"فاطمة": حين تُصبح اللغة مصدرا للعُزلة


من المشاهد الأولى يأسرك هذا الوجه الطيب وتلك الخطوات الثقيلة وذاك الأداء المرتبك.
تمشي" فاطمة" بتراخٍ لا يوحي بهذه الحيوية التي تسكنها، بالطاقة التي تدفعها لمواجهة الحياة وحدها. خلال ساعة وعشرين دقيقة، مدة الفيلم، لا تنفك عن الحركة، حركة دؤوبة إنما هادئة مصحوبة بتعابير متزنّة، حتى حين الغضب.
" فاطمة" فيلم مستوحى من" صلاة إلى القمر" لمؤلفتّه فاطمة الأيوبي، مجموعة شعرية و خواطر وكتابات متفرقة ما إن عُرضت على المخرج الفرنسي " فيليب فوكون" حتى تساءل" كيف نصنع منها فيلما؟".
صنع فوكون الفيلم برسم لوحة لثلاث شخصيات نسائية من أسرة واحدة. وضَعهن، دون أحداث تُذكر، في المقدمة وتركهن يعبرن عن عالمهن الخاص بمهارة استثنائية. وعبر أسلوب شيق تناول الفيلم تيمات عدة ارتبطت فيما بينها بعلاقة سببية، قادت كل تيمة لأخرى.
" فاطمة" قدمت من الجزائر إلى فرنسا لتلتحق بزوج، طلّقها فيما بعد. تعيل هذه المرأة الأربعينية شابتين " نسرين" في الثامنة عشر و" سعاد" في الخامسة عشر. اللغة التي هي في العادة مصدر للتواصل تُشكّل هنا حاجزا أمامه، إنها مصدر للعزلة والانغلاق على الذات إزاء المحيط المريب" العائلة" و البعيد " العمل والشارع". " فاطمة" لاتفهم لغة دراسة الابنتين نسرين وسعاد، كما أنها لا تفقه كل ما يقال لها من الآخرين، رؤوسائها في العمل على وجه الخصوص، إن تجاوز الكلمات القليلة التي تعرفها بالفرنسية.
إنها لا تتمكن سوى من العربية. وبسبب هذا " الجهل"، تنغلق على نفسها. تخطّ خواطرها بلغتها الأم لتعبر عن أحاسيسها وأفكارها، تسرد يومياتها حين تشعر بالحاجة للجوء لأحد ما وحين يؤلمها سوء الفهم، وتعكس كتاباتها اضطرابها أمام مشاكسات ابنتها الصغيرة واتهاماتها وأمام نظرة المجتمع.
تلجأ " فاطمة" بسبب جهلها للغة، إلى تنظيف البيوت والمؤسسات. مهن متواضعة، لاسيما بنظر ابنتها سعاد. تتعرض بسبب عملها، لعنف لفظي "مباشر" من قبل تلك الابنة التي تعيّرها وتقول لها بأنها تفضل "السرقة على لملمة قذارات الآخرين"، وعنف آخر"غير صريح" من قبل الفرنسيين، كأن يتهرب هؤلاء من تأجير شقة لامرأة محجبة وفتيات ذوات سحنة مغاربية، أو يفترضون فيها عدم الأمانة كصاحبة المنزل الذي تعمل فيه " فاطمة".

يربط المونتاج بسلاسة متناهية بين حوارين أو سلوكين، ويتّبع تسلسلا مباشرا في تطورات حوار ما أو حدث، كهذا المشهد بين "سعاد" ووالدها في سيارة الأخير والذي جاء تاليا لخلاف أهانت فيها أمها ووصفتها فيه بأنها "كخرقة". تقول له الشابة باكية أنها ناقمة على أمها كونها تتحمل سلوك الآخرين. قبول أمها للإهانة في نظرها كان مبررا لأن تقوم هي بإهانتها.
بيد أن "فاطمة" شخصية استثنائية، ليس في تضحياتها الكثيرة لابنتيها وإصرارها على تعليمهما فحسب، بل في مثابرتها وصبرها وحكمتها ومحاولاتها للتغلب على جهلها. إنها تقرر التعلُّم على الرغم من ضيق الوقت ومن كونها تتنقل بين عدة أماكن في اليوم الواحد. وهي تؤدِّي عملها بإخلاص وتفان و تهتم بابنتيها اللتين هما "كل حياتها" وتبيع ذهبها في سبيل تعليم ابنتها "نسرين" ودخولها كلية الطبّ. وعلى الرغم من طيبتها وحنانها البالغ فهي لا تتخلّى عن حزمها فلا تترك ابنتها "سعاد" تخرج بثياب مكشوفة وقصيرة.
"فاطمة" تعيش في الضواحي، حيث المحيط "ذوي الأصول المغاربية" يفرض أعرافه ويدقق في كل سلوك، وهي لا تغفل نظرته القاسية. يرسم السيناريو هنا بإحكام هذه الأجواء التي يفرضها السكان على بعضهم البعض، ليكونوا هم أول ضحاياها. الغيرة والنظر بحذر بل وريبة لفتيات يحاولن الخروج من الوسط الخانق والأفق المسدود.
لا ذروة في الفيلم إلا إذا اعتمدنا إصابة فاطمة بعد سقوطها من على السلم وتأثير ذلك عليها. تأثير نفسي وكأن السقوط جاء حتميا بعد إعلان "سقوطها" بنظر ابنتها الصغيرة التي أهانتها في المشهد السابق. لا أحداث بل يوميات أسرة تتبلور من خلالها كل الخصائص التي تتعلّق بحياة الشخصيات وواقعها.
كان يمكن للفيلم أن يكون وثائقيا عن الاندماج، ولا سيما أن المخرج سبق وأخرج فيلما عنوانه "اللا اندماج"، أو عن اللغة أو العنصرية أو العنف، لكن المخرج فضّل في فيلمه السادس هذا، استخدام الأسلوب الروائي الواقعي إنما ليس "الواقعي الفجّ" الذي يعيد خلق الواقع كما هو، بل حاول الوصول إلى تعبير متفرِّد لما يلائم شخصياته.

لقد استخدم المخرج اللقطات المقربّة لرصد تعابير الشخصيات، بحيث كانت تحتلّ كل الشاشة غير معنية تماما بما يحيط بها. وعلى الرغم من تكرار المشاهد في غرفة نوم الأم، لم تظهر هذه الغرفة كاملة ولو لمرة، وكل ما كان يبدو منها هو الحيِّز الذي كانت تشغله "فاطمة"، فكانت الكاميرا ثابتة عليها وعلى حركة يدها حين كانت تكتب خواطرها بالعربية. لقد لمست "ثريا زروال" التي قامت بدور فاطمة، المشاعر حقا بتعابيرها وأسلوبها في الكلام وهذا على الرغم مما ذكرنا أعلاه من ارتباكها أحيانا، الذي قد تمكن إعادته لشخصيتها المرهفة شديدة الحساسية.
إنه فيلم متفائل مثير للمشاعر بيد أنه ليس فيلما عاطفيا، بل لوحة مؤثرة لامرأة مكافحة ذكية وشابتين. فيلم قد يبدو بسيطا ولكنه بغنى شخصياته أبعد ما يكون عن البساطة، وهو وإن تكلم عن مواضيع أساسية، قد تبدو ملتزمة، إلا أنه تجنب تماما الوقوع في فخ الالتزام.
شارك الفيلم في أسبوعي المخرجين في مهرجان " كان" 2015، و نال واحدة من أرفع الجوائز السينمائية الفرنسية وهي جائزة "لويس ديلوك"، كما عُرض في " ليال عربية" في مهرجان دبي ويعرض حاليا في دور العرض الفرنسية.
