"أيام قرطاج السينمائية": أحلام من الماضي

وسيم القربي

تستعدّ العاصمة التونسية لاحتضان الدورة 26 لأيام قرطاج السينمائية في الفترة الممتدة بين 21 و28 نوفمبر وسط إجراءات أمنية مشدّدة بسبب الأحداث التي تعيشها تونس بين الفينة والأخرى. غير أنّ الجمهور المتعطّش لهذا المهرجان العريق ينتظر بحُرقة وشوق الدخول إلى القاعات المظلمة والانتشاء بأنوار الأفلام القادمة من عدة أنحاء من العالم والتي سيناهز عددها حوالي 500 فيلم.
أيام قرطاج السينمائية هي احتفاء بالسينما، على اعتبار أنّ الثقافة اليوم من الاحتياجات الملحّة لتغيير الصورة خاصة بعد قرار سلطة الإشراف أن يصبح هذا المهرجان سنويا.
أيام قرطاج السينمائية: نحلم، نتحاور ونتقدّم
تحت شعار "نحلم، نتحاور ونتقدّم"، تنعقد هذه الدورة التي ستجعل مهرجان أيام قرطاج السينمائية سنويا بعد أن كان يُقام كل سنتين، ويأتي هذا القرار من أجل تدعيم هذه التظاهرة للحضور السينمائي في تونس وجعلها بمثابة نافذة سينمائية. وقد أكّد المدير الجديد للمهرجان السينمائي إبراهيم اللطيف أنّ "هذه الدورة لأقدم مهرجان للفيلم العربي والإفريقي ستسعى إلى تأكيد الهوية التي اعتمدها الآباء المؤسّسون لهذا المهرجان، وإلى الاسترشاد بها على مستوى البرمجة والسياسات".
ويفتتح المهرجان الفيلم الأثيوبي "الحمل" للمخرج يارد زيليكي الذي يروي قصة الطفل إفرائيم الذي تموت أمه بسبب المجاعة في التلال الأثيوبية فيرسله والده إثر ذلك صحبة شاته "شوني" إلى أهله في منطقة أخرى غير أنه لم يستطع التأقلم مع محيطه الجديد ليقوم بالتالي للتخطيط للهروب والعودة إلى موطنه. والجدير بالذكر أنّ هذا الفيلم يعتبر أول فيلم أثيوبي شارك في مهرجان "كان" السينمائي ضمن قسم "نظرة ما".
من ناحية أخرى اختارت هيئة المهرجان مجموعة من الأسماء البارزة لعضوية لجنة التحكيم حيث تتكون لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة والقصيرة من الناقد والمدير السابق للمركز السينمائي المغربي نورالدين الصايل كرئيس، وتضمّ في عضويتها كلا من ليلى شهيد سفيرة دولة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي، والمخرجة الشيلية مارسيلا سعيد، والتونسية سعيدة البراق المختصّة في السياسات الدولية والاتصال لدى المنظمة الدولية للفرنكفونية، والمخرج النيجيري نيوتن أدواكا، والمخرج المصري أسامة فوزي، والممثل الفرنسي ابال الجفري.
وتشارك في مسابقة الأفلام الطويلة مجموعة من الأفلام التي ستصنع الفرجة على غرار الفيلم المالي "بيتنا" للمخرج سليمان سيسي، وفيلم "مدام كوراج" للمخرج الجزائري مرزاق علواش الذي يروي قصة لطفل من الهامش في الأحياء القصديرية لمدينة مستغانم الجزائرية. بالإضافة إلى العديد من الأفلام التونسية لفارس نعناع وليلى بوزيد ومختار العجيمي والمصرية مثل فيلم "قدرات غير عادية" لداوود عبد السيد وأفلام من جنوب إفريقيا ولبنان والعراق وفلسطين، سيتمّ عرض الفيلم المغربي المثير للجدل "الزين اللي فيك" لنبيل عيوش لأول مرة في قاعات السينما العربية خاصة بعد الاعتداء الجسدي منذ أيام على الممثلة الرئيسية للفيلم "لبنى أبيضار" في الدار البيضاء.
أما في مسابقة الأفلام القصيرة فتشارك البحرين بفيلم "بيك آب" للمخرج صالح ناص، ومن الليسوتو فيلم "موسونغا، فتاة السخرية"، كما تشارك أفلام من الجزائر وغانا والمغرب والسينغال وبوركينا فاسو ومصر والفيلم التونسي لهند بوجمعة "فتزوج روميو جولييت" المتوّج في مهرجان دبي السينمائي 2014
مسابقة الأفلام الوثائقية: انتظارات حالمة
يترأس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الوثائقية الإيطالي الأرجنتيني دانييلي إنكالكاتيرا، ويشارك في عضوية هذه اللجنة كلّ من المسرحي الجنوب إفريقي رمضان سليمان والمخرجة الجزائرية المهتمّة بالوثائقي حبيبة جهنين، والكاتبة اللبنانية سحر مندور والفنان الكاريكاتوري التونسي "زاد".
يشارك في مسابقة الأفلام الوثائقية 16 فيلما، حيث سيعرض الفيلم اللبناني "ثمانية وعشرون ليلا وبيت من الشعر" للمخرج أكرم زعتري الذي يعود بنا إلى عالم الصورة الفوتوغرافية في لبنان في مراوحة بين عشرينيات القرن الماضي والحاضر، في ما يتناول الفيلم الوثائقي التونسي "احرق لبحر" لمكي برباش وناتالي نانبو موضوع الهجرة السرية إلى أوروبا وعنف الواقع. كما تشارك سوريا بفيلم "كوما" للمخرجة سارة فتاحي، وتشارك العراق بفيلم "وطن العراق عام صفر" لعباس فاضل حيث يدوم الشريط 334 دقيقة. كما نجد في هذه المسابقة الفيلم الفلسطيني "أنا مع العروسة"، والفيلم المصري "برا فى الشارع" والفيلم الأردني "المجلس" والفيلم المغربي "الطريق ديال الخبز"، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الأفلام من لبنان وسوريا وفلسطين وجنوب إفريقيا وبوركينا فاسو.
تعتبر الأفلام الوثائقية في هذه الدورة أفقا واعدا لاكتشاف الإنتاجات الوثائقية الجديدة، بالإضافة إلى فقرات أخرى متعددة في هذه الدورة.
أحلام من الماضي
بالإضافة إلى مسابقات الأفلام الطويلة والقصيرة والوثائقية، ارتأت الجهة المنظمة إدراج المسابقة الرسمية للعمل الأول التي يرأسها المخرج الجزائري إلياس سالم، ومسابقة قرطاج السينما الواعدة التي يرأسها المخرج التونسي نجيب بلقاضي، هذا بالإضافة إلى إسناد مجموعة من الجوائز الموازية من طرف بعض المنظمات.
كما ينظم المهرجان مجموعة من العروض لسينما العالم وقسم السينمات الضيفة وقسم أقاليم جديدة وقسم العروض الخاصة وبانوراما السينما التونسية، وسيتم تنظيم مجموعة من الندوات التي تهتم بالأدب والسينما ودروس للمحترفين، وسيتم تكريم مجموعة من الوجوه البارزة في السينما على غرار المخرج البرتغالي إيمانويل أوليفيرا والتونسي النوري بوزيد والجزائرية آسيا جبار والراحل الحبيب المسروقي ونساء من السينما المصرية.
كما سيتم إقامة عروض بالعديد من الجهات التونسية من أجل السعي نحو تقريب السينما للجمهور المحلي بالإضافة إلى العروض في تونس العاصمة والتي ستقام في حوالي 20 قاعة سينمائية ومن المتوقع أن يبلغ عدد التذاكر حوالي 200 ألف تذكرة باعتبار أنّ الرافد الأساسي لهذا المهرجان العريق هو الحضور الجماهيري التلقائي المميز.
أيام قرطاج السينمائية هي مراسم احتفاء بالسينما وسعي للعودة إلى أيام الزمن الجميل بالرغم من عدم وجاهة العديد من التوجهات التي تهمّ المهرجان مثل إقصاء مجموعة من مثقفي تونس والتخمة الفيلمية وعشوائية الخطّ الفكري للمهرجان، وأخرى توجهات للثقافة عموما بشكل يفتح العديد من التأويلات في التسيير الثقافي في ظلّ غياب مشروع وطني حقيقي ومحاولة الاقتداء بالأسلاف دون اتبّاع منهجية واضحة.
تبقى نسمات أيام قرطاج السينمائية ذات طابع خاص في ظلّ انحدار قيمة المهرجان على المستوى الدولي، حيث لا يكفي التنظيم الجيد في إشعاع المهرجان واستعادة مكانته الحقيقية حتى وإن كان ملصق المهرجان يحتوي على صور الرواد والمؤسسّين ! أيام قرطاج هي حلم.. من الماضي.. إلى أن تتوضح الرؤى ونستعيد الرؤية.