اختتام "قرطاج": الطابع السياسي والبؤس الثقافي


اختتمت الدورة 26 لأيام قرطاج السينمائية بالمسرح البلدي لتونس العاصمة، في ظلّ ظروف استثنائية يعيشها البلد بعد التفجير الأخير الذي ضرب حافلة الأمن الرئاسي على بعد أمتار من شارع محمد الخامس. اختتام "مهرجان قرطاج السينمائي" استفادت منه السياسة المحلية أولا، وحازت فيه المغرب والجزائر على أبرز الجوائز. هذه الدورة التي جاءت استثنائية بالمفهوم السلبي، حملت في ظاهرها تنظيما سينمائيا تحت شعار التحاور والحلم والتقدم، غير أنّ هذه الشعارات الرنانة لم تفسح المجال لا للحوار ولا للتقدم ليبقى الحلم مشروعا بإعادة الاعتبار المستقبلي لهذا "المهرجان". أيام قرطاج السينمائية شهدت خريفا أفقدها أوراقها وسط صمت مطبق من قبل المثقفين ومجاملات الحفاظ على المصالح وذريعة حظر التجوال.
جوائز المهرجان وحسابات بالجملة
قدّم حفل الاختتام الإعلامي المصري "باسم يوسف" في ظلّ تغييب الكفاءات المحلية للتنشيط أو ربما بنيّة التجديد وردّ الجميل. وبحضور عدّة مسؤولين، منهم وزيرة الثقافة التونسية، تمّ تكريم السينمائي التونسي النوري بوزيد، وقد جاءت النتائج كالآتي:
• مسابقة الأفلام الروائية الطويلة:
– التانيت الذهبي: فيلم جوق العميان للمخرج محمد مفتكر (المغرب).
– التانيت الفضي: فيلم نهر بلا نهاية للمخرج أوليفيي هرمانيس (جنوب إفريقيا).
– التانيت البرنزي: فيلم على حلة عيني للمخرجة ليلى بوزيد (تونس).
– جائزة لجنة التحكيم: فيلم الزين اللي فيك للمخرج نبيل عيوش (المغرب).
– جائزة أفضل سيناريو: فيلم رسالة إلى الملك للمخرج هشام زمان (العراق).
– جائزة أحسن ممثلة لميمونة نداي عن فيلم قلب الإعصار (بوركينا فاسو).
– جائزة أفضل ممثل تحصّل عليها عدلان دجيمي عن دوره في فيلم مدام كوراج (الجزائر).
• مسابقة الأفلام القصيرة:
– التانيت الذهبي: فيلم "شتات" لعلاء الدين أبو طالب (تونس).
– التانيت الفضي: فيلم "أمنا الأرض" لعليو صو (السينغال).
– التانيت البرنزي: فيلم "الموجة" لعمر بلقاسمي (الجزائر).
• مسابقة الأفلام الوثائقية:
– التانيت الذهبي: فيلم "في راسي رون بوان" للمخرج حسان فرحاني (الجزائر).
– التانيت الفضي: فيلم "الوطن" للمخرج عباس فاضل (العراق).
– التانيت البرنزي: فيلم "ملكات سوريا" لياسمين فضة (سوريا).
ما تجدر الإشارة إليه من خلال كواليس هذه الأيام، هو كثرة الحسابات التي أفقدت هذا المهرجان الكثير من مصداقيته، من خلال استقدام أسماء طغت على أغلبها صفة الصداقة والمصالح الضيقة.
وقد أجمع العديد من النقاد العرب مع بداية هذه الأيام أنّ الفيلم الفائز سيكون من نصيب جوق العميان، كما كان من المؤكد أن يتحصل نبيل عيوش على جائزة، فحصد في آخر المطاف جائزتين. لقد كان من الأجدى في ظلّ هذه الحسابات أن يتمّ تكريم السينما المغربية بسينمائييها الملتزمين ونقادها الممارسين للفعل الثقافي الجادّ، غير أنّ مدير المهرجان إبراهيم اللطيف اختار أن يردّ الاعتبار لمدير المركز السينمائي المغربي نور الدين الصايل الذي تمت تنحيته، والذي كان على الأرجح المحددّ الرئيسي لقائمة الضيوف المغربية التي سافرت إلى تونس.
ردّ الاعتبار كان بتعيينه رئيسا للجنة تحكيم الأفلام الطويلة التي يشارك فيها فيلمان مغربيان، أحدها ممنوع (الزين اللي فيك) في المغرب باعتبار أنّ مخرجه أراد أن يثير ضجّة بتصويره لمشاهد لا علاقة لها بالسينما بل بتجريب حرّ تناول فيه قضايا الدعارة، وهذا المنع أراد استثماره مدير المهرجان لخلق التميّز وعرض فيلم يظهر صورة تونس المتحرّرة، غير أنّ الجمهور التونسي أصيب بنكسة سينمائية بعد توافد بالآلاف ليجد فيلما عنيفا لا يمتّ للسينما بصلة بل مدركا أنّ هذه الصور قد تجاوزها الزمن في تونس منذ التسعينيات.
خيبة الأمل في تونس تواصلت بمرور صامت لأغلب الأفلام التونسية ما عدى فيلم الشابة ليلى بوزيد (ابنة المخرج النوري بوزيد) والتي اقتحمت المجال السينمائي من بابه الواسع بحصولها على التانيت البرونزي و أربعة جوائز أخرى. فيما تألقت السينما الجزائرية بفضل السياسة المثمرة لوكالة الإشعاع الثقافي واجتهاد السينمائيين هناك.
في المقابل جاءت الأفلام الإفريقية والعربية مقلّة منذ الاختيار الأوّل، وبالتالي فإنّ حضورها جاء بصيغة أقرب إلى الديكور.
من البؤس الثقافي إلى تسييس الثقافة

لم يستقم الوضع السينمائي والثقافي ولن يستقيم مادامت العشوائية مهيمنة على القطاع الثقافي في تونس، وسيطرة مجموعة بذاتها على كل دواليبها بشكل انتهازي. ولم تكن معايير تعيين مدير أيام قرطاج واضحة للعيان منذ البداية، ومما زاد الطين بلّة هو حفاظه على نفس أسماء المتعاونين السابقين مع الإدارة المتخلّية.
وعوض توظيف ميزانية ضخمة مخصّصة لهذا المهرجان من أجل إبراز صورة تونس والترحيب بالكفاءات العربية والإفريقية، يتحفنا القائمون عليه بإقصاء مجموعة هامّة من الكفاءات المحلية من مثقفين وجامعيين وسينمائيين كانوا مستعدّين للتعاون، وينتفي الإبداع بتقديم الومضة الرسمية للمهرجان والتي جاءت بصناعة تقنية وفكرية "هاوية" لتبرز خراب القاعات السينمائية في تونس عوض إبراز صورة تونس الجميلة.
أشكال البؤس الإبداعي في هذه الدورة لم تقف عند هذا الحدّ، بل شملت ندوة المهرجان التي حاضر فيها المحاضرون لأنفسهم في حين كان من الأجدى أن توجّه للطلبة الباحثين في السينما الذين منعوا أصلا من الدخول إلى الفندق التي تقام فيه الندوات… في حين واجه الإعلاميون غيابا تامّا للمعلومة.
تغليب المصلحة الذاتية والحزبية على مصالح الوطن شملت الثقافة، ففي حين تفتقر السينما في تونس إلى منهجية واضحة بسب سيطرة "الكبار" على مصادر الدعم الوزاري وغياب المحاسبة الدقيقة وتغليب محاولات لمّ الشمل، يتحفنا مهرجان قرطاج برعايته لـ "شبكة المنتجين" التي غابت فيه عناوين الضيوف والتي بقيت مخفيّة وكأنها حكر على المنظمين وقد جاءت النتائج النهائية للتمويل "عائلية" بحتة باعتبار أنّ كل الطرق تؤدّي إلى روما.
من جهة أخرى تعتبر الثقافة هذه الأيام خطّا تحريريا لدى وزارة الثقافة من أجل القضاء على الإرهاب، وهو ما تم استثماره كشعار، وقد جاءت العملية الإرهابية، خلال الأيام التي يقام فيها المهرجان، خادمة للمسؤولين عن أيام قرطاج السينمائية لتغطية هفواتهم واستثمار ذلك الحدث وإصدار بيان مساندة من قبل الضيوف السينمائيين الذين وقّعوا بصدق. الاستثمار الحزبي للقائمين على أيام قرطاج السينمائية، دفع بشكل أو بآخر لدعوة ضيوف المهرجان من تونسيين وأجانب إلى القصر الرئاسي لتلبية دعوة شرب شاي في الظاهر، لكنها تحمل في طياتها آثار تجارة سينمائية رخيصة.
كيف يستقر الفعل الثقافي بين مخالب السلطة؟ كيف لأيام قرطاج السينمائية أن يتم توظيفها بشكل سياسي انتهازي فظيع بشكل يجعلها ترزح تحت سلطة سياسية تعتمدها كواجهة. ضيوف المهرجان التجاري من تونسيين أجانب كان من المفترض أن يكونوا في ضيافة الثقافة وليس في ضيافة السلطة وسماسرة الثقافة.
إنّ الثقافة والسلطة هي علاقة لا يمكن أن تسير في خط متوازي فالثقافة الحقيقية هي ثقافة المواقف الصادقة وليست ثقافة التسييح، ودعوات الصداقات من المفترض أن تكون مرفوضة، لأن أيام قرطاج السينمائية ليست وكالة أسفار لأشخاص لهم عضوية سنوية دائمة (مثل العديد من المهرجانات السينمائية العربية أيضا) بل هي إتاحة الفرصة لأكثر عدد ممكن من السينمائيين والنقاد لمواكبة فاعلة وممارسة جادة للفعل الثقافي الذي عمل عليه الراحل الطاهر شريعة.
أشباه المسؤولين في هذا المهرجان وظفّوا الحضور توظيفا حزبيا مستغلين الأوضاع الأمنية في تونس وهو ما يقابل مصطلح التجارة السينمائية التي ستنتزع وستجعل المثقف الحقيقي ينتصر للممارسة الجادة ويهزم هذه الميزانية التي يمكن أن تدعم 10 أفلام وطنية أو أن تقيم 10 تظاهرات سينمائية داخل تونس عوض الاتكال على مذهب اللامركزية من طرف هذا المهرجان.
إنّ الشرط التاريخي لاستقامة الممارسة الثقافية الجادة في تونس هو التخلي عن أساليب الماضي وتحيين الفكر الوطني وتفعيل الإحساس الصادق بالوطن وإفراز حُرقة عشق حقيقي للسينما من خلال التخطيط الجدّي وتعيين الكفاءات الحقيقية. في ظلّ هذا التخبّط الذي تعيشه تونس، يبقى جمهور أيام قرطاج السينمائية حاضرا بطبعه ككل دورة، غير أنّ التفكير الجدّي في تصحيح المسار الثقافي يشترط إرساء مشروع فكري وجمالي مقاوم للانتهازية والثقافة التجارية المتوحشة وإلا فإنّ أعرق مهرجان عربي وإفريقي سيصبح مجرّد محطة عابرة وفضاء بؤس ثقافي.