"أنا الشعب".. لاشيء يتغير في مصر !


شاهدت الفيلم الوثائقي الطويل "أنا الشعب" Je suis le peuple (111 دقيقة) في الدورة الـ 33 من مهرجان تورينو السينمائي. مخرجة الفيلم (وهي التي كتبت السيناريو وقامت بتصوير الفيلم أيضا) هي الفرنسية آنا روسيلون Anna Roussillon وهذا هو فيلمها الأول.
والفيلم ناطق باللغة العربية باللهجة المصرية الصعيدية بالطبع التي تجيدها المخرجة التي بدا أنها مُطلّعة بشكل دقيق على الشأن المصري. وقد صُوّر الفيلم في الصعيد المصري، ولا أبالغ إذا ما قلت أنه أحد أفضل ما شاهدت من أفلام وثائقية عن الثورة المصرية في يناير 2011 وتداعياتها.
اختارت آنا روسيلون أن ترصد انعكاس أحداث الثورة في قلب القاهرة، في ميدان التحرير، على أسرة صعيدية فقيرة تُمثّل الشعب المصري في إحدى قرى محافظة الأقصر الواقعة على مسافة 700 كم جنوبي القاهرة. وقد بدأت المخرجة تصوير فيلمها قبل اندلاع الثورة، وأرادت في البداية أن ترصد معاناة العيش في قرية مصرية من وجهة نظر سكّانها وبتركيز خاص على شخصية "فراج عبد الواحد"، وهو مزارع صعيدي يمتلك قطعة صغيرة من الأرض وعددا من الخراف، يعول زوجته وأربعة أبناء. وقد عادت المخرجة إلى فرنسا، بعد أن صورت جزءا من المادة البصرية، لكنها عادت بعد اندلاع مظاهرات الغضب في 25 يناير 2011، وظلت تواصل التصوير على فترات متقطعة، حتى عام 2014.
وكلما صورت جانبا من الفيلم كلما أصبح شكل الفيلم أكثر وضوحا في خيالها، وخلال عملية المونتاج تمكنّت من بناء الفيلم بحيث يصبح "فراج" هو بطل القصة، هو الذي يروي ويتحدث إليها ويناقشها في معظم المشاهد، كما نشاهده وهو يقوم بالعمل في الحقل، أو بتهيئة غرفة داخل منزله الريفي البدائي بالاستعانة بصديق له، لكي يجعل منها مكانا صالحا لإيواء آلة طحن القمح التي اشتراها، حتى يُحقّق من وراءها دخلا شبه ثابت طالما أن عمله في فلاحة الأرض لا يضمن له مثل هذا الاستقرار المالي، كما نراه في كثير من المشاهد وهو يتناقش مع أصدقائه وجيرانه في السياسة، وتعكس تلك المناقشات وعيا سياسيا مدهشا لدى الفلاح المصري رغم بُعده عن بؤرة الأحداث في القاهرة.

لا تكفّ زوجة فراج عن العمل في المنزل كما تساعد أطفالها، أما الأبناء الأربعة، وهم مازالوا في سنوات الطفولة، فهم يجدّون ويجتهدون، يلهون ويلعبون ألعابهم الصغيرة بما توفّر من ألعاب بدائية خارج المنزل، بينما تراجع الابنة وهي الأكبر دروسها المدرسية، والأب مُصرّعلى تعليم أبنائه بينما تُعبّر الأم عن رغبتها في أن يصبح أبناؤها جميعا من الأطباء والمهندسين. ونحن نرى انعكاسات الأحداث التي تقع في القاهرة، على هذه الأسرة، عبر ما يأتيها عبر شاشة التليفزيون كلما سمح التيار الكهربائي بذلك، فالكهرباء لا تكفّ عن الانقطاع، والمخرجة تُصوِّر وتنقل الحدث مباشرة حتى لحظة انقطاع الكهرباء، وتطرح التساؤلات على أبطالها، وتتجول بالكاميرا خارج المنزل لتقديم صورة مصغرة ومكثفّة عن حياة السكان في القرية، ومن وقت لآخر، تصور كيف أصبح انتظار النساء وصول إسطوانات الغاز طقسا يكتسب طبيعة خاصة بعد أن تعذّر وصول تلك الإسطوانات رغم تعاقب الحكومات، وتواتر الوعود، وفي مشاهد مباشرة نرى الأطفال وهم يدفعون الإسطوانات الفارغة بأقدامهم إلى ساحة القرية، ويتجمع الرجال والنساء، وتحضر عربة ذات ثلاث عجلات، تتوقف فيبدأ الجميع في الصياح، يتشاجرون، وترتفع صيحاتهم، كل يطالب بنصيبه والبعض يريد أيضا أن يحصل على أكثر من نصيبه المحدد.
ونعود دائما إلى "فراج" الذي يعتبر نموذجا فذّا لفلاح شبه متعلم، يستطيع القراءة والكتابة إلى حد ما، لكنه يحمل وعيا كبيرا بما يجري في العالم، وهو يُعبّر عن غضبه الشديد على نظام الرئيس حسني مبارك، ويعتبر اعتقال مبارك وبدء محاكمته كما يشاهد على شاشة التليفزيون، يوما تاريخيا، وحدثا غير مسبوق، وفي اليوم التالي يشتري إحدى الصحف التي تنشر صور مبارك داخل قفص الاتهام، ويشير لأبنائه إلى أهمية الحدث وأهمية الاحتفاظ بهذه الصحيفة، وبأنها بعد عشر سنوات ستمثل قيمة كبيرة.
فراج يبدو شديد التفاؤل بالثورة، لكنه رغم ذلك شديد التشاؤم تجاه ما يمكن أن يحدث له ولأسرته، ومع مضي الزمن، يزداد شعور الأسرة بالاحباط، وتقول الزوجة أن الثورة زادت من المصاعب الاقتصادية في البلاد وجعلت الحياة أسوأ عما كانت. وننتقل من 2011 إلى 2012، ونصل إلى ما قبل الانتخابات الرئاسية حيث ترصد المخرجة بذكاء تضارب المواقف والأفكار في القرية حول مرشحّي الرئاسة، وتستمتع الى آراء من يؤيدون عمرو موسى بدعوى أنه رجل دولة ويفهم في إدارة شؤون البلاد، ومن يؤيدون الفريق أحمد شفيق، ثم إلى فراج الذي يؤيد الدكتور محمد مرسي ويستمر على موقفه طويلا حتى بعد أن تبدأ موجة من النقد لسياسات مرسي في أجهزة الإعلام. وهو يلخص الموقف بقوله دائما إن مرسي رئيس منتخب وإنه لا مفرّ من أن يكمل مدته الرئاسية مهما فعل، لكنه يتناقض أيضا مع نفسه عندما يطلب من المخرجة بشكل مباشر، ألا تحكم على الديمقراطية في مصر بمفهومها للديمقراطية في فرنسا، قائلا "إننا مازلنا في سنة أولى ديمقراطية"!
تحاوره المخرجة وتُصوّر مشاهد مع أصدقاء له يختلفون مع أفكاره السياسية وينتقد بعضهم الرئيس مرسي، ويعربون عن خشيتهم من حكم الإسلاميين ويسردون بعض الوقائع التي جرت في الأقصر حول الاشتباكات بين الاخوان والمناهضين لهم. وترصد المخرجة بذكاء عدم تغيُّر الأحوال في حياة القرية رغم كل ما يمرّ عليها من متغيرات سياسية، وتصور من خلال ما نشاهده ويشاهده أفراد الأسرة على شاشة التليفزيون، وما يدور في القرية من مناقشات وما يتم تنظيمه من تظاهرات صغيرة، كيف تتصاعد الشكاوى من عدم الاستقرار والفوضى الاقتصادية والسياسية التي تعيشها البلاد، وصولا إلى 30 يونيو 2013. هنا يغير فراج رأيه وينضم لما يقول إنه الأغلبية التي لا يمكنه أن يقف بمفرده في مواجهتها ونرى مظاهرة مصغرّة في ساحة القرية، وفراج وهو يحمل ابنه الصغير فوق كتفه ويهتف مع الهاتفين بتغيير النظام.

تقسم المخرجة فيلمها إلى خمسة أقسام، شتاء 2011، ثم ربيع 2012، فشتاء 2012، ثم ربيع 2014، ثم صيف 2014، وتنتقل من قسم إلى آخر عبر الإظلام التدريجي ثم شاشة سوداء، وهي تنهي الفيلم على الكلمة التي ألقاها وزير الدفاع المصري وقتذاك، الفريق أول عبد الفتاح السياسي في الاجتماع الذي ضم رموز الحركة السياسية في مصر باستثناء الإخوان، وهو يعلن ما أطلق عليه خريطة الطريق، ولكن عند هذه اللحظة وقبل أن يكتمل الإعلان ينقطع التيار الكهربائي، وهنا تنزل عناوين الفيلم، في إشارة مقصودة إلى غموض صورة المستقبل.
رغم تواتر الأحداث السياسية وصخب الخلافات بين رجال القرية، والتفاعل مع الأحداث سلبا أو إيجابا، وهو ما ترصده الكاميرا جيدا، إلا أن ما تؤكد عليه المشاهد والصور واللقطات والأحاديث التي يتضمنّها الفيلم، أن لا شيء في حياة الفقراء يتغير، وهم يدركون هذا جيدا ويعبرون جميعا عنه بوضوح، من أول الإبنة التي لا ترى أي جدوى من محاكمة مبارك وتطالب بإعدامه، إلى الأم – الزوجة التي تقول إن ما يحدث لا يهمها في شيء لأنه لن ينعكس على حياتهم، ثم إلى فراج الذي يبدو في البداية متفائلا بالتغيير ثم يرتدّ إلى نوع من الاضطراب الفكري ويقتنع بأن الديمقراطية أمر بعيد المنال طالما لا توفر لقمة العيش وتُحقّق العدالة.
يتمتع الفيلم بإيقاع هاديء عقلاني، ومشاهد بديعة للمزارع والحقول، كما تصور الكاميرا كيف يتحايل الفلاحون الفقراء على مشاق العيش وعلى تدبير أمور والحياة، سواء في الحصول على الماء لريّ الحقول، أو إصلاح الآلة التي تتعطل، أو حماية قطيع الخراف من الضياع، أو قيام النساء بإعداد الطعام داخل المنزل، ثم طحن الذرة والقمح.. ولكن الصورة التي ترسخ في الأذهان عندما ينتهي الفيلم أن لا شيء يتغير كثيرا في حياة المصريين في هذه المناطق النائية البعيدة التي ظلّت دائما مهملة، وما يبقى أيضا أنه رغم القشرة الخارجية من الفقر والتخلُّف والحياة البسيطة للغاية، إلا أن الناس هناك يفهمون ويدركون ويعرفون كيف يعبرّون عن أنفسهم، بل إن فراج يعطي المخرجة درسا في التاريخ عندما يشرح لها كيف أن هذه المنطقة التي يقيم فيها شهدت أول إضراب للعمال في التاريخ عندما أضرب العمال الذين كانوا يساهمون في بناء وتزيين وصيانة مقابر الفرعون عن العمل بعد توقف ما كانوا يحصلون عليه من مؤن، واستمرّوا في الإضراب لعدة أيام، فأرسل إليهم الفرعون مندوبا عنه لمفاوضتهم واستجاب لكل مطالبهم ولم يعودوا إلى العمل إلا بعد حصولهم على حقوقهم. وهي قصة حقيقية وقعت في عصر الملك رمسيس الثالث في قرية دير المدينة عام 1155 قبل الميلاد.
أما عنوان الفيلم "أنا الشعب"، فهو مستمدّ من أغنية أم كلثوم الشهيرة التي ذاعت شهرتها في الستينات، والتي تستخدمها المخرجة في سياق الفيلم، في إشارة إلى أن عائلة الفلاح الصعيدي البسيط "فراج عبد الواحد" هي التي تمثل الشعب المصري، وهي التي يجب أن يعمل من أجلها الحُكّام.