"باولينا".. دراما تسير عكس المألوف

أمير العمري

عُرض فيلم "باولينا" Paulina الأرجنتيني، وهو الفيلم الثاني للمخرج "سانتياغو ميتر"، في مهرجان لندن السينمائي، وكان قد عُرض ضمن أسبوع النقاد في مهرجان "كان" حيث حصل على جائزته الكبرى (وقيمتها عشرة آلاف يورو). وكما جاء في العناوين، الفيلم مقتبس من الفيلم الأرجنتيني القديم الشهير "العصابة" (1960) La Patota الذي يُصوِّر كيف أصرت معلمة شابة تعرّضت للاغتصاب من جانب مجموعة من طلابها، على التسامح والغفران وعدم مواجهة العنف بالعنف كمسألة مبدأ. هذا الموقف "السلبي" أو "المسالم" كان دون شك، يقوم على فكرة الغفران الدينية، التي تصل إلى حد القبول بالقسوة والظلم ومع ذلك، رفض توقيع أي عقوبة على من ارتكبوا الجرم!
في الفيلم الجديد الذي يأتي بعد 55 عاما من الفيلم القديم، يستبدل المخرج الذي شارك في كتابة السيناريو مع "ماريانو ليناس"، الموقف الديني بالموقف السياسي، فيجعل منطلق التسامح عند بطلته يقوم على فكرة رفض مفهوم العدالة البرجوازية.

بطلة الفيلم "باولينا" هي شابة مثقفة تلقّت تعليما راقيا وحصلت على شهادة عليا في القانون، وهي توشك أن تصبح قاضية ذات شأن في المجتمع، ربّاها والدها وهو قاضٍ مرموق، على احترام العدالة، ولكنها تجلس في بداية الفيلم، في مواجهته داخل غرفة مكتبه، في مشهد يستغرق خمس دقائق، مصور بكاميرا تتخذ زاوية منخفضة قليلا وتتحرك بحيث تحصر الشخصية داخل لقطة كبيرة قريبة Close up طيلة الوقت، تقطع الرتابة بحركتها الدودية المستمرة التي  تلتف حول باولينا تارة، وحول والدها تارة أخرى، قبل أن تنفرج زاوية التصوير لتحيط بالمكان في لقطة عامة، وهو أسلوب في التصوير ينقل لنا الإحساس بالقلق والتوتر والاضطراب لدى كل من الأب والإبنة.. فباولينا تريد أن تتخلّى عن الوظيفة المرموقة التي تنتظرها في مجال القضاء بالعاصمة، وتُفضِّل الذهاب الى أقاصي البلاد، لكي تقوم بالتدريس لأبناء قرية فقيرة، فهي كفتاة نشأت في بيئة فكرية يسارية، تنحاز تلقائيا للفقراء والبسطاء، وتريد أن تلعب دورا مباشرا في تعليمهم ونقل الوعي الطبقي إليهم كوسيلة أساسية في مقاومة الظلم والتهميش الواقع عليهم. وهي تلوم على والدها تخلِّيه عن مبادئه اليسارية القديمة والتحاقه بنظام قضائي تراه ظالما بالضرورة ومنحازا للطبقة الحاكمة.

إعلان

رغم قلقه الشديد عليها يرضخ الأب لما تريده ابنته التي تذهب فعلا إلى تلك المنطقة النائية، لتدريس السياسة وحقوق الإنسان لطلاب من المراهقين، تحاول أن تنقل إليهم فكرة أنهم يجب أن يدركوا أن الأرجنتين قد تخلصت من الديكتاتورية وأصبحت الآن دولة يمقراطية، وأصبح يتعين عليهم أن يفهموا حقوقهم جيدا ويتمسكون بها.
ولكنها وهي المثالية القادمة من العاصمة، التي تتشبّث بمفاهيم نظرية ولم يسبق لها خوض تجربة عملية في الحياة بعد، لا تعرف طبيعة المنطقة ولا أهلها، ولا يمكنها فهم تجذّر قيم أخرى لا يصلح لتغييرها إلقاء محاضرة أو اثنتين عن حقوق الإنسان.

إنها تواجَه أولا بسخرية وتحدّ من جانب طلابها الذين يحاولون إثبات أنها تتشدق بالشعارات فقط، دون أن تملك القدرة على تطبيقها، فهي تقول لهم إنها لا تفرض عليهم شيئا، وأن وجودهم في الفصل هو اختيارهم الحر، ومن حقهم أن يتركوا الدرس ويخرجوا إذا شاءوا.. فنراهم يغادرون بالفعل في أول تحدٍّ لها، وفي الدرس الثاني يتساءلون عن الديمقراطية التي تسمح لباولينا في أن تضع هي القواعد وتريد فرضها عليهم كطلاب في الفصل، ولماذا لا يشتركون جميعا في وضع القواعد!

الاغتصاب
هذا التحدي النظري يُمهِّد بالطبع لما سيقع بعد ذلك عندما تتعرض المعلمة الحسناء وهي تقود سيارتها في الليل بين الحقول، للاغتصاب من قبل عامل في أحد المصانع القريبة، ويدعى "سيرو" بينما يشاهد ما يحدث مجموعة من الطلاب ويشجعونه، في مشهد ليلي مصور من زاوية بعيدة، بحيث لا نعرف بالضبط هل تم اغتصاب باولينا دون أن يدرك "سيرو"، وهو الوحيد من خارج طلاب فصلها، أنها المعلمة باولينا، أم فتاته السابقة "فيفي" التي تخلت عنه وطردته فاعتزم الانتقام منها!
سيتطور الأمر ويصل إلى مستوى آخر من التأزُّم عندما تعلم باولينا بحملها سفاحا، بعد اغتصابها، ولكنها تصرّ على التمسُّك بالجنين رغم اعتراض واشمئزاز الجميع ورفضهم بمن فيهم والدها الذي يحضر خصيصا لإثنائها عن قرارها ومناقشتها في مغزاه ومحاولة فهم دوافعها لذلك، وكذلك خطيبها الذي يضطّر للتخلِّي عنها رغم حبه لها بعد أن يعجز عن فهم رغبتها في الاحتفاظ بطفل سيأتي نتيجة الاغتصاب!

باولينا ترفض حتى بعد أن تقبض الشرطة على مرتكبي الحادث، أن تشهد ضد مغتصبها، فهي ترى، وهو ما تُردّده على مسامع والدها، أنه عندما يتعلق الأمر بالفقراء فنظام العدالة لا يريد الحقيقة بل يريد المذنب، ولا يسعى لتحقيق العدالة بل إنزال العقاب. وهي تذهب لمقابلة المذنب قبل القبض عليه، لكي تنقل إليه أنها تسامحه وتفهم خطأه ودوافعه، وهو موقف يصيب الكثيرين خاصة صديقتها الحميمة، بالصدمة والاستغراب.

ولكن براعة السيناريو أنه يقف على مسافة واحدة من الشخصيات الرئيسية جميعا: باولينا، والدها القاضي، خطيبها، صديقتها، فمن الممكن أن يضع المتفرح نفسه مكان أي من هذه الشخصيات، لينظر إلى الأمر من زاويته الشخصية. هل هناك وجهة نظر لدى باولينا يمكن أن تدفعنا إلى إعادة النظر في مفهومنا للعدالة في مجتمع فقير يتصّف بالتمايز الطبقي؟ وهل حقا ترتبط العدالة بالعنف، وهل تكمن المسؤولية في الظرف الاجتماعي أم في شرّ داخلي متأصِّل، وهل كانت الشرطة ستتصرف كما تصرفت لو كان المعتدي من طبقة أعلى؟

إعلان

ملاحظات
يكشف الفيلم في أكثر من مشهد، الكثير من ممارسات الشرطة القمعية التي تتجاوز كثيرا القانون، وكيف أن القاضي نفسه في غمرة اندفاعه للانتقام لابنته، يوافق أيضا على تلك التجاوزات، متغافلا عما كان يدافع عنه بدعوى أن العدالة عمياء ويجب أن تظل عمياء، وأنه لا شك في كون المذنب مذنبا. ولكن لاشك أيضا أن الكثير من المشاهدين سيقفون عاجزين عن فهم مبررات "باولينا" في اتخاذ موقف يجعلها تتخلّى عن معاقبة المخطيء، والاحتفاظ بالطفل بدعوى أنه كائن إنساني لا ذنب له، كما أن موقفها هذا سيكون صادما بالنسبة للكثيرين ممن يرون أن الاغتصاب جريمة يجب أن تلقى أقصى درجات العقاب.

من الجوانب الفنية التي تجعل الكثير من المشاهد تبدو أمام المشاهدين مضطربة متداخلة، يصعب متابعتها، أسلوب الإخراج الذي يعتمد على الانتقال بين الحاضر والماضي دون تمهيد، أي رواية الأحداث بطريقة الاسترجاع، فهو يُصوِّر أولا مشهد الاغتصاب ثم يعود ليروي ما سبقه من أحداث ليرتدّ بعد ذلك لتصوير ما أعقبه من تداعيات مثل تعرُّض باولينا للاستجوب من قبل الشرطة، ثم من جانب الطب الشرعي والطب النفسي، ومحامية متخصصة في قضايا الاغتصاب هي التي تروي لها باولينا ما حدث، من خلال أسلوب متعرج يفقد الفيلم الكثير من التفاصيل، كما تبدو الإضاءة المعتمة حاجزا يعيق استقبال الحدث كما ينبغي، بالإضافة إلى غياب الضرورة الدرامية التي تفرض اتبّاع هذا الانتقال المتعرج بين الماضي والحاضر، وأحيانا الماضي من داخل الماضي. ولكن لعل ما يبقي الفيلم مثيرا للاهتمام إلى النهاية، هو الأداء البديع لبطلته الممثلة "دولوريس فونزي".

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان