"استعادة": إشكالية التلاعب بالصورة !


التجربة الجديدة الجريئة التي يُقدّمها المخرج الفلسطيني المقيم في ألمانيا، كمال الجعفري، في فيلمه الجديد "استعادة" Recollection هي تجربة قد تكون شديدة الجمال من الناحية البصرية باعتبارها عودة إلى أصل السينما، أي إلى الصورة، وإلى الصورة الفوتوغرافية تحديدا، ولكنها أيضا قد تكون تجربة محفوفة بالمخاطر بسبب جرأة الجعفري التي دفعته إلى التلاعب بالصورة وتغيير ملامحها، وبالتالي الشطب على فكرة "الوثائقية" التقليدية، والسعي إلى "استنباط" صورة أخرى من داخلها، تعيد إحياء الجانب المفقود من الذاكرة.
ولعل موضوع الذاكرة، والذاكرة الفلسطينية تحديدا هو الموضوع الذي يصبغ أفلام كمال الجعفري الثلاثة حتى الآن "السطح" (2006)، "ذاكرة الميناء" (2009)، وأخيرا "استعادة" (2015). ولكن بينما كان من الممكن رصد ملامح تسجيلية أو وثائقية في الفيلمين السابقين، ليس من الممكن أن ننسب الفيلم الجديد إلى نوع معين من الأنواع السينمائية السائدة فهو ليس ببساطة فيلما تسجيليا ولا وثائقيا ولا روائيا. إنه عمل تجريبي يجمع بين كل هذه الأنواع والأساليب مضافا إليها البعد التشكيلي الذي يُعدّ الأكثر بروزا أيضا في هذا الفيلم، والمقصود بالبُعد التشكيلي أن كمال الجعفري يتدخل بشكل مباشر وبطريقة فنية في تفاصيل الصورة، فهو يعتمد في فيلمه على آلاف الصور الفوتوغرافية القديمة من الأفلام الإسرائيلية والأمريكية، وصور أخرى من أرشيف أسرته التي تنتمي إلى مدينة يافا الفلسطينية القديمة التي وقعت تحت الاحتلال الإسرائيلي في 1948، وتعرضت خلال الستينات والسبعينات لعملية تغيير كاملة لملامحها العربية التي شملت هدم الكثير من مبانيها وبيوتها وإزالة شوارعها، وهو ما ظلّ عالقا في ذاكرة كمال وأراد من خلال فيلمه هذا "استعادته"، أي استعادة الماضي الفلسطيني للمدينة، بكل ما لفكرة الذاكرة من أهمية وبروز لدى الفلسطينيين عموما، فهي لا تحفظ التاريخ فقط، بل وتبقي على الهوية أيضا.
وقد برز موضوع الذاكرة من قبل في أفلام ميشيل خليفي وإيليا سليمان ورشيد مشهراوي، لكنه في حالة الجعفري، موضوع يؤرقّه باستمرار ويجعله محورا لأفلامه.
نسق تشكيلي
نحن أمام نسق سينمائي تشكيلي يمرّ عبر الصور، واللقطات السينمائية المحدودة التي صورها كمال بنفسه في الوقت الحالي، منها مشهد لفتاة فلسطينية صغيرة تعبر شارعا في المدينة يسألها عن أسرتها وأين تعيش حاليا فتذكر اسما لضاحية عبرية، وتقول أن أمها اسمها "سمية"، والحوار بينهما يدور بالعبرية، دلالة على حالة الاغتراب التي يعيشها أبناء الجيل الجديد في المدينة، بل ويجعل هذا المشهد كمال نفسه وكأنه حائرا أو تائها داخل المحيط لا يمكنه التعرف عليه بعد أن تغيرت ملامحه تماما.
يستخدم كمال لقطات (حية متحركة) من بعض الأفلام القديمة، لكنه رصد عددا كبيرا من الأفلام الإسرائيلية والأمريكية التي صُورّت في يافا، وقام باستبعاد صور الممثلين الإسرائيليين والأميركيين منها، وكأنه يمارس نوعا من الانتقام لفكرة المحو، محو الذاكرة الفلسطينية للمدينة، فهو يمحو الوجود الإسرائيلي لكي يبرز الطابع القديم للمدينة، المباني والشوارع والمساجد والمقاهي والكنائس، كما يعود إلى بعض الصور القديمة التي تصور بيوت عائلته وشخوصا من الأسرة: العم والجدة والأبناء.

يعتمد الفيلم على بناء شعري، مكون من صور تتعاقب، وشريط صوتي مكتوب من وعي المخرج بأسلوب الشعر ولغته، يروي ويحكي عن رحلته من أجل استعادة الذاكرة ولكن ليس في سياق تقريري جاف بل من خلال تعبيرات لغوية توصل للمشاهد الإحساس بروح المكان، بتلك الرغبة العنيدة في استعادته ولو عن طريق التلاعب بالصور نفسها.
التلاعب بالصورة
هذا التلاعب يحدث من خلال تحريك الكاميرا لتقترب أو تبتعد من تفاصيل محددة داخل الصور التي تتعاقب بالآلاف، تتوقف أمام أشخاص محددين، يقوم بتكبير تفاصيل داخل الصور، ترصد الكاميرا سيارة تقف بجوار منزل، سيعود إليها كثيرا فيما بعد، تتطلع الكاميرا إلى البحر، تنتقل من الصور الثابتة الى الصورة الحية للبحر كما بدا في لقطات قديمة متحركة، ثم يتوقف أمام مبنى يرتفع بالكاميرا نحو شرفته لتأملّه طويلا. وتعود الكاميرا إلى الأشخاص، وإلى المقاهي والدكاكين الصغيرة التي كانت قائمة. ويتوقف كمال كثيرا أمام ميناء يافا القديم، الذي تم تدميره بالكامل ومحوه من الوجود، كما يتوقف أمام صور للمقابر التي كانت، وللبيوت الصغيرة المُطلّة على البحر، والسيارات ذات الطرز العتقية الرومانسية التي كانت تتسابق في طريق البحر الجبلي المنحدر، وهي لقطة ربما تكون مأخوذة من أحد الأفلام الأمريكية.
إن ما نشاهده قد يكون تلاعبا في الصورة لكن ليس المقصود تشويه الحقيقة بل استعادة الحقيقة التي كانت قائمة قبل أن يتم تدميرها. ولعل العودة إلى فيلم "دلتا فورس"، الذي سبق أن مرّ عليه كمال في فيلمه السابق "ذاكرة الميناء" تستحق التوقف قليلا عندها.
فيلم "قوة دلتا" (1986) Delta Force (أو دلتا فورس) هو فيلم أمريكي من إنتاج شركة كانون التي أسسّها المخرج والمنتج الإسرائيلي مناخيم غولان، الذي يُعتبر المؤسِّس الأول الحقيقي للسينما الإسرائيلية بعد 1948، مع ابن عمه يورام غلوبس في هوليوود. وقد أنتجت هذه الشركة عددا كبيرا من الأفلام منها ما اعتُبر من نوع الدعاية السياسية المباشرة لإسرائيل، وهو شأن فيلم "قوة دلتا" الذي أخرجه مناخيم غولان نفسه وقام ببطولته تشاك نوريس ولي مارفين ومارتن بالسام وشيللي وينترز وجورج كنيدي وهانا شيجولا.
ويصور الفيلم قيام قوة من القوات الخاصة الأمريكية بقيادة تشاك نوريس باقتحام بيروت وإنقاذ الرهائن الأمريكيين الذين احتجزتهم عناصر من منظمة "أمل" الشيعية اللبنانية بعد اختطاف طائرة أمريكية كانوا على متنها، للضغط على إسرائيل من أجل إطلاق سراح مجموعة من الأسرى الشيعة الموجودين لديها. وبالطبع يتمكن تشاك نوريس ورفاقه من تدمير شوارع بأكملها، وإلحاق الخراب بأرجاء الحي الذي تتمركز فيه عنصر حركة "أمل"، وينجحون في قتل جميع الخاطفين وعدد كبير جدا من مقاتلي أمل، والسخرية من معتقداتهم الدينية.
وقد تم تصوير المشاهد الخارجية التي يُفترض أنها تدور في بيروت، في مدينة يافا التي كانت لاتزال تحافظ على ملامحها القديمة. ويروي كمال الجعفري في أكثر من حديث معه أنه شاهد بعينيه جانبا من تصوير الفيلم في المدينة، وكان يشاهد الجدران وقد امتلأت بصور آية الله الخميني، والأهم، كيف قام المشرفون على الإنتاج بتفجير مبنى كامل من مباني المدينة القديمة خلال تصوير أحد مشاهد العنف في الفيلم، وهو ما يعتبره جريمة تدمير كاملة.
غموض

هذا المشهد، الذي نرى فيه انفجار المبنى واندلاع النيران بشكل كثيف، نشاهده في فيلم "استعادة"، ولكن المشكلة أننا نراه في سياق غامض، فلا نعرف حقيقته وطبيعة وجوده في هذا السياق، وهي مشكلة يعاني منها الفيلم بأسره رغم جمال الصور، وبراعة تحريك الكاميرا لالتقاط تفاصيل الصورة، وذلك الإيقاع الرصين الذي يدفع بحركة الصور لتقديم "حالة" ذهنية مكثفة ليافا كما كانت في الماضي من ذاكرة كمال الذي يستعيد ذكريات عائلته ووجودها القديم في المدينة قبل أن ينفرط عقدها ويتشتت أفرادها وتنهار المنظومة المعمارية العريقة للمدينة.
غموض مشهد الإنفجار المأخوذ من فيلم "قوة دلتا" هو غموض يلف الكثير من لقطات الفيلم أيضا، فأنت كمشاهد يتعين عليك الانتظار حتى ينتهي الفيلم لتعرف من خلال كتابة طويلة تفصيلية تشرح بالأرقام، أن هذا الذي ظهر في لقطة معينة هو عم كمال الذي كان يعمل في مقهى أو دكان ما، وأن هذا المنزل الذي توقف أمامه وعاد إليه مرة ومرتين، هو منزل الجدة، وهكذا… أي أن كمال الجعفري لا يكتفي بتقديم تلك الصور التي بذل دون شك، جهدا كبيرا في جمعها من بين عشرات الأفلام الإسرائيلية والأمريكية، بل أدرك أنه من دون تقديم تفسير واضح بالكلمات، لا يمكن للمشاهد أن يعرف طبيعة تلك الصور "الخاصة" والمحددة، التي تتكرر عبر سياق الفيلم. ولاشك أن هذا يضعف كثيرا الفيلم، فالمفترض أن تتحدث الصور عن نفسها، وربما كان من الأفضل أن يضع كمال لوحات سوداء تحمل معلومات توضيحية لصور الأشخاص والأماكن البارزة، بين المشاهد واللقطات، لكنه خشى فيما يبدو، من قطع تسلسل الصور والتأثير على تدفق إيقاع الفيلم بهذه الطريقة.
إن المخاطرة بتبني هذا الشكل، يجعل المشاهدين غير الملمِّين بخلفية الموضوع يصابون بنوع من الإحباط والقنوط وهم يشاهدون صورا لا يفهمون مغزاها في السياق، بل إن الفيلم نفسه لا يكشف حتى في اللوحات المكتوبة التي تظهر في نهاية الفيلم شيئا محددا عن لقطات تفجير المبنى المأخوذة من فيلم "قوة فورس"، ولولا حديث كمال الجعفري في المناقشة التي أعقبت عرض الفيلم في مهرجان تورينو السينمائي (20- 28 نوفمبر) لما تذكرنا تلك اللقطات، فالذاكرة تقتضي أحيانا نوعا من "تنشيط الذاكرة"!