءات والاحتفاء بالفيلم الوثائقي

حرصت جمعية المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخريبكة طيلة أربعة أيام من العروض المتواصلة أن تجعل الفيلم الوثائقي طبقا رئيسيا لجمهور متعطّش للصورة، كما منحت الفرصة للمحترفين والهواة لتقديم أعمالهم وإنارة ظلام القاعات.
شهدت هذه الدورة تنظيم مسابقة رسمية وأخرى موجّهة للسينمائيين الهواة، كما حرصت على عرض متتالي لمختلف المسابقتين قصد ضمان حضور الجمهور لتشجيع الهواة. وقد ضمّت لجنة تحكيم المسابقة الرئيسية كلاّ من الأمريكية "إلينا أوبنشاين" بصفتها رئيسة اللجنة، وهي ناشطة حقوقية تشغل منصب نائب رئيس التحالف الأمريكي المغربي بأمريكا، كما ضمّت اللجنة في عضويتها الدكتور عبد الرزاق الزاهير وهو أستاذ بالمعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما بالرباط، ومن المغرب أيضا المنتج جمال السويسي، ورئيس مهرجان كام السينمائي علاء الدين نصر جاد نصر من مصر، والدكتور حسام وهبة رئيس قسم البرامج التدريبية بمركز الجزيرة للتدريب والتطوير، والفنانة التشكيلية الرومانية "سيمينيوك مولين راضية".

شارك في هذا القسم تسعة أفلام وثائقية، وهي "أتنفس" من إنجلترا، و"لم نعد نغنّي" و"آيات فنية" من المغرب، و"كمال جنبلاط، الشاهد والشهادة" من لبنان، و"ترانيم الحرب" من إيران، و"كومار" من قطر، و"الطاهر الحداد، رائد الحداثة" من تونس، و"الزواج الكبير" من السعودية، و"في جيب أوسلو" من فلسطين/النرويج.
توّجت قطر بالجائزة الكبرى للمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخريبكة من خلال فيلم "كومار" لإيمان العمري، حيث صفّق الجمهور بحرارة لمخرجة رصينة تناولت بحسّ إبداعي قصة سائق هندي يعمل لدى عائلة قطرية، يجاهد من أجل إسعاد عائلته في الهند من خلال حلم بناء منزل بسيط، وقد تميّز الفيلم بطرح بسيط ولغة إبداعية سلسة جعلت منه يفوز بجائزة "الساعة الذهبية".

لقطة من فيلم "كومار"

أما جائزة لجنة التحكيم فقد عادت لفيلم الافتتاح "أنا أتنفس" للمخرجتين "إيما دافي" و"موراق ماكينون" اللتان تناولتا شخصية رجل بريطاني يشكو من مرض وراثي مقعد بعد أن كان بصحة جيدة، وبين آلة التنفس الاصطناعي ومرح طفله الصغير، يبقى "نيل بلات" متشبثا بالحياة.
من جهة أخرى تُوّج الفيلم الإيراني "ترانيم الحرب" للمخرج  حبيب باوى ساجد بجائزة أحسن تصوير، كما تُوّج المغربي حكيم قبابي بجائزة النقد عن فيلمه "آيات فنية"، في حين عادت جائزة الجمهور للفيلم الفلسطيني النرويجي "في جيب أوسلو" للمخرج تحسين محيسن، أما جائزة الإخراج فقد تمّ حجبها…
أما في مسابقة الهواة الخاصة بالمغاربة، فقد عادت الجائزة الخاصة بمجمع الفسفاط لفيلم "عائدون" لبكرين الشرقي، في حين تحصّل فيلم "تكناويت" لمحمد امغاري على جائزة مركز الجزيرة الإعلامي للتدريب والتطوير.
ما تجدر الإشارة إليه، هي حميمية اللقاءات التي ارتسمت كميزة لهذا المهرجان، حيث كان فرصة لتقارب السينمائيين وتبادل الأفكار، كما جاءت النقاشات في مستوى عال وهو ما جعل الطلبة الحاضرين يمارسون الفعل السينمائي الجادّ ويبرزون ملامح مستقبل سينمائي مشرق.

إعلان

الندوات السينمائية: مكسب جديد

بالإضافة إلى الندوة التي انتظمت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة بني ملال وبالكلية المتعددة التخصصات بخريبكة، جاءت الندوة الرئيسية للمهرجان حول "الفيلم الوثائقي العربي: الواقع والآفاق" وقد شارك فيها مجموعة من المتخصصين في المجال الوثائقي بما يجعلها محور الكتاب الذي سيصدر في الدورة القادمة.

بادرة إصدار كتاب سينمائي خلال كلّ دورة بدأت تترسّخ من خلال وعي المثقفين المغربيين بضرورة أن تكون عادة التوثيق خلال المهرجانات موازية للصورة السينمائية كي تكون أثرا ومرجعا من أجل إعلاء سقف الاستفادة للجمهور والطلبة. وخلال هذه الدورة تمّ إصدار مشاركات ندوة الدورة السابقة من خلال كتاب جماعي بعنوان "أسئلة حقوق الإنسان في الفيلم الوثائقي"، وقد عبّر الدكتورالحبيب الناصري رئيس المهرجان عن أنّ هذا الكتاب "يؤكد رغبة الجميع في الانخراط في الدفاع عن حق الإنسان في الحياة، ومحاربة كل أشكال القهر والعنصرية والظلم". وفي إطار دفع العلاقة بين الكتاب والسينما انتظم معرض الكتب السينمائية تحت شعار "لنجعل القراءة طقسا يوميا".

وخلال المهرجان تمّ تكريم الإعلامي والشاعر "محمد البوعناني" وهو من مواليد 1929 ويعتبر بمثابة الموسوعة الثقافية المغربية، وكذلك تكريم المخرج العربي توتو، والدكتور حسام وهبة، وعالمة الاجتماع عائشة بلعربي، كما تمّ تكريم مدينة مراكش.

المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخريبكة كان فرصة للتواصل مع عدد من المهتمّين بالوثائقي كجنس إبداعي يثيروقائع الواقع وينتج المعنى بخطاب جمالي خاصّ، ولعلّ ما ميّز هذه الدورة هو إصرار منظميها على الاجتهاد بالرغم من العوائق المالية والإكراهات التي أثّرت على الدفع بنسق أكبر في الإبداع. لكنّ المنظّمين مطالبون باستدراك بعض النقاط من أجل أن يكون هذا المهرجان قبلة حقيقية للسينما الوثائقية، ومن بعضها المستعجل: نقاط الاستفهام التي تعلّقت بمستوى بعض الأفلام التي تمّ اختيارها للمشاركة والتي أثارت الاستياء لدى العارفين، وبالتالي فإنّ صرامة لجنة الاختيار الأولى هي المساهم الرئيسي في إعطاء أكثر مصداقية للمهرجان.

من ناحية أخرى، اختلطت الأمور بما يثير التساؤل هل أنّ هذا المهرجان يحتفي بالوثائقي التلفزيوني أم السينمائي أم بهما معا؟
ما يهمّنا بالأساس هو أنّ تأسيس مثل هذه التجربة هو ممارسة وثائقية نحتاجها في ظلّ الإبهار الوثائقي الذي يزداد بشكل يجعل المشاهد اليوم في حاجة إلى رؤية واقعه عبر الشاشة واكتشاف عوالم أخرى يكون المخرج هو الكاشف عنها والمنتج للمعنى والتساؤل في نفس الوقت.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان