"أهلا بكم في الجامع !"


يبدو المخرج البريطاني الشاب "روب ليتش" وكأنه عَلِقَ في قضايا الإسلام والمسلمين البريطانين الشائكة. ففيلمه التسجيلي الأخير "أهلاً بكم في الجامع"، هو الثالث له الذي يقارب هذه القضايا. دائماً من مدخل الرغبة في الاكتشاف ومساءلة النظرات المسبقة والسعي لتبديد الصور النمطية المشحونة العامة التي أصبحت مرتبطة بالإسلام والمسلمين في بريطانيا.
في الفيلم الجديد والذي عرضته هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) أخيراً، يدخل المخرج إلى الجامع الأكبر في بريطانيا المثير للجدل، الذي يقع في شرق العاصمة لندن، ويُعَّد بالنسبة للكثيرين أحد عثرات اندماج المسلمين في المجتمع البريطاني. بل إن هذا الجامع تَصَدَرَ أزمة الملتحقين بتنظيم داعش من الشباب المُسلم في بريطانيا في العامين الأخيرين، فيقال أنه تم بين جدرانه إغواء وتجنيد الصديقات المراهقات البريطانيات الثلاث، اللاتي سافرن بمفردهن إلى سوريا للاتحاق بـ" داعش"، مُخلّفات جزعاً كبيراً عند أهلن وصدمة في المجتمع والإعلام البريطانيين.
"ليتش" ليس غريباً على جامع شرق لندن، فهو مَرَّ من أمامه مراراً، وصوّر من خارجه، عندما كان يحضر لفيلميه السابقين: "أخي الإسلامي" و"أخي الإرهابي". لم توافق إدارة الجامع وقتها على طلب المخرج بالتصوير داخل الجامع. ربما لأنها خشيت أن يرتبط اسم الجامع بموضوعيّ الفيلمين الحساسين. ذلك أن المخرج كان يُحقّق في أصول التفسيرات المتطرّفة للنصوص الدينية في الإسلام، كجزء من رحلته التسجيلية وقتها لفهم تشدّد أخيه الذي اعتنق الدين الإسلامي.
في فيلم "أخي الإسلامي"، سنتعرّف على أفكار ذلك الأخ – غير اسمه من ريتشارد إلى صلاح الدين- وننفذ قليلاً إلى عالم المجموعات المتطرّفة في لندن. في حين سيغيب "صلاح الدين" عن الفيلم اللاحق للمخرج (أخي الإرهابي). بسبب سجنه، وبعد أن حُكم عليه بتهمة التحضير لأعمال إرهابية. في الفيلم الثاني، يُحقّق المخرج بقنوط في الطريق والظروف التي قادت أخاه في غضون سنوات قليلة فقط، إلى الإنزواء والتطرّف، وإلى حدّ الانسلاخ الكامل عن مجتمعه والرغبة في تدميره.
يحتفظ جامع شرق لندن بمكانة في بريطانيا وأوروبا تقترب من الأيقونية. بسبب تاريخه وحجمه، فعدد المصلّين فيه يقترب من المليونين في كل عام، وله العديد من المؤسسات الخدمية المُلحقة ببنايته الضخمة، كالمدارس، وروضة للأطفال، ومركز رجال الأعمال، ونادي رياضي، ومؤسسة للدفن، وبيت للمسنين، ومكتب لجمع الباحثين عن الشريك المسلم الآخر، ومركز للنساء. والأخير يحيطه الجدل بسبب القيود التي تُفرَض على الدخول إليه. ورغم مساعي المخرج للتصوير في ذلك القسم، الا أنه سيصل إلى الباب فقط، في جولة قادتها إحدى المسؤولات عنه. وبسبب ضخامة الجامع وتاريخه الطويل في المنطقة (أُسسّ في عام 1982)، تتركّز الأنظار عليه منذ سنوات من جانب الإعلام البريطاني، ويكون أحياناً هدفاً لهجمات صحافة الإثارة.

لا ريب أن قرار الجامع بفتح أبوابه للفيلم، في سابقة له، ينضوي تحت سلسلة المراجعات الذاتية لإدارته، والرغبة في الانفتاح على الآخر ومُقارعة الصور النمطية السيئة عنه. هذا سيتحقق وبمقدار كبير من النجاح. فالفيلم التسجيلي يبرز نماذج إنسانية دافئة ومؤثرّة من داخل الجامع. بعيدة كثيراً عن الصور الترويجية المعلبة والمُجملة. يبرز هنا على وجه التحديد، المتحدث الإعلامي للجامع، الشاب المثقف الحساس، الذي كان يذرف الدموع على الهاتف، عندما كان يتكلم مع شقيقة إحدى الملتحقات بـ "داعش". والزوجان اللذان يديران مكتباً لترتيب زيجات بين مسلمين ومسلمات. واللذان ارتبطا هما أيضا عبر زواج رتبته عائلتاهما، تطور إلى علاقة حب طويلة. تبدو اليوم مختلفة عن الصور الشائعة للعلاقة بين الرجل المتسلِّط وزوجته في المجتمعات الإسلامية.
يتعثّر الفيلم بقضية انضمام شباب وشابات بريطانيين مسلمين إلى داعش. إذ صادف تصوير الفيلم هروب ثلاث مراهقات إلى سوريا، والذي صاحبه اهتمام إعلامي بريطاني ضخم. يسافر الفيلم إلى تركيا مرافقاً أفراداً من عوائل الفتيات في جهودهم لاسترجاع بناتهم. كما يحقق قليلاً بعلاقة الفتيات بالمؤسسة الدينية. لكنه لن يدخل في التفاسير الدينية المعقدة وعلاقتها بنسخة الإسلام التي يسير عليها الجامع أوتشابه الأخيرة بتلك التي يُطبقّها "داعش". وإن كان بعض الذين تحدثوا في الفيلم اقترحوا أن المسافة أصبحت شاسعة بين بعض المسلمين ومجتمعهم البريطاني، إلى الحدّ الذي تبدو الحياة التي يَعِد بها "داعش" مغرية للبعض منهم. يُحلّل الفيلم حال المجتمع البريطاني المسلم، على وقع ما يحدث في الشرق الأوسط. ويعود عبر مقابلات مع مهاجرين مسلمين إلى الستينات من القرن الماضي، مارّاً على محطات عنيفة، عندما كانوا أهدافاً لسعار عنصري، تحول في الأعوام الأخيرة، وعلى حسب أغلبهم، من معاداة المهاجرين الآتين من شرق آسيا، إلى نوع من الإسلاموفوبيا.
يتنقل المخرج بين مؤسسّات الجامع، ويحضر بعض نشاطاته، كالإجتماع الدوري للمسؤولين عنه، حيث سيبدي المخرج في ذلك الاجتماع استغرابه الذي يقترب من النقد لوضع ستارة بين الرجال والسيدة الوحيدة الحاضرة. هذا يقف على النقيض من مباديء المخرج الإنجليزي كما يصف. لكن الفيلم لا يأخذ مسافة متعالية من بعض النماذج والظواهر الصادمة، بل يحاول أن يقاربها ويحلّلها ضمن سياقاتها الفكرية والبيئية، فيقدم في هذا الخصوص، حوارات طويلة مع صِبْيَة من المدرسة الإسلامية المُلحقة بالجامع، والذين سيكشفون عن وعي متقدم كثيراً تجاه ما يحصل في الشرق الأوسط اليوم. بل إن كلامهم الفصيح الواضح الشاجب لما تقترفه "داعش" يكاد يكون الأكثر قوة في الفيلم. وتذكير للمشاهد البريطاني بالتحديد، أن ليس كل من يلبس الثوب الرجالي الطويل، وكما يفعل أولئك الصِبْيَة ، يحمل بالضرورة أفكاراً متطرفة، أو مشاريع لمسلمين معادين بالفطرة لمحيطهم الأوروبي.
يُواصل المخرج في الفيلم الجديد الأسلوب ذاته الذي طبع أفلامه السابقة. والذي يتلخّص بتسجيله لانطباعاته الشخصية على ما يحدث من حوله. ورغم أن المخرج يعترف بعلاقته المُعقدة مع الإسلام، إلا أن هذا التعقيد لا يعرقل ما يقوم به كما لا تقف المأساة العائلية بفقدان الأخ أمام محاولاته الصادقة لمجابهة الصور النمطية السلبية عن الإسلام. يتفاعل المخرج مع الشخصيات والحالات التي يقابلها، ويخاطب الكاميرا متوجها إلى الجمهور خلفها ليكشف عما يدور في خلده. يهدف هذا النوع من الأفلام أن يُشرك مشاهديه بالقضايا والرحلات التي تقطعها، عبر التماهي مع شخصية المخرج، والذي ينقل مخاوف وتساؤلات رجل الشارع العادي. فالفيلم التسجيلي "أهلاً بكم في الجامع" ابتعد بشكل عام عن التفسيرات الفقهية أو الفكرية المعقدة، وركّز على تاريخ وواقع المسلمين البريطانيين، رغم أنه ليس من الممكن أبداً فصلهم عن تاريخ الإسلام وما يحدث اليوم في نواحٍ مختلفة من العالم.
