"شارع الموسيقى": مواجهة الراهن


رغم أن لا أولوية لها غالباً، في عقول من "يخطط" لحراك في مجتمع ما، حاله كحال المجتمعات العربية، إلا أن الثورات الفنية والإعلامية المرافقة للتحولّات الكبرى السياسية والاجتماعية وفي المآلات المتأخرة التي وصلنا إليها في أوضاعنا "الملتبسة" الراهنة تحديداً تبدو بإنجازاتها؛ أكثر ما يمكن أن يُلمس، ويُدرك، كمنتج يدل، بقراءته من قبلنا، على زمنه وطبيعة هذا الزمن، كمعيار، من شأنه توضيح المسارات الأخرى، ويحدد موقعنا منها ومن "التاريخ".
من بين الحالات المعروفة للحراك العربي بعد 2011 تبرز الثورة السورية كواحدة من أوضحها على تلك العلاقة الجدلية بين الوضع الميداني ودرجة تعقيده وبين التمظهرات الفنية والإعلامية للنتاج الثقافي للمجتمع. هنا في الوضع السوري المأزوم والخطير والدموي، لم يكن هناك خيار آخر للثورة الفنية والإعلامية إلا المُضيّ قدماً لمواكبة ما يجري، تصويره، محاولة أو ادعاء التأثير فيه، تجلّى ذلك من خلال الإنتاج الوثائقي بشكل خاص، وفي كثير من الحالات وبعبارة أدق، وتبعاً للمرحلة الزمنية، المزيج المدمج، الوثائقي الإعلامي.
هكذا أيضاً كانت المهمة شاقة على الصناع الجدد "للمواد" الوثائقية خصوصاً الشباب منهم المنبثقين من الحراك الميداني الإعلامي تحديداً، في رحلة تمييز نتاجهم الوثائقي أو التسجيلي والاستقلال به عن الإعلامي والراهن. من بين تلك المحاولات، نقع على فيلم لمخرج شاب، نال جائزة سمير قصير لحرية الصحافة لعام 2014. ليس من غير دلالة هنا أن تكون الجائزة بعنوان "أفضل تحقيق سمعي بصري" كما جرى توصيفها من قبل المؤسسة المانحة. وليس من غير دلالة أيضاً أن يُختار ابن درعا والمنغمس في حراكها من البدء، موضوعاً يبدو بعيداً عن التناول المباشر للقضية السورية. إذ بالرغم من كون الأشخاص السوريين المرصودين في الفيلم هم في الحقيقة لاجئون سوريون في لبنان، إلا أن المشروع وصاحبه "عروة المقداد"، قرّر أن يأخذ خطوتين إضافيتين إلى الأمام بما لا ينفي بحكم التكوين ووعي الشخصيات بذواتهم (بمن فيهم مخرج الفيلم) شرطهم الموضوعي وإظهاره ضمن سياق أصبح، وهذه الحال ذا منظور أعرض، فكان اسم الفيلم أيضاً "شارع الموسيقى"!
تبدو الكاميرا في دقائق الفيلم الخمس والعشرين، كشخصية إضافية، مثل باقي الشخصيات، تلتقيهم، تحاورهم، وتعيش معهم، وإذ يتسلّل إلينا شعورهم، عندما يواجهون الكاميرا، بالارتباك الذي لا بد يعود في جزء كبير منه إلى ذاك التناقض بين حالتهم هذه وعلاقتهم بمشروعهم الموسيقي، وبين الحالة الجذر في أذهانهم للصراع السوري من ناحية والكيفية التي اعتاد السوري أن يتبدّى فيها إعلامياً من ناحية أخرى، إلا أن الكاميرا تنساب ما أمكنها بينهم ومعهم، فتبدو من خلال كوادرها وارتجافاتها هي أيضاً كمن يواجه التناقض عينه، كأنها مولود جديد يكتشف العالم لأول مرة.

هكذا نجد في الفرقة التي اجتمع أعضاؤها خارج وطنهم، المغنيةَ التي لم تعرف حلب إلا بعد أن خرجت منها، كما تقول، ربما بما يناظر حالهم جميعاً بعلاقتهم مع منفاهم خارج الوطن السوري الكبير. هنا المنفى الذي سبّب التقاءهم كما يقول عازف الجيتار، هوَ ما جعلهم يدركون سوريا إدراكاً جديداً، أصدق وأقرب إليهم لكن فقط بعد أن خرجوا منها، من هناك، حيث كان من المستحيل لمثل هذه المجموعة أن تلتئم وتقدم إنتاجها الفني في الشارع كما يجري "هنا" في بيروت، يضيف العازف.
هكذا إذاً يتعرف السوري على ذاته ويمتلك "سوريته" ببعدها الاجتماعي والنفسي، بشرط أن يكون منفياً. وهنا وفي هذا الشرط المفارق إنما ستجد من ضمن أعضاء الفرقة شخصاً آخر يقول عن نفسه إنه حيادي، ليس إلى جانب أي طرف من أطراف النزاع السوري، مع أنه درس سابقاً العلوم السياسية، ثم يضع عروة عبارة أخرى له بعد فاصل موسيقي يصف فيها تجربة الفرقة بأنها قائمة على المزج بين الأشكال الموسيقية، لكن هذا المزج في الفرقة والفيلم يتجاوز – كما هوَ واضح – الأشكال الموسيقية المقصودة، إذ يتعدّاه إلى المزج بين الشخصيات وتوجهّاتهم المختلفة.
هنا يُعدِّد المخرج مستويات التأويل – في زمن محدود – بما يساهم ما أمكن في شرح وتشريح العينة الاجتماعية هذه، والمتبلورة في شكل فرقة موسيقية في المهجر اللبناني، من خلال التقاط التفاصيل التي تلتقي عندها الخطوط، وإبرازها.
استراتيجية كان لا بد معها من النظر إلى عنصر الموسيقى في الفيلم بطريقة تكفل توظيفه وتطويعه، لإزاحته عن الموقع المعلن الذي يتبوأه في المستوى الأول تأويلياً للفيلم. هكذا إذاً جعل عروة للموسيقى (الموضوع) دوراً إضافياً، يخدم شعرية توجهه، في التعليق على أو تفسير ما تقوله الشخصيات وما تفعله أحياناً، تصبح – بعبارة أخرى- الموسيقى "غرضُ الفيلم" الموسيقى التصويريةَ للفيلم، فيندمج، على سبيل المثال، وفق هذه اللعبة، فعل شوي الباذنجان الذي تقوم به المغنية مع غنائها الحي المرافق للوصول إلى مشهد سينمائي غني ومتعدد الأصوات، بالنظر إلى الموسيقى الموجودة دائماً على أنها الغاية والوسيلة في آن.
إذاً يسعى عروة أن يبقى في هذه التجربة "الوليدة" على نهج يبدو متماسكاً، غرضه من خلال اللعب على هذه الجماليات والتفاصيل بتأنٍ متلمسٍ ومستكشف، هوَ بناء لغة سينمائية خاصة، وهوَ ما يهم هنا ربطاً ببداية المقال.
هكذا يصعب إذاً تأطير هذه المادة في قالب "التقرير" أو التوثيق المباشر لنشاط فرقة موسيقى الشارع المرصودة، بل أيضاً وبوجود عروة نفسه في الفيلم، وكاميرته، على الشكل الذي أشرنا إليه، إنما لا يعود الغرض هوَ إلقاء الضوء على الموسيقيين/اللاجئين فقط، إنه يتعدّاه للوصول إلى تأويلات متعددة في مستويات مختلفة بما يصب في صالح المشروع التسجيلي الفني.
هنا يخترق عروة تعاريج الشرط المعقد لإنجازه للفيلم "الخاص"، الشرط الذي لا تختصره، ولا تدل عليه فقط عبارة "أفضل تحقيق سمعي بصري"!