شغف الأعماق

قيس قاسم

"لا مُسمّى للقلق" و"تحدّي الأعماق".. وثائقيان عن البحر وعن شغف الإنسان به والرغبة الدائمة في اكتشاف أعماقه. كلاهما النرويجي والأمريكي اصطحبنا معه في رحلة خاصة إلى العالم الأزرق الغامض، فلا أحد في النهاية مثل السينما قادر على تقريبنا إليه ومشاهدة تفاصيله المجهولة، رغم الصعاب وشدة التحديات التي واجهها السينمائيون المقدامون في مغامرتهم الإبداعية تلك.
الاثنان تناولا البحر من زاوية مختلفة إلا أنهما اشتركا في حبهما له والانبهار بسحر عوالمه والرغبة الواعية في مناقشة صلتنا الأزلية به كما اقترحها الأمريكي جون برونو في "ديبسي تشالنج" الذي راح ومن خلال نص مدهش سطرّه كاتب السيناريو جون جارفين يُجسِّد جانباً من حياة المخرج الفذ جيمس كاميرون صاحب الأعمال الكبيرة، مثل: "أفاتار"، "تيرميناتور"، "ألينس"، "تيتانيك" وغيرها، يتعلق بنصفه الثاني غير السينمائي؛ بوصفه عالِماً وباحثاً، وانعكاس ذلك الميل العِلمي لديه، وربما غير المعروف كفاية، على منجزه السينمائي الثري وشديد الصلة بالعوالم الفانتازية والأقرب في مجمله إلى الخيال العلمي كنوع سينمائي. في نفس الوقت كان فيه المخرج النرويجي رونار يارل ويك يبحر إلى جزر ميرغوي قبالة الساحل التايلاندي ليقابل بقايا شعب الموكين المهددة ثقافته البحرية بالزوال التام، ليوثقّها ثم يعيد صياغتها بلغة سينمائية شاعرية مرهفة جعلت من نصّه كتاباً مفتوحاً في ثقافات شعوب تنفصل عن حاضنتها المائية بصمت ودون أن تجلب انتباه العالم إلى موتها التراجيدي.
يظهر المخرج جيمس كاميرون في مفتتح DEEPSEA CHALLENGE، منشغلاً مع فريق عمله في تصميم وبناء غواصة بحرية حديثة يريد الغوص بها إلى أقصى نقطة من أعماق المحيط حيث (المغارات الستة) التي لم يصل إليها كائن من قبل.
أولى علامات انفصال السينمائي عن العالم يتجلى في كتابة اسمه ولقبه على الشريط أثناء تصويره: (جيمس كاميرون.. باحث ومستشار قناة ناشيونال جيوغرافيك). وحتى لا تدوم حالة الانفصال تلك طيلة زمن الفيلم، سيضيف صاحبه ومساعديه جرعات قليلة من الجوانب الشخصية ليقارب بها بين ما نعرفه عنه كمخرج سينمائي وبين حياته ودراسته العلمية، وفي مستويات أخرى، أكثر عمقاً، سيربط لاحقاُ فيها بين العالم وتطبيقات معرفته العلمية على شغله السينمائي.

يحاول الوثائقي رسم بورتريه أولي لكاميرون، فيتوقف عند دراسته مثل والده لعلم الفيزياء ومثابرته على العمل به إلى جانب السينما. ظل حلمه الأكبر صناعة آلة يمكنها الوصول إلى أعماق البحر وتصوير ما لم يشاهده البشر من قبل. عشقه للبحر دفعه في صباه إلى صناعة نماذج لقوارب من ورق تحاكي الغواصات، وتصوَّر نفسه على الدوام قائداً لها. مشاريع طفولته "الورقية" ستغدو في صباه واقعاً وستكرس رؤياه العميقة لما كان يصبو الوصول إليه. لقد نجح في بناء غواصات صغيرة عالية التقنية سيستخدمها لاحقاً في أبحاثه وأفلامه.
رحلة غواصة كاميرون إلى الأعماق وتسجيل تفاصيلها ستُخلي تقريباً "ديبسي تشالنج" المنفذ بنظام 3Dمن القصص المثيرة، لأن تركيزه كان منصباً على توثيق مغامرة بطله كما هي، بكل تفاصيلها وبوصفها محاولة واعية لفهم العالم المحيط بنا وتوسيع معارفنا حوله.
كان صاحب المنجز الرائع يدرك أن الأهم في فيلمه هو نقل العالم الأزرق والمعتم الخفي وبكل سحره إلى الجمهور وليس سرد الحكايات المثيرة. فالتجربة تحمل إثارتها بداخلها كما تكتسب جمالياتها من روعة المشاهد المصورَّة في أعماق المحيط بكاميرات صُنعت لهذا الغرض.
تأثره بالباحث في علم البحار جاك بيكار كان واضحاً عليه، ورغبته في الوصول إلى مسافة أعمق مما وصلت إليه غواصاته قبل نصف قرن ستدفع كاميرون للمغامرة الجديدة، وفي نفس الوقت ستُظهر ما سجلّته رحلاته على أشرطة الفيديو وبثت تلفزيونياً مقدار تأثُّر المخرج الألمعي بالكاميرا وعطاءاتها السخية.
بالتدريج سيربط الوثائقي كل منجز علمي لبطله بفيلم قام بإخراجه؛ مثل The Abyss عندما سجل لنفسه فيه سبقاً سينمائياً تمثّل بقيامه عام 1988 بتسجل أول حوار مباشر تحت الماء في تاريخ السينما الروائية. لقد أدرك بموهبته المزدوجة التداخل الشديد بين العلم والخيال وهذا ما تجسّد خلال تجربته في "تيتانيك" 1997، حين راح يغوص بغواصته الخاصة ولأكثر من خمس سنوات متقطعة بالقرب من حطام السفينة الغريقة. رؤيتها بعينيه راسية في القاع سهلّت عليه تقديم تصور واضح لها، تجسّد في فيلم رائع يُعدّ من بين أشهر الأفلام العالمية.
نفس الشيء حدث مع "أفاتار" 2005، حين كرّس لدراسته أعواماً، قارب خلالها منجزه السينمائي بين قوة العلم والتصور الخيالي لعوالم مجهولة وبعيدة. يتوقف "ديبسي تشالنج" مطولاً أمام تجاربة الوثائقية التي استخدم ذات المباديء فيها؛ أي الدراسة العلمية والصياغة البصرية الجمالية، إلى درجة ستدفعه للتصريح أمام عدسة الكاميرا بحيّرته في التعريف بنفسه: هل أنا عالم أمارس الفن أم فنان يشتغل في العلوم؟ هذا السؤال سيظلّ مرافقاً للوثائقي في رحلته إلى أعماق المجهول بصحبة مخرج سينمائي يقود غواصته بنفسه ليصل بها إلى أقصى نقطة خطّط الوصول إليها. أكثر ما يثير في الفيلم قوة وتماسك شخصيته الرئيسية وقدرته على التقاط أجمل وأغرب ما هو موجود في أعماق البحار والمحيطات.
رحلتنا مع "ديبسي تشالنج" تعجز الكلمات عن وصفها لأنها كُتبت أصلاً بالصورة، حتى حياته فقد تم توثيق تفاصيلها بكم رائع من التسجيلات القديمة (الفيديو الشخصي) وبإعادة تمثيل مشاهد شارك فيها أفراداً من عائلته وأصدقاء له من بينهم مساعد المخرج أندرو وايت (تُوفي بعد سقوط طائرته الهليكوبتر في مياه البحر أثناء التصوير) فأهدى صاحب العمل فيلمه إليه، كما أهدى كاميرون منجزه العلمي إلى البشرية كلها وأراد من خلاله تنبيهها إلى أهمية معرفة المزيد عن عالم البحار وكشف أسرارها وإدراك أسباب الكوراث المريعة التي تسببها مثل، تسونامي، وغيرها من تحولاته الغامضة التي مازال المخرج/العالم منكباً على دراستها، ويريد توثيقها مستقبلاً في أفلام تسجيلية أو روائية مُشبعّة بروح الفنان المدرك لمسؤوليته الأخلاقية.
تماماً مثل زميله النرويجي رونار يارل ويك، الذي حاول في وثائقيه No Word for Worry إعادة كتابة تاريخ أقوام بشرية مهددة ثقافتها بالزوال بلغة بصرية مذهلة.
الموت اختناقاً خارج البحر

الشعور بالاختناق ينتقل إلى المشاهد خلال الخمس دقائق الأولى من الشريط الوثائقي النرويجي التايلاندي البورمي المشترك، وهو يصور شاباً من قبائل الموكين كان يغوص برشاقة في أعماق البحر باحثاً عن صيد يسدّ به جوعه دون أن يستنشق الهواء ولا يستخدم أجهزة تأمين الأوكسجين الصناعي. قدرة نادرة على تحمُّل حبس الأنفاس توراثتها أجيال عبر حقب تاريخية طويلة اعتمد فيها الرُحّل البحريين على الصيد غطساً، والتي جعلت منهم جزءاً لا ينفصل من المياه التي يعيشون في قوارب فوقها.
المشاهد المصورّة في أعماق المياه، واحدة من أجمل مميزات الفيلم، وعدم كشف تفاصيل الجوانب الإشكالية في علاقة السكان الأصليين بالسلطات الحكومية التايلاندية مباشرة عنصر غموضه وتفرّده، عن بقية الوثائقيات التي تناولت الحياة في تلك الجزر من جانب سياحي دعائي في الغالب أو قُدِّمت بصيغ ريبورتاجات تلفزيونية أشار بعضها إلى تأثير الحياة المعاصرة سلباً عليهم. المعضلة الأساسية لشعب الموكين تتمثّل في صعوبة بناءهم قوارب "الكابانغ". القوارب/ البيوت التي يقيمون فيها ويتنقّلون عبرها من منطقة إلى أخرى بما يشبه الخيام عند البدو، ما يهدد أسلوب عيشهم بالكامل.
لرسم العلاقة المتشابكة بين أهالي الجزر/ القوارب العائمة والطبيعة المحيطة، بهم يترك الوثائقي لكاميرته حرية كافية لتسجيل تفاصيل عيشهم في البحر والتأقلم مع شروطه إلى درجة يبدون فيها لنا وكأنهم أسماكاً بشرية أقرب في انتمائهم الوجودي إلى البحر منه إلى الأرض. دون أدنى مبالغة يعد تصوير "لا مفردة للقلق" واحداً من أبدع التجارب السينمائية وأكثرها نجاحاً في تقديم عوالم البحر بأحلى تجليّاتها البصرية.
يترك الوثائقي لآخر سكان موكين حرية التعبير عن نفسه وعبر كلامه المختصر تتشكّل لدينا صورة عن حياتهم وثقافتهم ومن بينها أن لغتهم ليس فيها كلمة تقابل كلمة "قلق" عندنا كما أنهم لا يشكرون بعضهم عند تقديم المساعدة وكأن مساعدة الغير واجب أخلاقي تفرضه الحياة وتشترطه فعلاً للبقاء.

خصائص الشعب البحري المتنقل فيها ما يجعل من فكرة تناولها وثائقياً مشروعاً سينمائياً ناجحاً، على الورق في أقل تقدير، لكن الغوص في التفاصيل والشروع في تصوير حياة يومية تنقضي تحت وفوق المياة الواسعة يغدو مغامرة محفوفة بالمخاطر فنياً، ويصبح الإمساك بها مهمة تحتاج إلى رؤية ومهارة عميقتين.
تدفع ظروف العيش القاهرة بسبب منع السلطات التايلاندية قطع الأخشاب من الجزر المنتشرة في البحر والمستخدمة في بناء القوارب وعدم جمع المحار من السواحل الشاب هوك للعمل على اليابسة. رحلته من البحر إلى البرّ تُظهر التمييز غير المفهوم الذي يتعرضون إليه وحجم الاستغلال لقوتهم من قبل أصحاب المشاريع التجارية.
يوميات عمله يقدمها الوثائقي بإيجاز: كدح طيلة أيام الأسبوع مقابل مبالغ زهيدة بالكاد توفر لقمة العيش واشتراطات قاسية تحيل حياتهم إلى جحيم، وهي نفسها التي ستدفع الشاب الموكيني لمغادرة كورابوري والمضي للسؤال عما يساعده في شراء ألواح خشبية من بورما المجاورة وليس من البلد الذي يفترض به أن يساعدهم في عيشهم.
تجواله سراً في مياه البحر وصولاً إلى بورما لم تفلح فعاد إلى تايلاند بعد أن قابل قلة من سكان شعبه ما زالوا يعيشون هناك، وقد انقطعوا بالكامل عن ثقافتهم وموروثهم الغني المنسجم مع الطبيعة.
إحساسه وبقية أبناء شعبه باليأس يتوج في مشهد نهائي يظهر فيه بيت والده وبجانبه شجرة عمرها أكثر من نصف قرن، قطع آلاف الكيلومترات بحثاً عن أخشاب لبناء بيته لكنه يعجز عن توفيرها لنفسه من تلك الشجرة التي منعت السلطات التايلاندية عنهم استثمارها بتوازن غريزي، فهؤلاء لا يبيعون ما يصيدون ولا يتاجرون بما يملكون.
يعيشون يومهم ولا يعرفون في قاموسهم كلمة "مستقبل" ومع هذا يجدون أنفسهم محاصرين بقوانين جائرة كشف الوثائقي عن بطلانها لأن السلطات التايلاندية قد سمحت، ومنذ تسونامي الأخير، لقبائل شعب الموكين باستثمار واستخدام مصادرهم الطبيعية ولكنها وحتى اللحظة التي أغلق فيها الوثائقي عدسته مازالت تحرمهم من ذلك الحق الطبيعي، وبذلك تعرضهم وموروثهم إلى الزوال الكامل.