"منصّة قاسية": مكابدات الراقص الفلسطيني !


دَرَسَ الفلسطيني الشاب "ماهر شوامرة" – شخصية الفيلم التسجيلي "منَصّة قاسية" للمُخرج الأستوني "توماس يافرت" والذي عُرض في الدورة الأخيرة لمهرجان إدفا السينمائي – الهندسة الكهربائية في العاصمة الأردنية عمان. لكنه سينشغل بعد عودته إلى مدينة رام الله الفلسطينية بالرقص الفنيّ الحديث.
هو الراقص الأهم في بلده اليوم، وأحد مُدربِّي المواهب اليافعة، ومخرج عروض راقصة يقوم ببطولتها. يُنازع الشاب الموهوب منذ سنوات خيبات أمل أهله المحافظين به والنظرات النمطية للفنون في المحيط الشرقي من حوله، كما يُصارع مقولات شائعة يسمعها كل يوم عن جدوى الفنون والرقص تحديداً في نزاعات الهويات والمصائر الطويلة ضد إسرائيل. يَجِد الراقص الفلسطيني القوة والإلهام في عذاباته الشخصية وجروح بلده الغائرة، ويُوظفّهما في رقصه الذي يبدو وكما عرضه الفيلم التسجيلي، وكأنه محاولات لا تتوقف لفكّ قيود الجسد، وتحريره من أثقال التقاليد والراهن المُعقّد.
يكاد فيلم "منصة قاسية" أن يكون نسخة تسجيلية من الفيلم الروائي الشهير "بيلي إليوت" للمُخرج الإنجليزي ستيفن دالدري (2000)، مع فروقات المحيط العرقيّ والديني، وخيالية القصة في الفيلم الروائي الإنجليزي على خلاف الفيلم التسجيلي الذي يقدم شخصية حقيقية. يتقاطع العملان في إبرازهما للظروف والتحديّات التي تنشأ من رفض بيئات ذكورية قاسيّة بعيدة عن الفنون للمواهب التي تخرج من بينها. في الفيلم الروائي الإنجليزي يُقرر "بيلي إليوت"، الصبي الذي لم يتجاوز الثانية عشر من عمره، والآتي من أُسرة إنجليزية فقيرة، أن يدرس الباليه. أما ماهر ابن العائلة الفلسطينية المتدينة، فاختار الرقص الحديث، في محيط "لا يفهم رموز وإشارات هذا الفن"، وكما عَبَّرَ شقيق ماهر في الفيلم.

يُرافق الفيلم التسجيلي الراقص الفلسطيني لفترة من الزمن في حياته اليومية في مدينة رام الله. وسيكون العرض الراقص الذي كانت فرقة ماهر الصغيرة تستعد له، الحدث الأكبر الذي يسير الفيلم نحوه بتصاعدية سرديّة، ملتقطاً بحساسية العثرات التي تواجه التحضيرات للعرض، ومنها المشاكل الذاتيّة للشخصية الرئيسية والعثور على الدعم الماديّ لإنجاز الحدث الفنيّ. يتنقل العمل بين مشاهد التحضيرات لهذا العمل الراقص ذي الدلالات السياسية، ومشاهد من الحياة اليومية لماهر، وهو يزور والديه وأخيه، وأحياناً تقاطعاته في الشارع مع غرباء يقابلهم. وفي بيته حيث يقضي أوقاته في الاستعدادات للعرض الذي يُمثّل حدثا كبيرا بالنسبة له، ليس لأنه الأول في مسيرة الراقص المهنيّة، بل سيكون، وبسبب وجود كاميرات الفيلم، مناسبة جديدة لمعرفة مدى تلقِّي المجتمع لما يقوم به، وإذا كان هذا المجتمع سيتأثر بهذا الاهتمام التسجيلي الأوروبي بقصته، ومدى قرب المجتمع هذا، وخاصة العائلة، في منح شرعية لابنها لمواصلة شغفه، والبقاء في موقع أفضل راقصي فلسطين، على حسب مدربة رقص أجنبية مُطلعّة على المشهد الفنيّ في البلد.
يتبدّل إيقاع الفيلم وروحه وفقاً لمزاج الشخصية الرئيسية فيه وتفاعلها بما حولها، فمشاهد التدريبات على العرض بمداها المفتوح المُلهم وما تطلقه من حرية في جسد ماهر وروحه، تختلف كثيراً عن تلك القاتمة التي صورها له مع والديه، اللذين يذكرانه دائماً بواقعه ولا يكفّان عن لومه. يبرز الفيلم التشتت المُوجع الذي يحاصر ماهر ولا يبدو أنه قادر على الفكاك منه. واستحالة التوفيق بين الفن ورضا الأهل. في المشهد الطويل مع والده كان الراقص الفلسطيني يغطس ببطء في الكرسي الذي كان يجلس عليه وهو يستمع بصمت تام لوالده الذي يقرّعه لتأخُّر زواجه. أما في المشهد الآخر مع أُمّه، فليجأ الشاب إِلى الكوميديا ليتخلّص من إلحاح الأُمّ. في حين كانت مشاهد ماهر مع أخيه هي الأكثر انفعالاً. فالأخ سيرفض بدايةً الحديث أمام الكاميرا، لكنه سيعود ويوافق، ليحاول وعبر منطق العارف بطبيعة المجتمع من حوله، أن يقنع أخيه بالعثور على طريق آخر غير الرقص للوصول إلى الجمهور الفلسطيني.

يخرج العمل عن سياقاته التسجيلية ومُقاربته التي ترتكز على توثيق الحياة اليومية، عندما يقدم عملان راقصان لماهر. وإذا كانت قفزات أسلوبية مثل هذه تربك بالعادة السرد وتبدو غالباً مُقحمة عندما توضع بدون مقدمات في أفلام تسجيلية، إلا أنها جاءت في فيلم "منَصّة قاسية" وكأنها استكمال للتدريبات التي لا تتوقف للراقص الفلسطيني وإطلالة جديدة على مشغله الفنيّ الذي لا تُحدّده جدران القاعة الصغيرة التي يتدرب فيها عادة.
في العمل الأول يرقص ماهر على تل صغير قريب من الجدار الإسرائيلي العازل الذي سيكون في خلفية المشهد. أما العمل الراقص الآخر فسيكون في أبرز ساحة في مدينة رام الله، والتي ستتحول لدقائق لمنصة للراقص، في إعلان حازم وجريء عن حقّ الفنان في مشهد المدينة العام.
يتشكل العمل الأول حول ثيمة السجن والحبس والاختناق التي يرمز لها الجدار الإسرائيلي العازل، والعلاقة الأصيلة الفطرية بالأرض، التي كان الراقص يضرب رجليه الحافيتين بها بقوة كبيرة، فيما وصل ترابها إلى ملابسه وشعره.
يختار الفيلم ألا يعرض مشاهد من العرض الراقص الجماهيري الأول، وهو الذي قضى معظم وقته يتابع مراحل إنتاجه. وكأن الطريق هنا أهم من الوصول. لكنه سيقدم ماهر مع فرقته وهو يُحييّ الجمهور، ثم يسجل مكالمة هاتفية مع أخيه، الذي كان موجوداً في المسرح. لم يتبدل رأي ذلك الأخ كثيراً بعد مشاهدته العرض، فهو مازال يعتقد أن الرقص الحديث لامكان له في الدول النامية. أما المخرج ففضّل أن يختم فيلمه بمشهد راقص لماهر وهو في أفضل حالاته، فقدمّا معا عملاً مشحوناً بالغضب في قلب مدينة رام الله، كفعل تحدّ واحتجاج على ما يحصل من تضييق على المواهب الفنيّة وأحياناً خنقها.
