ساق بشرية في شَّوَّاية.. فانتازيا الواقع الأمريكي

![]() |
|
ملصق الفيلم
|
تتحقق عبارة "الوثائقي هو الحياة نفسها" على بساطتها كمفهوم سينمائي، في عديد من الأفلام التي تذهب لمناقشة وعرض قصص واقعية تمس جوانب ليست بالضرورة هي موضع اهتمام الناس جمعيهم مثل؛ السياسة والاقتصاد وغيرها من القضايا الكبيرة، لأن الحياة نفسها هي أكبر من ذلك وحيوات الناس وتجاربهم، على اختلاف عمقها وغرابتها، تكتسب أحياناً معاني أكبر، في السياق الأشمل لفهم أنفسها، حين يعاد صياغتها مجدداً بوسائل إبداعية تشدنا إليها وتحقق لنا متعة حقيقة، كما فعل المخرج براين كاربِري حين لاحق قصة غريبة حدثت في بلدة صغيرة شمال ولاية كارولينا الأمريكية؛ تدور حول ساق بشرية وجدها تاجر خردة داخل شَّوَّاية طعام وأراد الاحتفاظ بها لنفسه، حتى بعد ظهور صاحبها ومطالبته باعادة "ساقه" المبتورة إليه. قصة غريبة كان يمكن لها أن تمر سريعا عبر صفحات المنوعات أو بين الأخبار المثيرة في البرامج التلفزيونية "الخفيفة" لكن مجموعة عوامل منعت ذلك، عليها اشتغل المخرج "كاربرِي" ومساعده "كلّي توويل" بترو واستخرجا منها قصصاً إنسانية غاية في التشويق والأهمية ما كان لها أن تتجسد على الشاشة لولا عملية إعادة الخلق التي حققها شريط Finder Keepers وترجمته التقريبية "العاثر على اللُّقَطَة يحتفظ بها" وفق القانون السائد المجيز للشخص الذي يعثر على شيء ما الاحتفاظ به لنفسه!.
بين منزلي؛ صاحب الساق المبتورة "جون وود" وتاجر الخردة "شانون يوسنانت" ظل الشريط يراوح أغلب الوقت، لكونهما أصحاب القضية الرئيسيين ولأن اختلاف موقفيهما قد عبر ضمناً عن إشكالية القانون السائد بوصفه قانونياً متناقضاً بين قوة عملياته وضعف أخلاقياته ولكونه يعطي الملكية لغير أصحابها من دون وجه حق كامل، ولهذا يُبقي لأصحاب الشيء الضائع الحق باستعادته لاحقاً من الشخص المالك له مصادفة وبحكم تقادم الزمن. هذا على المستوى الشكلي الظاهر، أما على المستوى الدرامي الداخلي فستخرج من تلك المنازل حكايات لها أبعاد شخصية واجتماعية جيّرها صناع الوثائقي لصالح تمتين متنه السردي ليغدو أقرب إلى الروائي وبهذا المعنى فالشريط مُوزع بين مسارين متداخلين: روائي ووثاثقي. كلاهما مؤطر بالحدث الواقعي: الساق المبتورة وعائديتها القانونية والأخلاقية.
قصة الساق المبتورة، موضع الجدل، يسردها صاحبها "وود" منذ بدايتها حين تعرض وأفراد عائلته إلى حادث سقوط طائرتهم الخاصة عام 2007 ما أدى لوفاة والده وتلف ساقه. قرار الأطباء ببترها حفاظاً على حياته لم يمنعه من طلب الاحتفاظ بها كذكرى وقد استجاب له مكتب دفن الموتى، الذي أوكل له المستشفى عملية التخلص منها. قبل انتقال جون وود إلى جنوب كارولينا استأجر مخزناً ووضع كل أغراضه فيه بما فيها ساقه. وضعها داخل "شَّوَّاية"
![]() |
|
صاحب الساق جون وود
|
قديمة بعد أن جففها تحت أشعة الشمس لمدة نصف عام كما يفعل الفراعنة حين يحنطون موتاهم. لإهماله المخزن وعدم دفع إيجاره الشهري قررت والدته إعادته إلى أصحابه وبيع ما فيه من أغراض في مزاد للخردة يقام أسبوعياً بالقرب في البلدة، يمتلكه رجل يدعى شانون يوسنانت. اشترى الرجل الشَّوَّاية وعندما فتحها وجد فيها ساقاً بشرية، ورغم صدمته اتصل بالشرطة التي أوكلت له حق التصرف بها. حتى اللحظة كان بإمكان "شانون" إنهاء القصة لو أنه قرر رمي الساق في المزبلة ونسيان أمرها، لكنه ولعقد نفسية يعاني منها، سيشتغل الوثائقي لاحقاً على عرضها والبحث في جوانيات مكونات بقية شخصياته الرئيسة، قرر التاجر عرضها أمام العامة واستغلال غرابتها لتجلب له مزيداً من الأضواء وهذا ما كان يبحث عنه، كتعويض عن الإهمال وسوء المعاملة التي تعرض لها من قبل والده في طفولته. لن يقول هذا الجانب ولن يقدم بقية التشابكات النفسية والاقتصادية والاجتماعية دفعة واحدة بل سيعرضها الوثائقي الأمريكي، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان ساندانس الدولي، ضمن سياق تطور أحداثه ومواكبا مع تصعيدها الدرامي والدراماتيكي في آن. أراد شانون أن تأتيه وسائل الإعلام وكان له ما أراد بل وأكثر مما يتطلب الأمر إلى درجة سيأخذ موضوع "الإعلام" الأمريكي حيزاً كبيراً من مساحة الفيلم باعتباره مروجاً ومضخماً لحالة صغيرة تحولت بسببه إلى قضية رأي عام عبرت حدود الولايات المتحدة الأمريكية ووصلت إلى اليابان وألمانيا ودول أخرى كثيرة. لعب تاجر الخردة على الإعلام وأراده مطية لتحقيق أرباح كبيرة طالما حلم بها وأراد من خلالها إثبات ما كان يكرره دائما من أنه تاجر عبقري لم تتَح له الفرصة الحقيقية لإثبات ذلك وأنه ممثل موهوب تجاهلته هوليوود والتليفزيونات الأمريكية. إلى جانبه كانت زوجته بمثابة المعين لفهم تكوينه وسلوكه وهناك في بيت "جون وود" لعبت عائلته نفس الدور. مساعدون أوكلت إليهم مهمة تفسير وتعليل سلوكيات شخصيتين مركبتين أثرت فيها البيئة القاسية التي عاشا فيها وما إدمان "جون" على المخدرات سوى مسار حتمي مواكب لتلك البيئة وجزء من إفرازاتها الاجتماعية. أراد بمطالبته بها وقبلها الاحتفاظ بساقه التالفة، التشبث بذكرى والده واستغلها أيضاً وسيلة للتخلص من عقدة الذنب الناتجة عن حادث الطائرة، وحين عادت قضية القدم للظهور شعر بأن ثمة شخصا يريد استلاب حقه ذاك فوقف بوجه شونان بقوة، غير متناسبة مع سلوكه اللامبالي على العموم، والذي كان سبباً في نفور والدته وبقية عائلته منه.
![]() |
|
تاجر الخردة شانون يوسنانت
|
كل منهما أراد من الساق المبتورة صنع مجده وتعويض خسارته وهذا ما أدركه الإعلاميون جيداً فراحوا يعملون دون كلل لتصعيد الصراع بينهما من أجل شغل ساعات إضافية من البث التلفزيوني وملء صفحات كاملة مصورة من الصحف كما فرَغَت إذاعات محلية برامج كاملة لها! شانون حوّل الساق إلى مزار تجاري يدفع الراغب في مشاهدتها ثلاثة دولارات أما جون فقرر الحصول عما يريده من مال من خلال مشاركته المتواصلة في البرامج التلفزيونية لشراء المخدرات. صورة مصغرة يقدمها الوثائقي من خلال منزلين وعائلتين يمثلان شريحة واسعة من مجتمع أمريكي ينتج إعلاماً سطحياً ويُشبع ميلاً نحو ثراء سريع ورغبة في إشباع حاجات استهلاكية مغذاة بقوة عند الفرد. على المستوى الفردي تفرز مشكلات نفسية جدية، كلما تعمق الوثائقي وراح بعيداً في تفاصيل الحكاية، تجلت أمامنا بشكل أكبر. فوالد جون كان يعامل زوجته كموظفة في منزله وليس أماً لأولاده لنظرته الدونية للمرأة عموماً ودورها مع ما يفرزه ذلك من كراهية دفينة عند الطرف الآخر ظهرت في حالة والدة جون عندما رفضت دفن والده في المقبرة واستبدلته بحرق جثته وجمع رماده في وعاء زجاجي وضعته في خزانة البيت. علاقات ممزقة في ولايات تسودها ثقافة ذكورية وشعور طاغ بالعزلة في القرى والبلدات الأمريكية الصغيرة بحيث يكفي لحدث صغير ما أن يخضها بقوة لتصبح بفضله في لحظة موضع اهتمام خارجي هي بحاجة إليه، ولهذا ما كان الناس فيها يريدون انتهاء قصة الساق التي وصلت إلى برنامج "القاضي ماتيس" في قناة "أن بي سي" الأمريكية المشهورة وتبرع بعض المحسنين بدفع تكاليف علاج جون من الإدمان بعد أن ظهر في البرنامج التلفزيوني وتعاطف الناس مع قضيته التي حسمها القاضي لصالحه "تلفزيونيا". مثل كل القصص الحقيقية كان لا بد من نهاية لها ونهاية قصة "الساق" كانت جد بسيطة فبعد مدة وإثر هزات عائلية شديدة قرر الطرفان التخلي عن "حقوقهما" فبسببها خسرا أشياء كثيرة ولكنهما ربحا أيضاً أشياء أخرى، فعلاقة جون ما كان لها أن تتحسن مع عائلته لولا تخلصه من عقدة حادثة الطائرة بمساعدة طبية سخية استعاد بفضلها حياته التي قارب على خسارتها في لحظة ما، كما قارب شانون على فقد زوجته بسبب اندفاعه نحو أوهام الظهور والشهرة. حكاية الساق المبتورة وصلت إلى خاتمتها في سياق جد قريب لما يجري أحياناً في الحياة من أشياء غريبة سرعان ما تُنسى وغالباً تظل أسيرة جغرافيتها لولا الوثائقي المدهش الذي عرفنا عليها وقدمها لنا بعمق مصحوب بكل متع الفرجة السينمائية.



