"أم غايب".. حكايات من الصعيد

 
د. أمــل الجمل

امرأة شابة ترتدي "بلوزة" وتنورة واسعة يظهر من تحتها "سروال" طويل يحميها، عادت للتو من إجراء عملية جراحية بالرحم ولاتزال آثار "البنج" عالقة في جسدها، ترقد على الأرض الترابية المليئة بالحصى والأحجار المختلفة الأحجام في مكان يُشبه الخرابة. تحت شمس الصيف الحارقة تلفّ ذراعيها حول رأسها كأنها مصدّات للحماية، ثم تدفعها امرأة أخرى فتبدأ في التدحرج فوق الأرض طويلاً. تفعل ذلك مرات ومرات رغم الألم، تفعله بليونة ورشاقة الرياضي، وبعزيمة مَنْ يراوده أمل بعيد المنال، أمل لم تنجح في تحقيقه طوال اثني عشر عاماً لكنها لم تفقده تماما رغم الشكوك والهواجس التي ترتسم على ملامح وجهها المُجهد، نراها عندما تجلس وتلتقط أنفاسها المتلاحقة. 

ما سبق ليس إلا مشهداً حقيقياً تم تصويره سينمائياً لفعل "الكحروتة" الذي تقوم به حنان ضمن أحداث الفيلم الوثائقي الطويل "أم غايب" للمخرجة المصرية نادين صليب – عُرض مؤخراً ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية بمهرجان مالمو للسينما العربية في دورته الخامسة – والذي يُعدّ واحداً من المشاهد المؤلمة نفسياً المُعبر عن أحد عذابات امرأة شابة تعيش في مجتمع يعتبر أغلب أفراده أن المرأة التي لم تُرزق بأطفال هي امرأة بلا قيمة، أو ربما مثل حيوان أو مجرد ماشية يتم تسمينها وفقط.

إنه فيلم كاشف للتناقض الفج بين الكُنية الرقيقة – "أم غايب" – التي تُطلق في صعيد مصر على المرأة العاقر، تلك الكُنيه بكل ما فيها من تورية أو "ميتافور" وما تحمله من دلالة قوية ورغبة إنسانية في عدم جرح مشاعر المرأة المحرومة من دون إرادتها من الإنجاب، وبين كلمات وسلوكيات البعض التي تكشف أن المعتقد والموروث الثقيل يقود تصرفات كثير من البشر هناك. مع ذلك، من العدل أن نقول أن حنان لا تقف وحدها في مواجهة مجتمع مكبّل بالخرافة والمعتقدات الخاطئة، فإلى جانبها يقف زوجها العربي الذي رفض أن يتخلى عنها أو أن يتزوج عليها، وكذلك حماها الذي يساندها، ربما عملهما كحفاري قبور أضفى عليهما وعيا وإدراكاً لقيمة الإنسان ومصيره.

إعلان

الوعي الفطري

حنان هي امرأة شابة في بداية الثلاثين من عمرها، تعيش في إحدى قرى صعيد مصر، ظلّت طوال 12 عاماً تحلم بالأمومة، وتسعى بمختلف الطرق لإنجاب طفل، فخضعت لكل التجارب الشائعة في قريتها، واختبرت كل المعتقدات الشعبية الخاصة بالحمل والإنجاب، من زيارة القبور والمشرحة والسلخانة، إلى إعداد الخلطات المتباينة التي كادت إحداها أن تودي بحياتها بعد أن أصابتها الحمى الشديدة. ذهبت للمشايخ والأولياء ��زارت الأضرحة، مثلما استشارت الداية الشهيرة بقريتها، ولم تكف عن زيارة الأطباء، إلى أن تحدث المفاجأة في الدقائق الثماني الأخيرة – من الفيلم الذي يبلغ طوله ساعة ونصف – والتي تعتبر الذروة الدرامية للعمل حيث تصبح حنان حامل، ويتم تصويرها في الشهر الأول أثناء الاحتفال الكبير الذي تقيمه الأسرة، وسط حالة من البهجة تغمرها وارتباك شديد يعصف بها، فهي لم تعد تعرف هل تريد الجنين أم لا؟ هل جاء الحلم متأخراً جداً؟ أم أن مشقة الطريق إلى الحلم استنزفتها وقضت على آخر ما تبقى من رغبة فيه؟ ثم تختتم نادين صليب فيلمها بخبر مُفجع ومُقبض عندما تكتب على الشاشة ما يفيد أن "حنان فقدت الجنين".          

لكن، مهلاً، فالقصة على غير ما قد يبدو ظاهرياً، فهي ليست عن الحرمان من الإنجاب وفقط. إنها رحلة في عقل امرأة تمتلك الوعي الذي اكتسبته بفعل التأمل لذاتها، وذوات الآخرين وتصرفات أفراد المجتمع من حولها، فكانت بوعي أو من دون وعي تقارن بين حالها وأوضاعهم، بين التناقض الصارخ في كلماتهم وتصرفاتهم.
 من هنا، ورغم كونها امرأة شديدة المحلية ولم تحصل على تعليم عالي أو جامعي ولا تهتم بالقراءة، لكنها كانت قادرة على البوح بحميمية مدهشة وغير مألوفة، والكشف عن هواجس ومخاوف تسكن أعماق كثير من النساء، ليس فقط فيما يخصّ الحمل والإنجاب والأمومة، ولكن أيضاً فيما يخص الحياة والموت ولحظات السعادة، والحب، والبحث في ماهية الحقيقة وما تعنيه، والقسمة والنصيب وما قدّره الله للإنسان، وإيمانها العميق بأن الله لا يأخذ كل شيء دفعة واحدة من الإنسان، فعندما يأخذ منه أشياءً يمنحه هدايا أخرى.

ينطق فيلم "أم غايب" للمخرجة المصرية نادين صليب بلغة سينمائية شفيفة، لغة مصحوبة بإيقاع زمني لافت في كثير من أجزاء الفيلم، إيقاع نابع من الانسجام الزمني بين لقطاته والحالة الشعورية والجوانيّة لبطلته حنان والعالم المحيط بها. لكن، ومع ذلك، يحمل ذلك الشريط الوثائقي نفس عيوب التجربة الأولى لكثير من المخرجين، وهى الرغبة في الحديث عن كل شيء، وعدم امتلاك القدرة أو الجرأة على حذف الكثير بسبب الوقوع في غرام بعض اللقطات والمشاهد. صحيح أن الفيلم مدته 92 ق وخمس ثوان، وهناك تصريحات لمخرجته بأنه اُستخلص من مواد تم تصويرها بلغت 200 ساعة مما يعني أنه تم حذف أكثر من 198 ساعة، لكن رغم ذلك يمكن حذف المزيد من لقطات الفيلم، فهناك مشاهد زائدة ربما تصل إلى 20 ق يمكن حذفها بسهولة ولن تُخلّ بمضمون الفيلم أو بإيقاعه.

بل، على العكس تماماً، سيكون الحذف في صالح الفيلم، لأن الإبداع في جزء أساسي منه هو فن الحذف، مثل تلك المشاهد الخاصة بالحكي عن أهمية زيارة القبور ففيها تكرار على أزمنة متباينة بالفيلم مرة من خلال عم عبده ومرة من خلال بطلة الفيلم، ومثل إعادة تصوير مشاهد السباحة بالماء ووضعها عقب حكاية حنان عن إنقاذها من الغرق، فالمشهد يبلغ طوله الزمني 70 ث، ويمكن حذفه من دون أي إخلال بالمعنى، وكذلك حكاية الداية "أم منصور" عن المرأة التي كسرت "الماجور" عندما هدّدها الابن الوحيد بفضحها فمات على الفور، كما أن بعض اللقطات الخاصة بشخصية الزوج "العربي" زائدة ولا تضيف شيء جوهري خاص بالشخصية، بالعكس هناك لقطات تُقلل من وقع ما حكته حنان عنه خصوصاً أنها من خلال الحكي عنه رسمت له صورة مبهرة، بأنه شهم ولم يتخلَّ عنها ويحبها، ويتقن عمله. إلى جانب بعض اللقطات الفلكلورية المكررة، خصوصا أن الفيلم يخلو تقريباً من الأحداث ويعتمد أساساً على الاستبطان وتيار الوعي. 

إعلان

رغم ما سبق، فالعمل يُميزه أربعة عناصر جوهرية يتضافر في إبرازها عناصر أخرى متوارية، من دون أن يقلل ذلك من أهميتها مثل الموسيقي على سبيل المثال التي ألفها رامي أبادير، ومثل الاشتغال على شريط الصوت لعبد الرحمن محمود. أما أول هذه العناصر فهي؛ حنان بطلة الفيلم بجرأتها في الحكي الحميمي التلقائي، وبعيونها المعبرة بقوة، والقادرة على كشف التيار التحتي المضطرب في أعماقها، عيونها القادرة على كشف الحزن الدفين، بمثل القدرة على الضحك بسعادة بين حين وآخر، ولحظات أخرى تشرد فيها بعيداً كأنها فجأة أقامت حاجزاً زجاجيا أمام العينين عندما تنسحب إلى أعماقها متأملّة ذاتها. 

وثانيها التصوير خصوصا في الجزء المتعلق بالطبيعة وتفاصيلها الجميلة الثرية والغنية والمتضمنة استعارات ودلالات لها علاقة بالشخصية الرئيسية، أما ثالثها فأسلوب السرد القائم على ثنائية تمزج الواقعي وتُغلفه بلمسة شاعرية منسوجة من الطبيعة، والحقيقة أنها ليست مجرد لمسه شاعرية، ولكن يمكن اعتبار السرد هنا يسير في خطين متوازيين، أحدهما الواقعي ثم يأتي الخط الشاعري من خلال إعادة الاشتغال على الحكاية بصرياً بتصوير لقطات للطبيعة أو الاعتماد على لقطات للأطفال تُجسِّد سرد بصري مقابل لما تحكيه حنان، وذلك رغم أن بعض المشاهد يعيبها التكرار والاستطراد ويمكن التخلِّي عنها بيسر مما يُضفي قوة على الإيقاع.
 أما رابعها فهو عنصر المونتاج فمن خلال هذه العملية الصعبة جداً تم بناء هيكل الفيلم الكلي من منمنمات متناهية الصغر لتُشكل في النهاية لوحة كبيرة لشخصية حنان والتي بدورها كانت أثناء ذلك تنسج صورة كلية للمجتمع من حولها. 

بقي أن نشير إلى أن المخرجة الواعدة نادين صليب كانت وراء نجاح كل هذه العناصر وتضافرها معاً، بحساسية كبيرة وطموح جامح، ربما تكون غامرت بالتجريب خصوصاً في المستوى الثاني من السرد، وأعني به المستوى الشاعري الاستعاري، وربما لم توفّق تماماً في بعض منه، لكن يغفر لها أنها تجربتها الوثائقية الطويلة الأولى، وطالما أنها اختارت الطريق الصعب في الأسلوب السينمائي، فمن حقها التجريب حتى لو خانها الحظ في بعض اللحظات، فمن التجربة والخطأ واختبار الأشياء يُبدع الفنان.      

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان