تراجيديا عائلية في افتتاح مهرجان إدفا

محمد موسى

 اختارت إدارة مهرجان إدفا السينمائي للسينما التسجيلية المتواصل حالياً في العاصمة الهولندية أمستردام، فيلما حميمياً عن تاريخ عائلي مُعقد لأسرة هولندية لافتتاح دورته الأخيرة.

كاسرة بهذا تقليداً تكرّس في السنوات الأخيرة في المهرجان، بانتقاء أفلام تتعرّض لقضايا سياسية أو إنسانية مُلحّة لافتتاح المهرجان الأكبر في العالم للسينما التسجيلية. في اتجّاه كان يصب أن يعكس تدشين الحدث السينمائي السنوي المُهم أحداث العالم المضطرب والمتفجر، رغم أن حضور هذه الأحداث يهمين وصداها يتردد على كثير من أفلام المهرجان. فالسنة الماضية مثلاً، كان الافتتاح سورياً، إذ عُرض فيلم المُخرج السوري طلال ديركي "العودة إلى حمص"، لينسجم هذا الاختيار مع الاهتمام العالمي بالمأساة السورية المتواصلة، التي ينقل الفيلم التسجيلي ذاك بعضاً من صُورها الدموية وحكاياتها غير المعروفة.

وعلى رغم الوفرة الإنتاجية التسجيلية في العقد الأخير، إلا أنه من اللافت ندرة أفلام العائلة ضمن هذا المشهد الواسع، من التي تركز على العلاقات المتشابكة وأحياناً المُعقدّة بين أفرادها. هذا يعود لأسباب بعضها بديهي، كصعوبة البوح العائلي أمام الكاميرات بالنسبة للكثيرين، إضافة لصعوبة الخوض في الجراح والندوب العائلية بالمطلق. هذا إلى جانب، أنه ليس من الهيّن أو المستطاع دائماً العثور على العناصر الموضوعية الضرورية لتحويل قصة عائلة ما إلى فيلم، أو وضعها في سياقات اجتماعية أو إنسانية أوسع من العالم المحدود للعائلة، وصعوبة ترجمة اللغة الواضحة والمسكوت عنها والإشارات الخاصة التي تنشأ بين العائلة إلى جمهور واسع غريب وانتقائي وسريع في أحكامه.

يكاد فيلم "شأناً عائلياً" A Family Affair للمُخرج الهولندي توم فارسيت الذي افتتح به مهرجان إدفا أيامه، أن يكون مثالياً ونموذجاً للفيلم العائلي الصريح، الذي يذهب إلى حدود بعيدة لكشف السيرة المضطربة لعائلة هولندية. كما تنطوي قصة تلك العائلة على مفردات تضعها في سياق تاريخي مُهم، تفسر على نحو ما أفعال وسقطات الشخصية الأساسية. وهي الشخصية التي بدا الفيلم في معظمه وكأنه محاولة لنزع القناع عن وجهها للوصول إلى حقيقة ما تُفسِّر السلوك الغريب الشائن لها والذي تواصل بوتيرة منتظمة لأكثر من ست عقود، تاركاً الكثير من الندوب على عائلتها المباشرة، وبالخصوص أولادها، ومنهم الابن البكر، الذي صادف أن يكون ابنه مُخرجاً سينمائياً، سيتولى إخراج هذا الفيلم البديع عن عائلته، مُركزّاً على الجَدّة التي بلغت السادسة والتسعين من السنوات، ورحلت عن هذا العالم أثناء تصوير الفيلم.

إعلان

يندرج هذا الفيلم التسجيلي ضمن المحاولات العديدة للعائلة لفهم أسرار الأُمّ والجَدّة (ماريان هيرتز). الشخصية الغامضة، الأنانية، المُتقلّبة المزاج. فوالد المخرج كان قد حاول قبل سنوات الشروع في كتاب عن حياتها، لكنه اصطدم سريعاً بمزاج والدته، ليتوقف المشروع قبل أن ينطلق. هذه المرة يقوم الحفيد:المُخرج السينمائي الشاب، بمحاولة فك ألغاز الحياة السريّة لجَدّته، ومحاولة تفسير سيرتها القاسيّة بحق أبناءها الذين تركتهم أطفالاً في مدرسة داخلية، لتهاجر إلى جنوب أفريقيا، لاستكمال عملها كعارضة أزياء، وهو العمل الذي تركته بسبب ولادة الأبناء، فيما بقى الزوج – والد الأبناء – لغزاً غامضاً. فهو اختفى تماماً من حياة عائلته ولم يظهر أبداً بعد ذلك. كما لم يسعَ الفيلم هذا، وعبر حواراته الطويلة مع الجَدّة أن يحقق في مصير ذلك الزوج، أو أن يحاول أن يستعيد سيرته.

وإذا كانت السينما التسجيلية التي تتناول فترات تاريخية تسبق عصر الصورة الذي نعيشه تشكو من قلة المواد الأرشيفية، يطفح فيلم "شأناً عائلياً" بهذه المواد. فابن الجَدّة  (والد المخرج)  يُوثق منذ سنوات عديدة بهمة لا تتوقف يوميات العائلة، فحفظ بسبب هذا الانضباط الكثير العديد من اللحظات الحاسمة والمؤثرة من حياة العائلة. كهجرة الأب مع عائلته الفتيّة وقتها إلى جنوب إفريقيا للالتحاق بالجَدّة والعمل هناك. وهي الخطوة التي تَبيّن فشلها سريعاً، وقادت في النهاية إلى انفصال الأب عن زوجته. لا تقتصر المواد الأرشيفية على التي سجّلها الأب فقط في سبعينات القرن الماضي. فهناك مواد أرشيفية لا تقل أهمية من طفولة "ماريان" نفسها، تُسلط الانتباه على طفولتها القلقة في أوروبا التي كانت تستعد لدخول الحرب العالمية الثانية. كاشفة عن ظروف الحياة وسط عائلة تبيّن لاحقاً أنها ألمانية يهودية، هربت من النازية إلى هولندا حيث عاشت الأُمّ شطراً من حياتها.

يُرَكِب المخرج فيلمه من المواد الأرشيفية العائلية ومشاهد صورها في هولندا وجنوب إفريقيا لجَدّته، مع حوارات سيجريها مع والده وعمه. في محاولة لتجميع القطع المتناثرة لاستكمال صورة ما عن حياتهم. والألّم المتواصل الذي مازال الأبناء يحملوه كنتيجة لهجر أُمّهم لهم. بل أن ذلك الهجران ترك أثاره الدائمة على العَمّ، الذي عاني حياته كلها من أمراض نفسيّة، قادته إلى عزلة وحياة قاتمة. كما يرافق المخرج جَدّته في رحلتها الأخيرة إلى هولندا لزيارة أبناءها. ستختار "ماريان" السفينة كواسطة نقل للرحلة الأخيرة تلك، وهذا سيمنح المخرج وقتاً طويلاً برفقة جَدّته. وحيداً مع كاميرته، إذ سيصور المشاهد مع الجدَّة بدون أي فريق فنيّ، ليضيف هذا إلى حميمة تلك المشاهد، وأحياناً اختناقها بالتوتر والغضب والخيبة المسكوت عنها.

أغوى مشروع الفيلم التسجيلي "ماريان" فوافقت على الوقوف أمام الكاميرا، وهي التي لم تودِّع في قرارتها شبابها البعيد. لكن الفيلم سيقف عاجزاً عن إيجاد المدخل إلى عالم هذه السيدة. فهي مُتقلبة المزاج، ترفض الحديث أحياناً، تُستفز سريعاً. تُجيد التحكم الع��طفي بحفيدها ومن حولها، كما فعلت مع أبيه. مُتصابية، لم تتقبل انقضاء الشباب والجمال. تخاذلت عن مسؤولية أبناءها، خاصة بعد تَكشّف الوضع النفسيّ لابنها الثاني. لم يطرح المُخرج كل ما يودّ طرحه من أسئلة، فأثناء تصوير الفيلم، تعثر المخرج بعواطف جَدّته نحوه، إذ أنها كشفت عن حبها العاطفي لحفيدها، في ما يمكن أن يعتبر تشبثّاً قانطاً بالشباب الذي يمثّله الحفيد، وهربا من الشيخوخة التي تجد نفسها حبيسة لها.

إعلان

هناك قصة خلفيّة يُمكن أن تفسر سيرة الجَدّة وخياراتها الطائشة والغريبة. فهي ابنة ألماني يهودي كان يمقت اليهود، كتجسيد لظاهرة كره النفس التي تصيب بعض أفراد الأقليات المُضطهدّه. لكن رغم بُعِد العائلة عن المجتمع اليهودي، إلا أن النازية ستسلبها ثرائها، لتهرب العائلة سّراّ إلى هولندا قبل أن يلقى القبض عليها. تُلقي "ماريان" بمسؤولية كبوات حياتها على والدها، الذي أهانها نفسياً وسلبها ثقتها بنفسها. وحتى عندما أصبحت عارضة أزياء معروفة، كانت كلمات والدها التي تصف قبحها تلاحقها. لن نعرف بالطبع إذا كانت كل التفاصيل التي ذكرتها "ماريان" عن حياتها قبل زواجها صائبة، أم هي جزءاً من أسلوبها في التأثير على من حولها، والتخلُّص من المسؤولية بإلقاء اللوم على الآخرين. لم يحاول الفيلم التحقيق بطرق مختلفة في قصص شخصيته الرئيسية. كما أن شهود تلك السنوات فارقوا الحياة منذ سنوات بعيدة.

لا يُجيب الفيلم التسجيلي على كل الأسئلة الخاصة بتاريخ شخصيته الرئيسية ولا ينزع أقنعتها جميعا. فيتماهى بذلك مع دينامية العائلة والمخفي والمسكوت عنه في التاريخ المتعدِّد الطبقات لها. يؤسِّس المخرج من الحوارات المبتورة التي أنجزها مع جدته ومن المواد الأرشيفية الثرية، فيلماّ صادماّ بصدقه وجرأته. كما يبرز الفيلم الألم الذي لازال يحمله الأبناء. فيقدم في مشاهد حزينة للغاية شهادات لهم، وهم يحاولون أن يصفوا الحياة بغياب الأُمّ. هناك مشاهد قاسية يقدمها المخرج من زيارة "ماريان" الأخيرة إلى هولندا. وكيف بدت المُحاولات المتواضعة لإصلاح الماضي، يائسة وبلا جدوى. في واحد من تلك المشاهد تجتمع الأُمّ مع ابنها المكتئب نفسيا في مقهى عام. هي في التسعينات من عمرها وهو في بداية عقده السابع، لا يعرفان كيف يتواصلان، ليَّحِل الصمت المربك على ذلك اللقاء الأخير.

يتعاظم دور المخرج كفرد من العائلة تدريجيا في فيلمه التسجيلي، هو الذي لم يتأثر بشكل مباشر من حضور أو غياب "ماريان"، سينزلق في النهاية إلى مساءلة الماضي الذي سبق ولادته وإلى السنوات القليلة التي عاشها هو نفسه في جنوب إفريقيا عندما كان صبياً، ليبدأ بمحاسبة جَدّته على ما اقترفته في حياتها بحق أبناءها. يربط المخرج الشاب بين مشاهد المواجهات والحوارات بمجموعة من المشاهد المتأمِّلة، فيصور في مشاهد طويلة مبتكرة رائعة، طلّات بحرية من جهتين مختلفتين من العالم (هولندا وجنوب إفريقيا)، لتمنح تلك المشاهد بسكونها وانفتاحها على أُفق واسع غامض، الفرصة للمشاهد للتأمل بحال العائلة، والخسارات التي عانتها، والألّم الذي مازالت تنوء تحته.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان