مراكش: تتويج "فيلم كتير كبير" بالنجمة الذهبية

"كوبولا" مع الفائزين

لم يكن متوقعا أن يفوز فيلم عربي بالنجمة الذهبية وهي الجائزة الكبرى للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، خلال دورته الـ 15، والتي أسدل الستار عليها مساء السبت الأخير 12 ديسمبر الجاري، بقصر المؤتمرات، وسط حشد جماهيري واسع، وحضور سينمائي وإعلامي دولي كبير.

المفاجأة إذن في مسك ختام الدورة التي كانت انطلقت من الرابع من الشهر الجاري، هو فوز الفيلم اللبناني "فيلم كتير كبير"، لمخرجه "مير جان بوشيعا" بهذه الجائزة الرفيعة، لينتهي احتكار السينما الغربية بشكل عام لهذه الجائزة الكبرى، ولباقي جوائز المسابقة الرسمية للمهرجان.

المخرج اللبناني الذي بدا متأثرا بهذا التتويج غير المنتظر، كشف في كلمة له عن كون فيلمه المتّوج ولد من مخاض فكرة كان اشتغل عيلها سابقا في فيلم قصير وطوّرها بشكل تدريجي حينما كان طالبا بمعهد الفنون السينمائية، وذلك من أجل تغيير النظرة حول المجتمع، وطَرق الكثير من مشكلاته، حيث أهدى هذه الجائزة لبلده لبنان الذي لم ينصفه حسب قوله، كما أشار "بوشيعا" بالمناسبة إلى كونه تأثر في مسيرته بعدد من التجارب السينمائية الرائدة وبخاصة تجارب بعض أعضاء لجنة تحكيم المسابقة الرسمية ومن أبرزها تجربة رئيس اللجنة المخرج العالمي الأمريكي فرانسيس فورد كوبولا"."

فيلم كتير كبير

الفيلم المتوج هو إنتاج مشترك بين لبنان وقطر، حيث أنتج من قبل لوسيان بوشعيا وكريستيان بوشعيا ومير جان بوشعيا، وشركة كبريت للإنتاج، بالإضافة لدعم من مؤسسة الدوحة للأفلام، السيناريو من توقيع المخرج مير جان بوشعيا وآلان سعده.

هذا الفيلم في تركيبته الفيلمية ورؤيته الفنية، فيلم مشوق، قوي، وذكي، حيث استطاع المخرج بطريقة بديعة اختيار الشخوص والأمكنة، وتسلسل الأحداث وفق رؤية إخراجية إبداعية تتوخى معالجة قضايا الواقع والسياسة والمجتمع ومشاكله العميقة، انطلاقا من عالم المخدرات وتواطؤ الأجهزة وفسادها، وسط شبكة من العلاقات المحسوبية، فضلا عن قضايا أخرى تتعلق بالهوية والطائفية وزواج الأجانب، وغيرها من القضايا التي تميز المجتمع اللبناني من خليط ثقافات وديانات ومذاهب.

تكريم "مير جان بوشعيا" مخرج فيلم كتير كبير

الشريط الذي تابعه جمهور عريض خلال عرضه أثناء المسابقة الرسمية وخلق نقاشا جادا بين الحضور، وإن كان لا أحد يدرك أنه يتسلل بهدوء للظفر بالجائزة الكبرى، لوحة سينمائية معبرة، عن مكامن الفرجة السينمائية، وتحقيق صورة سينمائية راقية تنعش العين، وتضيف إلى ذائقة المتلقِّي انتعاشا فنيا خفيا، بحثا عن كماليات السحر السينمائي الرقيق.

إعلان

مخدرات وطائفية

ويحكي الفيلم الذي أبدع موسيقاه الجميلة الفنان "ميشال الاتفرياديس"، وصورته فادي قاسم وسيمون الهابر تحت إشراف المخرج نفسه، قصة تراجيدية لثلاثة أشقاء، كانوا يعيشون في عالم صعب وخطير للغاية، لكنهم في الأخير يقدمون على مغامرة وتجربة متفردة وذكية، سيغير حياتهم إلى الأبد.
البطل (جاد) في الفيلم قريب من إطلاق سراحه ومعانقة الحرية بعد أن أدين وسجن قبل خمس سنوات بتهمة جريمة قتل ارتكبها شقيقه الأكبر زياد (الحداد)، الذي يتاجر في المخدرات والانغماس في عالمها المظلم والخطير. إذ صمم على تغيير حياته إلى الأفضل والابتعاد عن عالم المخدرات والإتجار فيها، لكن مزوده ورئيس العصابة، وأمام إصراره على بقاء زياد ضمن عناصره، يجعل من مخططات هذا الأخير للبحث عن حياة أخرى صعبة فتضيع أحلامه هباء.
ومع توالي أحداث الفيلم الدرامية، الذي شدّ المشاهد بطريقة بديعة للغاية، يجد زياد نفسه مرغما على الانخراط في عملية واسعة النطاق لتهريب مخدرات عبر الحدود اللبنانية السورية، حيث بعد خروجه من السجن يعبر جاد وبكل إصرار للمشاركة في عملية التهريب لتكون الأخيرة والنهائية، وبدء صفحة جديدة من حياته، والتي من المفترض أن تسمح للشقيقين العيش بسلام بعيدا عن عالم الانحراف والتهريب، لكن هذه الفكرة الإيجابية، لا تروق شقيقهم الثالث جو.. وبعد اكتشاف حيلة من قبل شقيقهم زياد، الذي تدبر تكاليف إنتاج الشريط من بيع مسكن والده، سيختار الثلاثي خوض مغامرة جديدة ستغير مجرى حياتهم إلى الأبد، وذلك من خلال اللجوء إلى طريقة ماكرة لتصوير فيلم وهمي، يوثق لقصة حبيبين من لبنان العراق، مسيحية ومسلم يعشقان بعضهما البعض رغم اختلاف ديانتهما.

"ثور النيون" وعشق رومانسي

ومنحت لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، التي شارك فيها 15 فيلما، جائزة الإخراج للمخرج البرازيلي غابرييل ماسكارو، عن فيلمه "ثور النيون"، الذي أبدع في طريقه إخراجه وذلك من خلال قصة تتمحور حول رياضة الروديو، حيث التنافس قوي في شمال شرق البرازيل بين فارسان من أجل الإيقاع بثور هائج أرضا، إنه فيلم حالم إلى أبعد الحدود، يجمع بين العمل المضني في شاحنة تنقل تلك الثيران التي تدخل الحلبة، وفي لحظة استرخاء يحلم السائق البطل، بعالم آخر غير عالم البهائم والغبار والشاحنة والخوار، إنه عالم الثراء و الأقمشة الحريرية والأزياء الفاتنة.

وعادت جائزة أحسن دور رجالي، للممثل الأيسلندي، كانر جونسون، الذي أتقن دور  حكاية رجل عملاق وخجول، ضخم وأخرق،  والذي يعيش حياة يومية حزينة وكئيبة للغاية، لكن الحب، الذي تسلل إلى قلبه دون استئذان، سيغير هذا الرجل البدين والسمين رأسا على عقب.
فيما حازت الممثلة كالاتيا بيلوجي، على جائزة أفضل ممثلة عن فيلم "كيبر" وهو إنتاج بلجيكي سويسري فرنسي. حيث البطلين (ماكسيم) و(ميلاني) يعيشان قصة رومانسية غاية في الشاعرية والدرامية معا، فرغم صغر الحبيبان اللذين قررا أن يصبحا أبوين، دون اللجوء إلى قرار التخلُّص من الجنين الذي كان ثمرة حبهما الرائع.

تتويج 14 فيلما بجائزة واحدة

تكريم الفنان الأمريكي "بيل موراي"

ولحسن الحظ لم يخرج البلد المضيف خلال هذه الدورة، خاوي الوفاض، بعد أن كانت المشاركة المغربية خلال الدورات السابقة، لا ترقى إلى مستوى طموحات ورؤى لجان التحكيم، حيث تمكّن الفيلم المغربي"المتمردة" لمخرجه جواد غالب، بالظفر بجائزة لجنة التحكيم، وذلك ضمن 14 فيلما فازوا بنفس الجائزة، وهي سابقة من نوعها في المهرجانات السينمائية الدولية.

إعلان

ويتعلق الأمر بأفلام "فردوس" لسينا أتيان دينا من إيران، و"زهرة الفولاذ" لسوك يونغ منة كوريا الجنوبية، و"تيتي" للمخرج الهندي رام ريدي، و"الحاجز" لزاسولان بوشانوف من كازاخستان، و"الجبل البكر"، للمخرج الأيسلاندي داكور كاري، و"ذكريات عالقة" للمخرجة كييكو تسويرويكا من  اليابان. إضافة إلى فيلم "الصحراء" لمخرجه خوناس كارول من المكسيك، و"كيبر" لمخرجه البلجيكي كيوم سينز، و"مفتاح بيت المرآة" للمخرج مايكل نوير من الدانمارك، و"المتمردة" و"باباي" للمخرج فيزار مورينا من ألمانيا، و"خزانة الوحش" لستيفن دان من كندا ضرف شرف الدورة التي تم تكريمها بالمناسبة،  ثم "سيارة الشرطة" لجون واتس من الولايات المتحدة الأمريكية.

وبتتويج 14 فيما بجائزة لجنة التحكيم تكون لجنة التحكيم قد أرضت كل المخرجين المشاركين في هذه المسابقة، مما يعني فوز كل الأفلام في هذه الدورة وعددها 15 فيلما، مما طرح الكثير من الأسئلة حول مضامين وفحوى هذه الإشارات، التي وضعت علامة استفهام حول هذه المبادرة في تتويج وتكريم كل الأفلام المشاركة، بجائزة واحدة.
وبخصوص جائزة سينما المدارس، وقيمتها أزيد من عشرين ألف دولار، المخصصة لدعم التجارب السينمائية المغربية الشابة، فقد عادت للمخرج الشاب رضا جاي من مدينة الدار البيضاء عن فيلمه "الفتاة المجهولة". ويحكي هذا الشريط ومدته تسع دقائق فقط، قصة شاب انطوائي منغلق على نفسه، وكثير الحساسية من الطرف الآخر، حيث تتغير حياته بعد لقاء مع شابة تقترح عليه الرقص معها وسط ملتقى الطرق.. إنه فيلم جميل وتلقائي وتتوفر فيه أبجديات العمل السينمائي المستقبلي، منح المخرج الشاب فرصة لاكتشاف عالم السينما والبحث عن عالم النجومية.

تكريمات وفقرات موازية

وضمن لحظة التكريم، تم خلال الدورة، تكريم كل من المخرج والممثل الأمريكي بيل موراي في حفل الافتتاح، والذي تألق في الكثير من الأفلام منها (كسر الزهور) و(يوم بلا نهاية) و(ضياع في الترجمة)، وآخر افلامه (روك القصبة) والذي ُصور في المغرب، إضافة إلى الممثلة والراقصة الهندية مادهوري ديكسيت، التي تألقت في العديد من الأفلام الهندية، نذكر منها (قلب مجنون) للمخرج اياش شوبرا، و(ديفداس) لمخرجه سانجاي ليلا بهنسالي، و(نداء) لمخرجه راجكومار سانتوشي، و(حكم الإعدام) لابراكاش جاها، إضافة مدير التصوير المغربي، الذي ينتمي لعائلة سينمائية عريقة، والممثل الأمريكي ويلام ديفو، والمخرج وكاتب السيناريو والمنتج الكوري الجنوبي بارك شان ووك، الذي قال أنه "في أفلامي تقتسم جميع الشخصيات نقطة مشتركة، لا يهم إن كانت هذه الشخصيات خيرّة أو شريرة، لا يهم أن تكون ذكية أو غبية، كل هذه الشخصيات تعمل وهي مسؤولة عن أفعالها، ينطبق على نفس الشيء تماما".

كما عرفت الدورة بالمناسبة تكريم السينما الكندية كضيف شرف، وذلك بحضور وفد سينمائي ترأسه المخرج والسيناريست والمنتج أتوم اكويان، وضم الوفد ما يقارب من ثلاثين سينمائيا من مخرجين وممثلين ومنتجين وكتاب سيناريو ومهنيين.

إضافة إلى تنظيم فقرات متنوعة من أبرزها، عروض سينمائية موازية منها عروض خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة وهي سينما بتقنية الوصف السمعي للمكفوفين وضعاف البصر، إضافة إلى تنظيم منتديات لتقديم دروس في السينما "ماستر كلاس"، وأطرّها  المخرج والسيناريست الكوري الجنوبي "بارك شان ووك"، الذي تم تكريمه خلال الدورة، والمخرج وكاتب السيناريو الكوري الجنوبي، والمخرج وكاتب السيناريو والمنتج الألماني من أصل تركي، "فاتح آكين"، والمخرج الإيراني عباس كياروستامي، الذي بدأ تجربته في الإخراج مع مطلع السبعينيات من القرن الماضي بفيلم" الخبز والشارع"، وقال عن تجربته السينمائية "لدي وعي محرج يجعل مني متفرّجا سيئا.أنا لم أبكِ أبدا في السينما. للأسف".

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان