"توك.. توك": العيش بأي ثمن!

أمير العمري

يُصوِّر المخرج المصري الشاب "روماني سعد" في فيلمه الوثائقي الطويل "توك توك" (75 دقيقة)، جانبا مثيرا من حياة المصريين الفقراء، سكان الأحياء الهامشية العشوائية، الذين يتحايلون من أجل البقاء على قيد الحياة. وهو يُركِّز على شريحة من الذين يتعاملون مع "التوك.. توك" أي تلك المركبات البدائية التي تعتبر تحويرا لفكرة الدراجة النارية، وتحايلا يسمح لها بأن تنقل عددا محدودا من الركاب، وهي عربات منتشرة كثيرا في الهند، قام الكثير من التجار باستيرادها إلى مصر منذ سنوات، وبيعها لتصبح البديل الأرخص للنقل العام، تسير في شوارع وحارات الأحياء الشعبية في القاهرة، دون الحصول على تراخيص رسمية، يقودها الأطفال والمراهقين تحت السن القانوني، في مخالفة واضحة للقانون.. ولكن قانون الحياة هنا هو الأكثر قوة وثباتا ومقاومة من قوانين الدولة.
تحديد المحيط
يبدأ الفيلم بلقطات عامة من زاوية مرتفعة، لبعض شوارع مدينة القاهرة التي تزدحم بالسيارات، ثم تتوقف الكاميرا أمام تجمع أو "موقف" لعربات التوك توك، تطل الكاميرا عليها في موقعها بأحد الأحياء الشعبية المزدحمة بالسكان .. نشاهد أناسا يهبطون من تلك المركبات التي لا تتمتع بأي شرط من شروط الأمان، وآخرين يركبون بصعوبة، من العجائز وشبه العاجزين .. والبعض الآخر ينتظر دوره، أحدهم يتناول كوبا من الماء، وآخر يشتري بعض أرغفة الخبز من بائع شاب فوق الرصيف، ومع الاختفاء التدريجي تظهر شاشة سوداء وينزل عنوان الفيلم.
من البداية إذن، يُحدِّد المخرج اختياره، فهو سيبقى داخل هذه البيئة الشعبية الفقيرة، يبحث وينقب ويتوقف أمام مجموعة من "أطفال التوك توك" أولئك السائقين الصغار، إجابات للكثير من التساؤلات: ما الذي يدفع هؤلاء الصغار إلى هذا العمل؟ لماذا تركوا التعليم؟ ما دور الأسر التي ينتمون إليها؟ هل تعرضوا لضغوط من جانب الأهل؟ ما موقف الناس في الشارع من التوك توك ومن هؤلاء السائقين الصغار؟ ما هي المشاكل التي تواجه هؤلاء الأطفال خلال رحلاتهم اليومية المستمرة؟ وما هي أحلامهم وآمالهم؟
تنساب مشاهد الفيلم في إيقاع متدفّق، يجعلنا نرى سيارات التوك توك في حركتها، وكيف يسيطر عليه هؤلاء الصغار وسط زحام السيارات، ولكننا نراهم أيضا في مرحهم ولهوهم ومشاجراتهم الصغيرة، ونستمع إلى ما يروونه من قصص طريفة ومن مواقف تعرّضوا لها وتمكنّوا بفضل ما يتمتعون به من ذكاء فطري، من التغلُّب عليها. فكرة واحدة تتكرر في أحاديث الصغار وتعليقات آبائهم: سيادة العنف في الشارع.. والدفاع عن النفس بالعنف، وأنه لولا اللجوء للعنف المضاد مع غياب أي وجود حقيقي للشرطة أو فسادها، لما أمكن لأحد منهم البقاء على قيد الحياة!
الأبطال الصغار

بعد العناوين يقدم المخرج لنا "أبطال" فيلمه، أو الشخصيات الثلاث لأطفال التوك توك وهم في حالة عمل، أي أثناء قيادة مركباتهم الهزيلة وسط زحام الشوارع. بعد ذلك يُقسِّم فيلمه إلى ثلاثة أقسام، تحمل ثلاثة عناوين هي "مش أول يوم" أي "ليس اليوم الأول"، و"يوم عادي"، و"مش آخر يوم" أي ليس آخر يوم. والحقيقة أن العناوين هنا لا تعني تقسيم خاص في بناء الفيلم بقدر ما تعني أن حياة هؤلاء الصغار تسير على نمط واحد لا يتغير مهما تغيرت الأيام، أي أن أيامهم تتشابه.
يبدأ الفيلم بالطفل "شهاب" (يطلقون عليه بيكا)، وهو يروي كيف تعلم قيادة التوك توك من صديق له ثم اقتنعت والدته بالفكرة فحصلت على قرض من البنك واشترت إحدى هذه المركبات لكي يقودها هو لمساعدة الأسرة الفقيرة ماديا. وظلّ يتعين عليها أن تُسدِّد الأقساط المرهقة الشهرية من حصيلة دخل التوك توك. والد شهاب كهربائي، ولديه ثلاثة أشقاء، الأول يعمل في تشييد الأسقف المعلقّة، والثاني يقول إنه "شيخ" ويعمل في بيع الدجاج، والثالث يتبادل معه العمل في قيادة التوك توك. أما شقيقته فهي مازالت صغيرة. الكاميرا تتجه وراءه، إلى المنزل الذي يقطنه مع أسرته.. تروي الأم كيف أن ابنها الأكبر كان يقود مركبة توك توك من قبل لكنه تعرض للاعتداء ممن شقّوا رأسه، واقتضى الأمر 40 غرزة لغلق الجرح الناتج عن ذلك الاعتداء في رأسه.
تتحرك الكاميرا بذكاء لتطلعنا على تفاصيل المكان الشيق الفقير، وتلتقط عبر الحارة لقطة لشرفة الجيران المقابلة وفيها يقف البطلان الآخران لفيلمنا: "عبد الله" (12 سنة) وشقيقه "حازم" الذي يطلقون عليه "شارون" بسبب مشاغباته (16 سنة) .. سنعرف فيما بعد أن هذه الشقة الضيقة تقيم فيها شقيقة الأم مع أولادها، كما انتقل للعيش فيها والدها العجوز الذي تقول أنه تزوج 6 أو 7 مرات، وأنجب الكثير من الأبناء والبنات بلغ عددهم 26 لم يبق منهم سوى 18 فردا!!
يرصد الفيلم بوضوح أن أحد أسباب التدهور الاجتماعي والفقر المنتشر في الأحياء الهامشية يعود في جزء كبير منه، إلى كثرة الإنجاب دون توفّر القدرة المادية. وسيتوقف أيضا أمام فكرة إرغام الأطفال على العمل، وفي الوقت نفسه، الحاجة إلى تشغيلهم في هذا العمل الذي لا يقتضي مهارات خاصة، بل مجرد تحريك التوك توك والقدرة على السير به داخل الحارات الضيقة، في مخالفة لكل قواعد المرور بالطبع، وهو ما يُسبِّب إزعاجا يعبر عنه بعض المارة الذين تتوقف أمامهم كاميرا روماني سعد، لنستمع إلى آرائهم.
عبد الله الذي أرغمه أبوه – كما يروي صديقه "بيكا" – على ترك المدرسة، يريد أن يصبح ضابطا، وهو يروي كيف أن إحدى النساء اللاتي ركبن معه ذات يوم، قالت له إنه بتكوينه ووسامته، لو كان ابنا لها لما سمحت له بالنزول إلى الشارع، لكنه يبدو مستسلما أيضا لقدره، مبررا ما يقوم به من عمل شاق مع شقيقه، وما يتعرّض له من مشاكل وصراعات مع المنافسين، ومع رجال الشرطة المرتشين وغيرهم، وضرورة التحايل من أجل الاستمرار في الحياة، لكن هذا لا يمنع من أنه يُعبِّر أكثر من مرة، عن رفضه لما يقوم به وأنه يراه أدنى من تصوّره لنفسه ومن طموحه، والحقيقة أن الأبطال الثلاثة الصغار يعبرون بشكل أو بآخر، خلال الفيلم، عن تشاؤمهم من صورة المستقبل إذا ظلّوا يمارسون هذا العمل الذي لا يرونه مهنة مناسبة للمستقبل.
فلسفة الصغار

الفيلم يُسجِّل، ويرصد، ويتوقف بحيادية أمام الشخصيات، بل ويترك العنان لهم للتعبير في تلقائية عن أفكارهم وتصوراتهم، فهو مثلا يصور مناقشة بين عبد الله ووالده الذي لا يتوقف عن التدخين، والذي يحاول إقناعه بأن قيادة التوك توك عمل شريف جيد وأنه يمكن أن يستمر حتى بعد أن يكبر، بينما يعترض الابن على استحياء مكررا أنه لا يراه كذلك. ومن الجوانب المدهشة في الفيلم أننا نرى هؤلاء الأطفال وقد كبروا قبل الأوان، فأحاديثهم وتعليقاهم تبدو أحيانا وكأنها صادرة من وعي أشخاص عركتهم الحياة فأصبحوا يستطيعون أيضا التعليق بنوع من "الفلسفة" الخاصة بالطبع. هناك مثلا من يقول أنه ترك المدرسة بسبب إهمال المعلمين وتكاسلهم والاكتفاء بقراءة الدرس مع التغاضي عن كل ما يحدث حولهم من مشاغبات ومشاحنات بين التلاميذ.
في مشهد خاص يجلس والد عبد الله في مقهى، تمرّ امرأة تستجديه، لكنه يعتذر لها بلطف محاولا صرفها، تتوقف المرأة، تلمس علبة المشروب الموضوعة أمامه فوق المائدة، يطلب منها أن تأخذها لتشرب ما تبقى فيها.. تتردد المرأة، ثم تتناول العلبة وتسير ببطء مبتعدة. هذا المشهد التلقائي الذي لا يقتضي إعادة تمثيل لما يحدث في الواقع أمام الكاميرا أفسده فقط تعليق الرجل مشيرا إلى المرأة بقوله: هذا هو الشعب المصري.. وهو تعليق زائد كان يتعين استبعاده من الفيلم.
وفي أحد المشاهد يروي أحد الفتيان كيف أنه شارك خلال ثورة يناير 2011 في اقتحام أحد أقسام الشرطة واستولى على سلاح رسمي وعدد من الطلقات النارية. وهو مشهد يدعو للتساؤل عن الدور الأخلاقي لصانع الفيلم في حماية من يظهرون في أفلامه، فلا نعرف ماذا يمكن أن يحدث لهذا الصبي بعد عرض الفيلم في مصر!
هناك بالطبع الكثير من ألفاظ السباب المتوقعة عند تصوير مثل هذه الشخصيات في تلك الأماكن الهامشية. وهناك بعض المبالغات، ليس في التصوير، بل في أحاديث أهالي الأولاد عما يواجهونه في الحياة، وهي مبالغات مألوفة عند ظهور هؤلاء أمام الكاميرا، فهناك اعتقاد شائع بأن الحديث الباكي والاستعطاف الذي يصل لمستوى يكاد يجعل الفيلم يدخل في دائرة الميلودراما المأساوية، كفيل بلفت أنظار السلطات المسؤولة لهم. وفي مشهد المقهى يصل الأب إلى مطالبة الحكومة بتوزيع المال على الفقراء الذين ينتشرون في الشوارع كحلّ لمشكلة الفقر!
حيادية الصورة
يكتفي الفيلم كما أشرت، بالعرض، بالرصد المحايد، دون تدخل في توجيه دفة الحديث ولا في مناقضة الروايات التي نستمع إليها، كما لا يهتم بتحقيق ذلك التوازن المعتاد في مثل هذا النوع من أفلام القضايا الاجتماعية، أي بتصوير وجهة النظر الأخرى: جمعيات المجتمع المدني، مؤسسات الدولة المسؤولة، إدارة المرور، الشرطة، وغيرها، فهو مهتم أساسا بتسجيل تفاصيل تلك الصورة القاتمة التي تبرر التحايل من أجل العيش والبقاء فقط على قيد الحياة.
لا نعرف زمن تصوير الفيلم تحديدا، لكن هناك بعض اللقطات في الفيلم لأبطاله أثناء وجودهم ضمن التظاهرات التي كانت تطالب برحيل الرئيس حسني مبارك، أي أثناء ثورة يناير 2011، وهناك مقابلات بعد ذلك مع نماذج من أهالي الحي من الفقراء، تستطلع آراءهم عما حقّقته لهم الثورة، وتمتلئ أحاديثهم بالكثير من الإحباط واليأس، لكن الفيلم سرعان ما يعبر على موضوع الثورة، لنعود إلى الموضوع الأساسي، وهو ما يُسبّب بعض التشوش.
يستخدم روماني سعد الموسيقى والأغاني الشعبية المتدنية التي يستمع إليها سائقو التوك توك والميكروباص في مصر، وهو اختيار جيد بالطبع، إلا أنه يخرج عن هذه القاعدة في الكثير من المشاهد التالية، عندما يستخدم موسيقى البيانو الكلاسيكية الرصينة التي لا تناسب أجواء الفيلم وتُحدث نوعا من القطع المفاجئ على شريط الصوت. وفي الفيلم أيضا بعض المشاكل في الصوت الذي يبدو أحيانا منخفضا ثم يرتفع فجأة. لكن هذه الملاحظات لا تُقلل من قوة الفيلم، وانتقاله السلس من مكان إلى آخر، والمزج الجيد بين المقابلات، أو استخدام الصوت من خارج الصورة، وبين المشاهد العامة ذات الدلالات الخاصة.
ينتهي الفيلم مع أبطاله الثلاثة وهم يسيرون فوق قضبان القطارات، يحلمون بمستقبل غامض.. رغم مأساة العيش المتكرر!