ابتسم، أنت أمام فيلم أمريكيّ!

مروة صبري

كانت الأفلام الأمريكية في أوائل القرن الماضي تخصص أدوار بطولة للطبقة العاملة. كانت البيوت السينمائية بسيطة لا تختلف عن بيوت الطبقة المتوسطة من الشعب. وضح ذلك خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي واستمر في الخمسينيات حتى آواخرها مثلما في فيلم  The Man in the Gray Flannel Suit من انتاج عام 1956الذي قام فيه Gregory Peck بدور جندي عائد من الحرب العالمية الثانية يسعى ليوفر سبل الحياة لزوجته وأولاده. البيت الذي يقطنون فيه كان بسيطًا بمطبخ بدائيّ صغير. هذه الشخصية إن وجدت في سينما اليوم فلن تقطن في مكان بهذه البساطة مثل مثيلاتها في الواقع، لكنّها ستقدم بشكل أكثر أناقة وبديكور يدل على ذوق راق.

 

في أواخر الخمسينيات وبالتحديد في 1959 بدأ الحلم الأمريكيّ في الانتعاش، فقد مرّ وقت على انتهاء الكساد الكبير في الولايات المتحدة، وتحسنت أحوال الشعب الأمريكيّ المعيشية وبدا ذلك واضحًا في سلوكياتهم الشرائية. كانت فترة أمل وتفاؤل تبنتها الحكومة وصدحت بها وعكستها السينما. وهنا انتهى من السينما دور الأمريكيّ ذي الياقة الزرقاء الذي يعيش في منزل متواضع واحتل محله ذي الياقة البيضاء أو من يعيش عيشته.
"فقط خمس عشرة بالمئة هم من يستطيعون العيش في المستوى الذي تظهره الأفلام الأمريكية فنصف السكان في أمريكا يقبضون سنويًا أقل من خمسين ألف دولار"، هكذا يقول ديفيد سيلفرز المحامي والمستشار العام للـ American Federation of Labor and Congress of Industrial Organizations (AFL–CIO). بل أنّ71% من العمال في أمريكا يحصلون على أقل من خمسين ألف دولار سنويًا و62% منهم حصلوا على أقل من 40 ألفًا ومن الضروريّ هنا أن نعلم أنّ خط الفقر لأسرة مكونة من خمسة أشخاص هو 28ألفًا و420 دولارًا سنويًا. هذا المبلغ يقطع منه الضرائب والإيجارات وتكاليف المعيشة ولا يستطيع صاحبه توفير تعليم جامعيّ وفي معظم الأحيان يعجز عن التأمين الصحيّ والعلاج وغيرها من ضروريات الحياة. هذه الأرقام جاءت في التقرير الحديث لإدارة التأمينات الاجتماعية. الذي تقدمه معظم الأفلام لابد له من دخل لا يقل عن مئة وخمسين ألف دولار سنويًا ليتوفر، لذا ولأن هذا ما يراه الناس ويقدم لهم فالكثير يقلده عن طريق الديون مما يزيد حال الطبقة المتوسطة رقة ويؤدي إلى اختفائهم.
الأمر وضحته مهندسة الديكور السينمائي روزميري براندنبيرج في لقاء معها على إن بي آر National Public Radio حين روت قصتها في إعداد فيلم Cast Away من إخراج  Robert Zemeckis روبرت زيميكيس حيث طلب منها المخرج أن تجّهز غرفة سفرة ومعيشة تناسب أسرة من الطبقة المتوسطة فخجلت أن تسأل أي طبقة متوسطة يقصد؟ أعدت براندبيرج المكان بأريكات وردية وورق حائط مزركش وأمتعة معتادة في البيوت الأمريكية وما إن رآها المخرج حتى أعرب عن كراهيته وقال أنّ المكان يشبه بيت الجدة. ومن هنا تعلمت روزميري أنّ الطبقة المتوسطة التي نعرفها في الواقع الأمريكيّ لا وجود لها في هوليوود.
مثال أراه صارخًا ويؤكد تعمد تصدير هذه الصورة الوهمية كان في فيلم Ramona and Beezus الذي قامت ببطولته سيلينا جوميز وأخرجته إليزابيث ألين روزنبوم Elizabeth Allen Rosenbaum وعرض لأول مرة في صيف 2010 بتكلفة خمسة عشر مليون دولار. قصة الفيلم من تأليف Beverly Cleary وهي كاتبة أطفال ماهرة. أجمل ما في كتابتها هو أنّها تبرز مشاكل المجتمع المادية والاجتماعية من خلال عيون الأطفال. رامونا هي طفلة تنتمي للطبقة المتوسطة حيث تعمل والدتها مساعدة في عيادة وطرد والدها من العمل. القصة المكتوبة تحاكي ما تمر به أي أسرة أمريكية تعيش على الحافة وكيف اضطرت الأم لإيجاد عمل إضافيّ ليستطيع الأب استكمال تعليمه طمعًا في عمل أفضل في المستقبل، وتأثير ذلك على جو البيت العام والجوع والتعب الذي شعرت به رامونا لغياب والديها. حين انتقلت الصورة إلى الشاشة انتقلت معها أسرة رامونا إلى منزل واسع وأمتعة منتقاة لا تستوي مع رامونا التي اضطرت جارتها لاستضافتها حتى تعود والدتها من العمل ولم تدعها للطعام مع أسرتها لغلاء سعر اللحم.
Mrs. Doubtfire بطولة روبين ويليامز وسالي فيلدز والذي تم تصويره في 2640 Steiner Street, San Francisco California, USA فقد أعلنت ميراندا (Sally Fields) عن العنوان كما هو في الفيلم نفسه. البيت بنيّ في عام 1906 ولذا فهو بيت تاريخيّ ويتكوّن من سبع غرف وحمامين ومتوقع أن يكون ذلك من مرتب الزوجة فقط، فإن كان مستأجرًا فمن يدفع إيجار سبع غرف لأسرة مكوّنة من أربع أفراد في ظل ظروف مادية متأرجحة من طرف الزوج؟ وإن كان مشترًى فمعروف أنّ قسط التملك أكثر من ثمن الإيجار. ولكيّ تظهر الفجوة بين واقع الأمركيين وبين الفيلم يكفي أن نقول بأنّه تمّ بيع هذا البيت آخر مرة في عام 1997 بمبلغ مليون دولار وثلاثمائة وخمس وتسعين ألفا (1.395000) في مدينة تشتهر بنسبة المشردين العالية، ففي عام 2005 تخطى عدد من هم بلا مأوى بالمدينة الستة آلاف، ولكننا نجد روبين ويليامز بعد الطلاق يؤجر شقة من غرفتين في منطقة North Beech بسان فرانسيسكو وهي تشتهر بطابعها الإيطاليّ وبأسعارها العالية، وإمعانًا في ترسيخ هذا الوهم فحتى ما تم تصويره كأنّه مدرسة الأولاد، تمّ في كلية المدينة وليس في مدرسة ابتدائية.

 

Psych و Monk، كلاهما يعاني من قلة المال من وقت لآخر ومع ذلك كان شون سبينسر بطل حلقات Psych يسكن في شقة وحده في سانتا بربارا ويؤجر مع شريكه بيرتون باستر مكتبًا كبيرًا يطل على الشاطيء مباشرة. الواقع يؤكد أنّه لا يمكن لأحد في ظروفهما وخاصة شون حيث أنّه ليس له عمل آخر غير عمله القائم على العقود المؤقتة مع الشرطة أن يوفر هذا المستوى. سانتا باربرا مدينة سياحية راقية وتكاليف المعيشة فيها لا تحتمله حافظة نقود تمتليء أحيانًا وتخلو أحايين. كذلك Monk الذي يعيش في سان فرانسيسكو ولديه مساعدة خاصة وهي بدورها تربي ابنتها وحدها من مرتبها.
الأمثلة كثيرة أذكر منها، فيلم Bob the Butler والذي صور بوب الذي لا يحتفظ بعمل ويرفت منهم جميعًا بعد فترة وجيزة ومع ذلك يعيش في شقة لا نعرف كيف استطاع دفع إيجارها. أفلام ABC Family وHallmark وDisney التي يعيش الغالبية العظمى من أبطالهم في قصور أو بيوت شاسعة بمطابخ حديثة وحدائق أنيقة.
الحقيقة التي تحاول هوليوود عرضها عن المجتمع الأمريكيّ تعطي انطباعات خاطئة لدى بقية العالم. فالجميع يظن أنّ الأمريكيّ لديه كل ما يحتاج، وأنّ أفقر من في أمريكا غنيّ يعيش في بيوت أنيقة الأثاث، لذا يكثر الحديث عن المجتمع الأمريكيّ بمنظور سطحي.
الفقر في الحبكة
 بعض الأفلام ما زالت تعرض نماذج للمكافح الأمريكيّ الحقيقيّ كالذي عرضه فيلم The Pursuit of Happiness 2006 الذي قام ببطولته Will Smith وأخرجه Gabriele Muccino. هذا الفيلم أظهر طبقة الياقات الزرقاء وهي تشقى لتوفر إيجار البيت ومصاريف الحضانة للابن وكيف يمكن للظروف المادية القاسية أن تؤدي إلى الطلاق، وأنّ لصاحب البيت أن يطرد المستأجرين بلا هوادة. السبب الوحيد في كوّن هذا الفيلم واقعيّ من حيث الأثاث والظروف هو أنّه سيرة ذاتية وبطلها الحقيقيّ كتبها بنفسه، وأنّ الفقر هو العقدة الدرامية التي يحاول البطل حلها من خلال التجربة والفشل. إذًا فإنّ لم يكن الفقر أو التشرد والجوع هو محور القصة ومنتهى حبكتها الدرامية فإنّه يبدل بصورة لطيفة تخفف مرارة الواقع.

إعلان

 خطورة ما سبق ليس على المشاهد الغريب عن البلد فقط ولكن أيضًا على المواطن الأمريكيّ نفسه الذي لا يرى انعكاسه على الشاشة، فلا يرضى بحياته ولا يفهم من خلال السينما حقيقة الكفاح الأمريكيّ. من الإنصاف أن نقول أنّ السينما الأمريكية تحاكي روح وحلم المواطن الأمريكيّ لكنّها لا تمثل تفاصيل حياته. فكرة الرفاهية المعيشية للطبقة المتوسطة جاءت في محلها لفترة من الزمن ولكن هذا المنوال تغير في سبعينيات القرن الماضي ولم تواكبه الشاشة الكبيرة أو الصغيرة ولا ترد مواكبته، فالواقع ليس دائمًا مبهرًا.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان