"أزمات الحدود الأوروبية: الطريق الطويلة"

قيس قاسم

يُجيد أغلب صنّاع الفيلم الوثائقي، المشتغلون في مؤسسات إعلامية كبيرة مثل الـ "بي.بي.سي"، تمييز منجزهم الشديد الخصوصية عما تنشره مؤسساتهم من أخبار وريبورتاجات آنية والتي يمكن حتى لغير المشتغل في هذا الحقل تفريقه عن بقية ما يتابع من تغطيات لا تشبه تلك الوثائقيات التي قد يتزامن عرضها مع حدث بارز يلاحقه ويتابع تطوراته. هذا التميّز يمكن ملاحظته جيداً في أفلام وثائقية ليست قليلة تناولت وما زالت تتناول الصراع في سوريا، من بينها "أزمات الحدود الأوروبية: الطريق الطويلة" الذي أراد من خلاله المخرج "باتريك باريه" وبالاعتماد على المُنتج والصحافي البريطاني "جون سويني" كتابة فصول وثائقية من "التغريبة السورية" على غرار أسلوب المؤرخين وكُتاب السيّر والملاحم.
أرادا باريه ومساعده أندي بيل لفيلمهما الوثائقيEurope’s Border Crisis: The Long Road أن يكون شهادة بصرية حية على مرحلة فظيعة مرّ بها الشعب السوري وأجبرت ملايين منه على الرحيل والبحث عن مأوى يأويهم مهما كان بعيداً. لتسجيل رحلة عذابهم من وطنهم حتى وصولهم تخوم دول شمال أوروبا، وفق مخطط كتابة أعدّوه سلفاً، اتخذّ الصحافي "سويني" لنفسه موقعاً عند حافة جزيرة "كوس" اليونانية، لمعرفتهما الجيدة أنها ومنذ أشهر أصبحت وجهة بحرية ناشطة للهاربين من الجحيم السوري عبر الأراضي التركية وأنها ربما قد تكون المكان المناسب لسماع بعض قصصهم عن أهوال الصراع المسلح ومخاطر الطريق التي قطعوها.
قصة كل واحد من الواصلين إلى الجزر اليونانية فيها مشتركات كثيرة مع قصص أشباهه المهاجرين، وتجنباً للتكرار اتبّع الوثائقي البريطاني أسلوباً ذكياً لتصنيفها وتوزيعها على عناوين داخليةـ مُستنتجة غير مكتوبةـ
تصلح في النهاية أن تكون فصولاً أولى من التغريبة السورية، مثل؛ المهربون، الأطفال، الضياع، التحايل، الكراهية وغيرها. كل عنوان منها جاء في سياق قصص قالها مهاجرون خائفون من البوح والكلام، لكن قوة الصورة وتدخل الراوي/ جون سويني بوصفه شاهداً ون��قلاً لتفاصيل المشهد التراجيدي أعطاها عمقاً ومصداقية.
نذالة المهربين كانت سبباً في موت آلاف من العابرين للمياه الفاصلة بين تركيا واليونان. كاميرا الوثائقي راحت تجمع بقايا القوارب المطاطية المثقوبة والممزقة، التي وصلت إلى الساحل اليوناني من دون ركابها.
قصص الناجين من الغرق كانت مشدودة بقوة إلى تجاربهم المريرة مع المهربين الذين أخذوا أموالهم وتركوهم وسط مياه البحر العاتية من دون دليل ولا وسيلة إبحار صالحة. فصل "الموت غرقاً" يدمي القلب ويُحيل التفكير بحثاً عن الأسباب القاهرة التي تدفع الناس لركوب البحر والمجازفة بأرواحهم وبأرواح أعز ما عندهم.
يعرف صانع الوثائقي كيف يستخرج من القصص المتفرقة مشتركات ليبني عليها صرح مشروعه الطموح. كل محاورة تفضي إلى أخرى ومنها يراكم المُشاهد جزءاً من المشهد السوري العام. على الساحل تراصف آلاف من البشر بحثاً عن الخلاص، فجزيرة "كوس" بالنسبة إليهم هي المحطة الأولى نحو اليابسة/الأمان من غدر البحر، كلما سارعوا في مغادرتها ساعدوا أنفسهم على نسيان ذكريات رحيلهم الأليمة.

أما بالنسبة للوثائقي فكانت المكان المناسب ليؤسِّس فوقه ويجمع أثناء وجوده أكبر قدر من الحقائق التي قد تساعد في تفسير ما سيواجهونه من صعاب لاحقة أثناء طريقهم الطويلة عبر الأراضي الأوروبية نحو وجهاتهم المُنتظرة.
"المعضلة اليونانية" تكمن في التناقض الصارخ في رغبة حكومتها في التخلص من الواصلين إليها وفي نفس الوقت اشتراطها عليهم تسجيل أنفسهم رسمياً عندها، خوفاً من تسرُّب عناصر "إرهابية" بينهم! كما أنها تريد فصل السوريين عن بقية المهاجرين لتجاوز بعض دول الوحدة الأوروبية عن التقيّد بـ"معاهدة دبلن".
يكشف المشهد اليوناني المزدحم عن اختلاط منافع ونوازع بشرية، مهاجرون من جهات الأرض جاؤوا إليها، يشعرون بأن لهم نفس الحق في الهجرة والخلاص من البؤس الذي يعيشون فيه كما السوريين. يوثِّق "أزمات الحدود الأوروبية: الطريق الطويلة" حالة البؤس البشري بلقطات معبرة تحكي عن حال الناس الفقراء، وأيضاً بعض المنتفعين من الحالة السورية.
يلتقط سويني بعضهم من بين الجموع ويحاورهم في محاولة منه لكشف "زيف" انتسابهم لتلك البلاد. سيُشكِّل هؤلاء لاحقاً معضلة للمهاجرين الحقيقيين المحتاجين لحماية حقيقية!
قصص المنتظرين في الجزيرة لعدم توفّر وثائق رسمية تثبت هويتهم تتناقض بشكل صارخ مع بشاعة التجارب التي مرّوا بها. رجال وعوائل كاملة هربت من بطش النظام وغيرهم من قسوة المنظمات المتشدِّدة وآخرون حفاظاً على أرواح أطفالهم الأبرياء.
"الأطفال السوريون" فصل خاص من فصول التغريبة السورية سيُكتب خلال مسيرة طويلة، رافقهم فيها صانع الوثائقي من اليونان حتى وصولهم إلى الحدود النمساوية، سجّل خلالها "تحولات" نفسية فظيعة مروا بها. كل قصة عنها تُحيلنا إلى التفكير بمستقبل أمة وشعب أطفاله اليوم يعانون من انفصام شديد عن طفولتهم واقتراب من نضوج مبكر بسبب الدمار والقتل.
لا يترك الوثائقي أي فرصة مواتية للتقرُّب منهم وملاحظة ردود أفعالهم على التجربة التي يتشاركونها اليوم مع أهلهم وأحياناً مع غرباء "تبنّوهم" بعد أن أضاعوا أهلهم في الطريق الطويلة والخطيرة! فصل مرير لطفولة ضائعة في وطن بدأت أول ملامح ضياعه بالظهور.
مبتدأ الرحلة البريّة كانت مقدونيا. إليها توجّه اللاجئون بعد انتظار طويل وتزاحم شديد امتّص كل قوتهم وأضعف عزيمة تحملّهم لمزيد من التعب والخوف.

رحلة القطارات والباصات والسير على الأقدام لمسافات طويلة ستوفِّر متسّعاً لحركة الكاميرا وتنقلّاتها وسيضحى المشهد المأخوذ للجموع المحتشدة أكثر قدرة على التعبير بصرياً عن نفسه، ولهذا سيقتصد الشاهد/السينمائي في كلامه ولن يتدخل في الأحداث إلا قليلاً ومتى ما برزت الحاجة إلى تدخلّه سينمائياً.
طيلة المسير على الطرق الموحشة والباردة كانت القصص تتراءى والوثائقي يسطرها. من بلد لآخر يمشون أو يركبون حافلات يحشرون أنفسهم فيها، يصعدون إليها وإحساسهم بالإهانة والإذلال يصعد معهم حيثما توجهّوا. يُسجّل "أزمات الحدود الأوروبية: الطريق الطويلة" أنانية الطريق الطويلة وروح التضامن الإنساني بذات العدسات الحسّاسة. يُقرّبها كثيراً من حالات معينة ويبعدها في نفس القدرة في حالات أخرى. فالتناقضات والاختلافات لا تظهر بين البشر فحسب، بل أيضاً بين الدول.
السلوك الصربي سيبدو أهون من السلوك المجري ولكنهما كانا راغبين في التخلُّص من الغرباء الواصلين إليهما، وستُعلنان صراحة في أكثر من موقف مثبت على الشريط عدم رغبتهما إبقاء "المسلمين" بين ظهرانيهما. شدة الرفض ستدفع المهاجرين إلى حدود جديدة؛ أبعد ولكنها أكثر كرماً وانفتاحاً ولكي يصلوا إليها عليهم تذوق المزيد من طعم العذاب والإذلال، ولعل مشهد هروب المهاجرين، من رقابة الشرطة المجرية، وتوزعهم العشوائي والغريزي بين الأحراش والبيوت القريبة من الحدود النمساوية يلخصها، بأشد التعابير السينمائية قوة بعد أن اتخذّت الكاميرا موقعها الصحيح. على مرتفع قريب من الحدود. وراحت تُسجِّل المهاجرين وكأنهم كائنات "مصغرة" لحظة هروبهم من وحوش تريد الفتك بها. سيتذكر كل من تابع فصول التغريبة السورية هذا المشهد الباهر والمعبر بقوة عن حال المهاجرين القادمين من الموت إلى "الخلاص" عبر أراضي كانت تلفظهم بطريقة مقززة وتعاملهم دون مستوى البشر!
لا يفسر الوثائقي النبيه أسباب اختلاف الأقاليم في التعامل مع الواصلين اليها، لكنه يحرص على تسجيل الحقائق كما هي، تاركاً المجال للمُشاهد في تفسير وتحليل كل موقف وحالة بنفسه وهذا ما يُفسِّر كثرة المواقف الصغيرة فيه وانغماره في تسجيل تفاصيل الرحلة وإصغاءه الجيد لقصص المشاركين فيها، ومحاولته الدائبة للخروج بمحصلة قيمة تصلح حقاً أن تكون فصلاً وثائقياً متميزاً من فصول التغريبة السورية ومصدراً موثوقاً في معرفة الأهوال التي تعرّض لها المهاجرون في رحلاتهم التي لن تنتهي مادامت أسباب الهجرة؛ من حروب وفقر وكوارث وغيرها تدفعهم للمغامرة فيما سيظلّ الوثائقي ثابتاً على حرصه في كتابة كل فصل من فصول تلك الرحلات مهما اشتدّت قسوتها وطالت مسافاتها.