الدورة الـ 52 لمهرجان أنطاليا السينمائي

يحلو لمنظمِّي مهرجان أنطاليا السينمائي إطلاق تسمية مهرجان "ريفييرا التركية" عليه، تشبهاً بريفييرا "كانّ" الدولي، لكونه الأعرق بين المهرجانات التركية والأهم ولوقوع المدينة الجميلة على سواحل المتوسط.

"جنة الأرض" كما سمّاها الأقدمون والوجهة السياحية النشطة كانت على موعد سياسي دولي، حين استقبلت قادة دول العشرين "G20" في نفس التاريخ المعتاد سنوياً لانعقاد دورات المهرجان ما اضطّر مُنظمِّيه إلى تغيير موعده ومواجهة تحديات تنظيمية ولوجستية كثيرة فرضها التغيير عليهم كما قال مدير المهرجان "أليف داغفرين"، الذي عاد إلى استلام مسؤوليته بعد انقطاع دام قرابة أربع سنوات "واجهتنا تحديات استثنائية هذا العام وعملنا كل ما بوسعنا للتلائم مع الموعد الجديد (29 نوفمبر حتى 6 ديسمبر) وكان الأهم بالنسبة لنا هو استمرار المهرجان وبقائه منصة عريضة لعرض نتاج مبدعي السينما في أرجاء العالم، وتشجيع المواهب الشابة منهم، رغم كل حراجة المرحلة التي تمرّ بها المنطقة والتي تفرض بدورها على السينمائيين البحث عن قصص ذات طابع إنساني، وهذا ما حاولنا البحث عنه وتقديمه في دورتنا الجديدة".

"المرأة" هي ثيمة الدورة الـ52، ومن أجل إثراء محتواها نظّم المهرجان مجموعة فعاليات كانت المرأة محورها الأساس، أما على مستوى عروض الأفلام التي قامت مخرجات بإدراتها أو تمحورت قصصها حول المرأة فقد وُزعّت على أقسام وأبواب المهرجان المختلفة لتأخذ مساحتها الكافية وتوفِّر للجمهور فرصة الاطلّاع عليها خلال أيام الدورة، وفي هذا السياق يأتي اختيار فيلم الافتتاح "ليس بعيداً جداً" للمخرجة والممثلة التركية الشهيرة الملقبة بـ"السلطانة" "توركان شوراي"، والتي سبق لها أن حازت على جائزة أفضل ممثلة في دورة أنطاليا عام 1964 عن فيلمها "الحياة هي الألم".
ويأتي عرض الافتتاح بمناسبة عودة توركان إلى الإخراج بعد انقطاع طويل، فآخر وقفة لها خلف الكاميرا كانت في عام 1972 حين أخرجت فيلم "دوران" الذي جاء بعد مجموعة أفلام من بينها "الهلاك" 1973، و"قاضي بودروم" 1676.

المخرجة والمصورة كارولين شامبيتيه

فيما سيُنهي المهرجان أعماله بفيلم "ما ما" من بطولة بينيلوبي كروز وتلعب فيه دورة امرأة مصابة بالسرطان لم يتبقَ لها سوى أيام قليلة في الحياة ومع هذا تقرر عيشها بفرح، بل تذهب بعيداً وتحمّل بطفل قبل انقضاء المدة التي حددها الأطباء لنهاية حياتها.
وتوافقاً مع الثيمة تحتفي الدورة بالمملثة الفرنسية "كاترين دونوف" وتمنحها جائزة "منجز العمر" الغني بالمشاركات السينمائية التي بلغت حوالي مئة فيلم عملت في بعضها مع مخرجين كبار مثل فرنسوا تروفو ولوي بونويل وغيرهم. سيُعرض لها ضمن خانة ضيوف الشرف فيلمها الموسيقي الرائع “مظلات شيربور” لجاك ديمي (1964، حصلت على دورها فيه جائزة "سيزار" لأفضل ممثلة) إلى جانب عدد آخر من أفلامها من بينها "الهند الصينية"، لريجيه وارنييه ومن جديدها "العهد الجديد الكامل" وتكريماً لها ولمنجزها دعيت دونوف للمشاركة في حفل افتتاح الدورة.

إعلان

 لأنطاليا مسابقتين للروائي الطويل؛ واحدة للسينما الوطنية وثانية للعالمية تدخل بينها أحياناً أفلام تركية في عرضها العالمي الأول، أما مسابقة الوثائقي فواحدة وطابعها وطني صرف.
المسابقة الدولية تضم 10 أفلام تتبارى فيما بينها لنيل جائزة "البرتقالة الذهبية" رمزاً للبرتقال الذي تشتهر المدينة بزراعته وقيمتها 50 ألف يورو. يرأس لجنة تحكيمها المنتج والمخرج الآيسلندي تور فريدريكسون، صاحب الفيلم المرشّح لنيل جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي هذا العام "طفل الطبيعة"، ويتعاون في حقل الإنتاج السينمائي مع الدنماركي لارش فون تيريه ضمن شركة "زينتروبا".

أما عن مهمته فعليه اختيار فيلم واحد من بين أفلام جيدة المستوى من بينها الدنماركي "برجدين" للمخرج جيب رونده والمأخوذ عن قصة واقعية تدور حول 79عملية انتحارية جرت في بلدية "برجدين" خلال الأعوام 2007 ـ 2012، وعمليات التقصي عن الدوافع النفسية والاجتماعية وراء السلوك التدميري.
الصربي "مقاطعة" سيتبارى بقوة لحيوية موضوعه الذي يعود يوران رادوفانوفيتش من خلاله إلى الحرب الأهلية اليوغسلافية والضغائن المتبقية في نفوس المتحاربين وتنسحب حتى يومنا هذا على الأطفال أيضاً، كما في قصة الصبي المسيحي نيناد الذي اتخذ له صديقاً مسلماً ودون أن يدري أيقظ أحقادا دفينة بين الطرفين.
واللافت في المسابقة أنها ضمّت إليها فيلمين عربيين الأول "الطير الطاير" للفلسطيني هاني أبو أسعد صاحب الفيلم المشهور عالمياً "الجنة الآن" ويتناول فيه قصة المطرب محمد عساف الفائز بجائزة مسابقة "أراب آيدل" وحبه للموسيقى.

الحكاية الواقعية لها صلة شديدة بحياة الفلسطينيين في كل مكان. في حين يعود الكردي شوكت أمين كوركي في "ذكريات منقوشة على حجر" إلى "حملة الأنفال" التي شنّها نظام صدام حسين ضد الأكراد وراح ضحيتها أكثر من مئتي ألف قتيل، عبر قصة صديقين يقرران إنجاز فيلم عنها وما يترتب على تنفيذ فكرتهما من معوقات وتعقيدات، من بينها صعوبة العثور على ممثلة تقبل بأداء الدور بسبب المواقف المحافظة لعائلتها. الشريط الذي حاز على جوائز عدة يلقي الضوء على الحالة الاجتماعية التي تعيشها كردستان العراق، ما يمثل مراجعة سينمائية نقدية للتجربة الكردية بعد سنوات الأنفال. الفيلم رشحه العراق العام الفائت لينافس باسمه ضمن مسابقات الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي.

ليس ببعيد عن هذا الفهم لدور السينما يأتي الهندي نيراج غايون بفيلم "ماسان" المنتمي إلى الموجة الهندية الجديدة، التي حرصت أنطاليا وعلى مدى عدة سنوات على تقديمها لجمهورها، ليناقش الفوارق الطبقية والاجتماعية في الهند عبر موضوع لم يُطرق سابقاً بالشكل الذي قدّمه عن مناطق حرق جثث الموتى في الهواء الطلق، حسب الأعراف الهندوسية، في منطقة فرانساي وعلاقة المشتغلين فيها من فئة "الكاست" الأفقر في الهند ببيقة المكونات الهندية.
وتبقى فرص، "صبيان/ ضياع فتاة" للمخرجة السويدية ألكسندرا تيريزا ـ كبنيغ و"خيول الطلائع" لنتاليا كوردياشوفا و"قسَّم العذرية" لصانعته الإيطالية لاورا بيبوري، قوية لما تتميز به هذة الأفلام من مستوى جيد وخروجها بعد عروضها في مهرجانات عالمية بحصيلة وافرة من الجوائز.
عدا فيلمي "برودة نهاية التقويم" لمصطفى كارا و"ذكريات الريح" لأوجكان ألبر، المتباريين ضمن المسابقة الدولية احتفظت المسابقة الوطنية، التي يترأس لجنة تحكيمها المخرج المعروف عمر فارجي، باثني عشرة فيلم هي دون شك من بين أهم ما أنتجته السينما التركية خلال هذا العام.

بوستر فيلم "منى"

كَثُر الحديث بشكل خاص حول "اللبلاب" لتولغا كراتشيلك ويدور حول سفينة تركية ترسو عند ميناء مصري وخلال فترة انتظارها تجري داخلها صراعات بين أفراد طاقهما تترك ظلالاً ثقيلة على المكان وما يحيط به.
في حين  يكرس سردار غوزلكلي "منى" ليجسد جوانب من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في مدينة غزة. من بقية أفلام القائمة المتنافسة هناك: "محرك البحث" لأتلاي تاجدكين، "الاختفاء" للمخرج سليم أفيتشي، "بيا" لأردال راحمي هاناي، فيلم محمد اريلماز "الزائر" و"المبتدىء" لأمير كونوك.
قيمة الجائزة الكبرى 100 ألف ليرة تركية (ما يعادل تقريباً 35 ألف دولار أمريكي). أما المسابقة الوثائقية فتشمل الأفلام القصيرة والطويلة، وعدد الأخيرة، التي انطلقت قبل عشر سنوات، 12 شريطاً أغلبها حصلت على دعم مادي من المهرجان، الذي يعمل بشكل خاص على تنشيط هذا النوع من الإنتاج السينمائي.

إعلان

من بين الأفلام المتنافسة على الجائزة (قيمتها تقريباً 25 ألف دولار أمريكي) "يلان دونيادا" وفيه يقدم المخرج أتلاي تاشدكين جوانب مهمة من حياة الشاعر والموسيقي التركي نست ارتاز و"حكايات أناضولية" لأمين فيرات أوسفور إلى جانب "قصة" لمحمد بيازداغ ، "الأزمنة الضائعة" لفيصل سويسال و"أناس أستثنائيين" للمخرج أورهان تكيوجلو.

خارج المسابقات يخصص خانة "بانوراما" لعرض أهم ما عُرض على المستوى العالمي ولا يتجاهل مطلقاً الأفلام الفائزة في مهرجانات عالمية كبيرة من بينها؛ فيلم الفرنسي "ديبان" الحائز جائزة السعفة الذهبية في كانّ هذا العام و"فخ" للفيليبيني بيريانتي ميندوزا فيليبين الذي تناول فيه
إعصار هايان الذي ضرب البلاد العام 2013 وأسفر عن موت حوالي 1200 شخص.

هناك أيضاً  الهندي "دانكان" لناغيش كوكونور والإيراني "ناهيد" لصاحبته إيدا بنهانده و"سرطان البحر" لليوناني يورغوس لنتيموس وللأرجنتيني "باولينا" سانتياغو ميتري  عمله الأخير "باولينا".
عروض بانوراما وقسم "عبر عدسات الماسترز" تكمل بعضها البعض وأن تخصصت الأخيرة بأعمال كبار السينمائيين مثل البريطاني ستيفن فريرز الذي سيُقدم له فيلم "البرنامج" حول بطل سباقات فرنسا للدراجات أرمسترونغ والذي أدين بتناوله المنشاطات، إلى جانب كارلوس ساورا وتحفته "أرجنتينا".

تميز أنطاليا الأبرز هو ندوته "فوروم" والتي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى منصة حقيقية لتطوير السينما التركية بالخبرات العالمية. هذه الدورة تستضيف المخرجة والمصورة السينمائية كارولين شامبيتييه التي عملت مع أربعة أجيال بينهم رواد من "الموجة الجديدة". من بين أشهر ما صورت "هول موتورز" للمخرج لويس كاراكاس و"آلهة ورجال" للمخرج كازفيي بوفوا. ستقدم أثناء وجودها في "الندوة" محاضرات عن تجاربها السينمائية ورؤيتها للفن السابع. كما سيحضر الممثل البريطاني جيرمي آيرفنر إلى أنطاليا لاستلام جائزة "منجز العمر" ويقابل هناك الجمهور التركي وجهاً لوجه.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان