"خمسون ظلّا للرمادي": جوع عالمي للعنف الجنسي !

صادفت زيارتي القصيرة لمدريد ومن ثمّ نيويورك في نهاية شباط وبداية آذار من هذا العام, وبعيداً عن التباين الهائل في درجات الحرارة ما بين المدينتين وبيروت حيث كنت أعيش، مع إطلاق حملة إعلانية كبيرة لفيلم "خمسون ظلاً للرمادي – Fifty Shades of Grey".

حملة سيطرت على الإعلانات الطرقية, على أغلفة المجلات, في حافلات النقل وحتى داخل مترو الأنفاق, وكأنّك تعيش في مدينة واحدة اكتسحها التسويق الإعلاني للفيلم. المثير للاهتمام لم يكن الحملة الإعلانية وحدها, التي تمّت إدارتها باحترافية من قبل "يونيفرسل ستوديوز" الشركة الهوليودية الضخمة المُنتجِة للفيلم, فأتت واحدة من أنجح وأضخم الحملات على المستوى العالمي, بل المُنطلق الذي استندت إليه صناعة الفيلم, وهو رواية الكاتبة البريطانية "ي. إل. جيمس" التي حطمت أرقام المبيعات بأكثر من مئة مليون نسخة مُباعة حول العالم حين صدورها بذات الاسم عام 2012.

أصل الحكاية

يعود أصل الحكاية إلى العام (1870) حين نشر الكاتب النمساوي" ليوبولد فون زاخر مازوخ 1836-1895″ مجموعته القصصيّة "وصيّة كاين" ومن ضمّنها قصة بعنوان "فينوس في الفرو" خلّدت اسم مؤلّفها الذي نُحِتَ منه مصطلح "المازوخية". لاحقاً اشتغل الكاتب الأمريكي "David Ives" عام 2010 نصّاً مسرحياً بالاسم ذاته "فينوس في الفرو" قدّمه بعد ثلاث أعوام المخرج البولندي- الفرنسي "رومان بولانسكي" كشريطٍ سينمائي نال خمس ترشيحات لجوائز "سيزار" الفرنسية.

هناك, في قصة "مازوخ" القصيرة يكمن الأصل الذي يميّز هذه الأعمال المتنوّعة ويجمع بينها رغم المسافات الزمنيّة المتباعدة, فـ"مازوخ" كان أوّل من اقترح فكرة "العقد" بين طرفي العلاقة الجنسيّة التي تربط بين مفهومي الألم واللذة "مازوخية / سادية" بحيث يكون أحدهما "خاضعاً" والآخر "مُسيطراً". الفكرة البسيطة الأوليّة التي نسجت "جيمس" على منوالها مؤلّف "خمسون ظلاً للرمادي" من ثلاث أجزاء.

إعلان

المُثير للاستغراب بشكل حاد, هو أنّ "جيمس" تأتي بعد قرابة مئة وخمسون عاماً لتطلب من امرأة غربية نالت بعضاً من حقوقها بعد نضال استمرّ قرابة مائتي عام ولم يزل، التخلي عن "إرادتها الحرّة"- كما يرد على لسان بطلة الفيلم "أنستازيا ستيل"- وتكون "عبدة جنسية" يتم التحكم حتى بما تأكل وتشرب, جسدها والعناية به ليس ملكاً لها حتى خارج الحدود المكانية والزمانية لتلك العلاقة.

هل تعبت النساء أم استسلمن؟!

توسّل بطل قصة "مازوخ" المنشورة عام (1870) لمعشوقته أن تقبله "خاضعاً", وبعده بتسع سنوات سوف ينشر الكاتب النرويجي "هنريك ابسن 1828-1906" رائعته "بيت الدمية" التي قيل عنها: (حين صفعت نورا باب المنزل خلفها, هزّت أوروبا). "نورا" المرأة التي رفضت سيطرة زوجها ومعاملته لها كأنها دمية خلال تفاصيل حياتهما اليومية, ليس لأنّه رجل سيء, ولا لكونها امرأة ضعيفة, بل لأنّ كلاّ منهما تربى وفق قيم مجتمعيّة وأعراف وتقاليد حدّدت "المرأة" بتلك الصورة النمطيّة السلبية, والرجل بتلك البطركية.

غادرت "نورا" منزلها عام (1879) في النرويج, ولم تزل نساء كثيرات من حول العالم تناضل لا لنيل حقوقهنّ فقط, بل لكسر الصورة النمطية المُجتمعيّة, إلاّ أنّ الواقع والأرقام تأتي لتثير قلقاً كبيراً بهذا الشأن. فهل من قبيل المصادفة قلب "جيمس" للأدوار التي صاغها "مازوخ" لتعيد الرجل مُسيطراً والمرأة خاضعاً؟ وفي الوقت ذاته تمثل النساء غالبيّة قرّاء الرواية وفق دراسات المبيعات؟ هل هي صدفة أن يتهافت العالم على قراءة رواية ومشاهدة فيلم فكرته هي استباحة آخر وتعريته في الوقت الذي يتم فيه ضربه بالسياط أو تقييده في الأغلال المختلفة الأشكال وسواها من وسائل التسبّب بالألم, حتى أنّ أكثر من 200 ألف تذكرة لعرض الفيلم بيعت في فرنسا على الإنترنت قبل عرض الفيلم في القاعات! وعاد الفيلم الذي بلغت ميزانية إنتاجه (40) مليون دولار بأكثر من (560) مليون دولار في شباك التذاكر!

العنف الجنسي: جوع عالمي للمزيد منه

لم يُثر خبر اختطاف جماعة "بوكو حرام" الجهاديّة التكفيريّة في نيجيريا لأكثر من 200 تلميذة أعمارهنّ بين 12 و17 عاماً في 14 نيسان 2014 الكثير من الجدل الجماهيري, حتى أنّ التقرير الذي أصدرته الأمم المتحدة في الذكرى السنوية الأولى على الاختطاف في نيسان 2015 بشأن استخدام الجماعات الجهادية المُتطرّفة للعنف الجنسي لم يحظ بجزء يسير من المتابعة الجماهيرية الواسعة عالمياً التي حظيت بها رواية "جيمس" أو الفيلم الذي حمل توقيع "سام تايلور جونسون" إخراجاً.

لنعيد ترتيب شريط ذاكرتنا دراماتورجيا: ثلاث إنتاجات ضخمة أدبياً, مسرحياً وسينمائياً خلال السنوات الخمسة عشر المنصرمة، استعادت نص "مازوخ" وفكرة العنف الجنسي, فتفوّقت رواية "جيمس" وفيلم "خمسون ظلاً للرمادي" بمبيعات حطمت الأرقام القياسية حتى على عمل "بولانسكي" الفني ، الرواية التي تلعب بسطحيّة فجّة على مجموعة تفاصيل, أوّلها عذرية البطلة التي بلغت الواحدة والعشرين من العمر ولم تكتشف جسدها أو جسد الآخر بعد, وهي الفتاة ذات المنشأ والتربية الغربية. ثانيها الصورة النمطيّة للذكر المتفوّق: شاب, رياضي, وسيم, وملياردير، يدير ويتحكم بإمبراطورية أعمال كما يتم تقديمه. هي فتاة من بيئة متواضعة مالياً, عاملة, ساذجة وبسيطة, وهو متعالي, كتوم, صارم, أريد تقديمه على كونه متفوقاً لكونه ذكراً.

إعلان

"جيمس" هي الوحيدة ممّن اشتغل على روحيّة نص "مازوخ" وقزّمتها إلى محدوديّة العلاقة الجنسية / المادية المحضة, فما الذي يقدمه "خمسون ظلاً للرمادي" ولا تقدمه "داعش" أو "بوكو حرام" أو سواها من الجماعات التي تستعبد النساء جنسياً سوى "عقد" يسمح للخاضع بحفظ حياته عبر النطق بكلمة "أحمر", هو حقّه الوحيد كخاضع حال شعوره بأنّ الألم قد بلغ مستواً خطيراً, الأمر الذي يحيل بالنص أوّلاً, والفيلم ثانياً ليكون أسوأ فكريّاً من القاعدة الفكريّة التي تستند إليها هذه الجماعات, إذ هو يسوّق عالمياً لأن يتخلى الإنسان- المرأة بالتحديد – عن "إرادته الحرّة" طواعيّة مقابل متعة جسديّة مُفترضة قوامها حقيقة هذا التخلي عن الذات.

في الواقع, يصرخ بطل الفيلم "كريستيان غراي" بصديقته في أحد مشاهد الفيلم "أنتِ ملكي"! تماماً كما تفعل الجماعات المتطرفة التي تستثير بممارساتها حفظية شريحة ضئيلة عالميّاً من الحقوقيين ونشطاء حقوق الإنسان والمرأة, لكن يبدو لنا من أرقام نجاح "خمسون ظلاً للرمادي" بشكل خاص, وتعدد الإنتاجات المُشابهة مثل فيلم "Bound" وسواه من منُتجات إعلانية وفنية وثقافية, كم أننا نعيش في عالم ينحدر بنا إلى ظلام بشع, يسوّق لامتهان الكرامة الإنسانيّة, يحتفي بالعبودية الجنسيّة والعنف, ثمّ نتساءل لماذا تستقطب "داعش" الشباب من مختلف البيئات حول العالم؟ عوضاً عن أن نتساءل: أين أخطأنا في مسيرتنا نحو الكرامة الإنسانيّة التي تُعلي الإنسان بوصفه مالكاً لـ"إرادة حرّة"؟ أين أضعنا الطريق وأين أضعنا أنفسنا؟!

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان