"حكاية شهرزاد" الإيرانية

محمد موسى

يعثر الفيلم التسجيلي الإيراني "حكاية شهرزاد" على شخصيته الرئيسية "شهرزاد" في قرية تقع على أطراف الصحراء في جنوب إيران. ليس في البيت الفقير للغاية الذي تعيش فيه المرأة السبعينية ما يُشير لماضيها وحياتها السابقة. كواحدة من أشهر نجمات السينما الإيرانية في الستينات والسبعينات من القرن الفائت. لم تكن شهرزاد نجمة عادية، فهي التي بدأت حياتها كراقصة، انتقلت بنجاح إلى الشاشة العريضة، وجرّبت الإخراج السينمائي، وكتبت وأصدرت دواوين شعرية وكتاب قصص قصيرة. قبل أن تكبح الثورة الإيرانية في عام 1979 الحياة الإبداعية المتفجرّة والمتنوعة لشهرزاد. اختارت الممثلة البقاء في إيران على خلاف كثير من زملائها وزميلاتها الذين هاجروا إلى دول غربية. لكن اسمها أصبح مرتبطاً بقصص النميمة والمصائر المفجعة. فأُشيع مراراً أنها انتحرت، وتناقلت الأحاديث بحسرة وأحياناً بشماتة، لتروي تفاصيل عن تشردها، وبقائها بلا مأوى لسنوات، إذ عاشت في الشوارع وأحياناً في غابة مليئة بالحيوانات المفترسة لكن خالية من البشر كما وصفت. قبل أن تعثر على بيت صغير في قرية نائية. وحاليا، تقضي معظم وقتها أمام شاشة تلفزيون صغيرة تشاهد من خلالها الأفلام التي لعبت بطولاتها قديما.
وإذا كان مشروع الفيلم، الذي كتبه وأخرجه وصورّه الإيراني شاهين پرهامي، يستمد طاقته من الإثارة التي تقترب من الفضائحية التي تنطوي على قصة شهرزاد، إلا أنه سرعان ما يجد مساره وخطه النقدي الخاص والجديّ، عندما يشرع أبوابه على أسئلة عديدة وبمستويات مختلفة: عن حال المرأة الإيرانية الفنانة بالتحديد، ووضع البلاد بالمطلق بعد الزلزال الذي أحدثته الثورة الإسلامية والتغييرات الاجتماعية والأخلاقية الجمّة التي حملتها معها. يجمع الفيلم فتيات إيرانيات مشغولات بأولى خطوات طريقهن الفنيّ والأدبي، ليطرحن أسئلة عامة على "شهرزاد"، التي أعادها الفيلم إلى العاصمة طهران، المدينة التي ولدت فيها الفنانة السابقة وتحمل حنينا دائما إليها.
العودة إلى طهران، ستوسع أُفق الفيلم وتمنحه ثراءً شكلياً يستمد قوته من مشهديات غير مألوفة للمدينة الواسعة، عندما يرافق المخرج شهرزاد، وهي تتجول في مطارح حياتها الأولى، التي أصبحت ذكراها بعيدة الآن، مستعيدة محطات من ماضيها المتقلِّب والعنيف.

قبل الوصول إلى طهران، تروي شهرزاد حادثة قريبة كادت أن تودي بحياتها، عندما اعتدى شابان عليها في بيتها الفقير. تكشف الفنانة السابقة أن هذه الحادثة لم تكن الأولى في حياتها. في موضع آخر من الفيلم، ستمرّ الفنانة على التعذيب الذي تعرّضت له على أيدي الحكومة الإيرانية إبان الثورة هناك. كما تستعيد شهرزاد، كيف أن عنف أبيها معها عندما كانت في العاشرة، جعلها تقضي عاماً كاملاً فاقدة للوعي في المستشفى. أحاط العنف دوماً بالفنانة التي تركت اسمها الأصلي واتخذّت من اسم الراوية العربية الخيالية كاسم فنيّ لها. عاشت شهرزاد حياة متطرفة في جرأتها وفي قسوتها على حد سواء. رفضت البقاء في السويد التي استضافتها لعام كامل بعد الثورة للتفرُّغ لكتابة الشعر، وفضلت العودة إلى بلدها الأصلي.
يُرافق الفيلم التسجيلي شهرزاد إلى متحف السينما في العاصمة الإيرانية. هناك صورة كبيرة للممثلة معلقة في إحدى باحات المتحف، على الرغم من تجاهل سيرتها الفنية بالكامل في عهد الثورة الإسلامية. وأفلامها القديمة تباع سّراً بسبب بعض المشاهد التي تتضمنها والتي أصبحت جريئة وغير مقبولة في عرف النظام الجديد. يقضي الفيلم الكثير من وقته في المتحف الإيراني، والذي بدا ملجأ أميناً للممثلة التي مازالت تحلم بالعودة إلى السينما. يجمع المخرج شهرزاد ببطلة فيلمها الروائي الطويل الوحيد أمام المتحف.
يكشف اللقاء الكثير عن حال السينما الإيرانية التي سبقت الثورة. فالفنانة تلك سترد بأنها لم تعمل أبداً بعد الثورة، لأنها لا تريد أن تتعامل مع هؤلاء (قالتها باحتقار كبير قاصدة النظام الجديد). يُسجِّل الفيلم أيضاً لقاءً تم بالصدفة بين شهرزاد وممثل سابق من حقبة الستينات. وهذا أيضاً سيشكو من تبدُّل الأحوال، وأن الثورة كانت نهاية أجيال سينمائية عديدة، لم تجد مكانا لها في السينما الإيرانية الجديدة.
تَحِّل فتيات الفيلم الشابات بدل المخرج في قيادة الفيلم، فيطرحن الأسئلة على شهرزاد، التي ستعود بشكل غير منتظم إلى محطات من سيرتها، جامعة بين الشخصي والعام. يمنح الحوار الطويل ذاك، التبريرات الكافية لمشروع الفيلم التسجيلي نفسه، والذي كان الفيلم في مشهده الافتتاحي وكأنه غير واثق منه ومشكك في أهميته، أو هذا على الأقل ما كشفته إحدى صديقات المخرج، التي لم ترَ في حياة شهرزاد ما يستحق العودة إليها الآن.
تصارح إحدى الشابات شهرزاد، بأن تضحياتها هي وجيلها من الممثلات الإيرانيات، مهدّت الطريق لنساء من أجيال مختلفة، يعشن تحت ظروف تختلف كثيراً عن تلك التي عاشت فيها ممثلات جيل الستينات. الشعر بدوره سيستحوذ على مكان في الحوار المفتوح. فتجارب شهرزاد الشعرية العفوية، كانت مثل سيرتها السينمائية، مُتحرّرة من تقييدات الأشكال القائمة، باحثة عن جوهر الإحساس البشري، لتنقله بدون فذلكات كبيرة إلى القاريء.
يدور الفيلم حول المنطقة السياسية الإيرانية المُحرّمة، دون أن يسمي الأمور بمسمياتها. هناك مثلاً حلقات مفقودة من السيرة الشخصية للممثلة السابقة، اختار الفيلم ولاعتبارات مفهومة عدم النبش بها كثيراً. لكن المخرج الإيراني الذي يعيش في كندا، شحن فيلمه بالإشارات الضمنية التي يمكن عبرها رسم خريطة افتراضية لحياة شهرزاد. والتي شهدت محطات معتمة للغاية، ظهرت جلياً على سلوك الممثلة في نصف الفيلم الثاني. فظهر غضبها الشديد مثلا وهي تتحدث عن أمهات الشهداء الإيرانيات، دون أن توضِّح أي شهداء تقصد.أو عندما بدت عدائية تجاه إحدى فتيات الفيلم، متهمة إياها بالتجسّس عليها. فيما يبدو أحد أعراض مرض البارانويا النفسيّ.
يستفيد الفيلم كثيراً من الإمكانيات التي وفرّتها قصة شهرزاد بأبعداها التراجيدية، دون أن يحصر نفسه بمعالجة ضيقة. كما يسير الفيلم بنجاح على حوافّ المُحرمات والممنوعات السائدة في السينما التي تصور في البلد الإسلامي، كاشفاً بالتلميح عن بعض التفاصيل شديدة الحساسية. في كل ذلك، يوفِّر الفيلم الفضاء والمنصّة الملائمين للنجمة الإيرانية السابقة، بأن تلعب دورها الأخير على الأرجح أمام الكاميرات. ليس في فيلم بقصة متخيّلة كما كانت تفعل في الماضي، بل كاشفة هذه المرة عن حكايتها الذاتية المؤلمة، وضياعها المتواصل، وكما نقلته تلك المشاهد التي تصورها وحيدة على أطراف الغابة الموحشة التي كانت تلجأ اليها، هرباً من قسوة وجحود البشر من حولها.