"أولمو وطائر النورس": امرأة يَسكنها الخيال

د. أمــل الجمل

كان فيلم "أولمو وطائر النورس" Olmo and the Seagull أحد سبعة أفلام مهمة من بلدان وثقافات متنوعة عُرضت بأسبوع النقاد الموازي لمهرجان القاهرة السابع والثلاثين، والذي تنظمه الجمعية المصرية لنقاد السينما للعام التالي على التوالي.
يُعدّ الفيلم نموذجاً للإنتاج المشترك بين أربعة بلدان هي الدانمارك والبرازيل والبرتغال وفرنسا. والإنتاج المشترك هنا لا يقتصر فقط على التمويل أو الدعم المادي، ولكن العمل أيضاً تحقّقت رؤيته الفنية والفكرية بالشراكة والتعاون بين ثقافات متنوعة متباينة مما منحه ثراءً وخصوبة، فإلى جانب المخرجتين؛ "لي جلوب" مخرجة ومصورة دانماركية، و"بيترا كوستا" ممثلة ومخرجة برازيلية، فإن البطلة إيطالية والبطل فرنسي، والأخيرين زوجين وممثلين يعملان بالمسرح، وإلى جانب أنهما يمثلان دوريهما في الحقيقة فقد شاركا في بناء مضمون الفيلم وتطويره، خصوصا البطلة التي كانت تُعيد تمثيل نفسها ودورها في الحياة وتعبر عن كثير من خصوصياتها التي تتماسّ مع كثير من هموم النساء في بلدان شتى حول العالم.

يمزج فيلم "أولمو وطائر النورس" بين الوثائقي والروائي بأسلوب ذكي ومُربك لدرجة تجعل المتلقي يفقد اليقين بتلك الحدود الفاصلة بين الجنسين على الأقل داخل العمل. مثلما تلجأ "لي جلوب" و"بيترا كوستا" مخرجتا الفيلم إلى كسر الخط الوهمي بين الممثلين وبين الجمهور أحياناً، للتذكير بأن ما يحدث أمامنا ما هو إلا تمثيل أو إعادة تمثيل على عدّة مستويات، لكنه ومع ذلك يتطابق مع الواقع وكأنه نسخة طبق الأصل منه.

يستند الفيلم في بنائه على محاولة استبطان روح تلك البطلة، على الغوص في الأعماق الدفينة للعقل الباطن لامرأة – تدعى أوليفيا – في بداية الثلاثين من عمرها، هي في الأساس ممثلة جيدة منذ عشر سنوات، تعشق الحرية والانطلاق تماما مثل طائر النورس، لكن الظروف المحيطة بها تحبط ذلك الحلم، وتشعرها في لحظات بأنها مثل النورس الذي تم اصطياده بفعل قسوة الأخرين، أو كأنها – في ظل ظروفها الحالية – قد صارت مثل شجرة "الأولمو" التي تبدو سوداء حينما تظلم الدنيا من حولها، حينما يأخذوا منها عالمها الذي تتنفّس من خلاله، فهي على مدار عشر سنوات، كانت تشعر دوما بأنها محميّة وفي أمان بفضل عملها كممثلة مسرح.

كانت أوليفيا تقوم بالدور النسائي الرئيسي في مسرحية مقتبسة عن "طائر النورس" لتشيكوف، وكانت على وشك أن تنتقل حياتها المهنية إلى مرحلة جديدة مليئة بالسفر والفرص في أمريكا ومونتريال، لكن أوليفيا لاتزال في بداية حملها، فكيف سيكون وضعها بعد خمسة أشهر؛ وكيف ستلعب دور طائر النورس ببطن منتفخة وتقنع الجمهور؟ ولذلك سيعتمد الفيلم على تيار الوعي ليكشف مأزق المرأة الطموحة حينما تضطر إلى التوقف عن بناء مستقبلها المهني، وتُرغم على التضحية به إذا قررت أن تخوض تجربة الإنجاب، عن الثمن الذي ستدفعه والأفكار والخواطر والهواجس التي تسيطر عليها أثناء فترة الحمل، خصوصاً إذا كان شريكها في الحياة يعمل في نفس المجال ويُذكّرها يوميا بحياتها التي تخلّت عنها من دون إرادتها.

إعلان

تبدأ أحداث الفيلم بالتمثيل من فوق خشبة المسرح، تبدأ بشخصية أوليفيا وهى تفتح الستار للممثلين في لقطة ضبابية لا تكشف عن ملامح وجهها، لأن تركيز الكاميرا منصبّ على الآخرين وكأننا نرى بعيونها هي، ثم عندما يخرج الجميع إلى خشبة المسرح أمام الجمهور وتبدأ هي في تأمّلهم من خلف الستار، هنا يستطيع المتلقي أن يرى ملامح وجهها وتعبيراته جيداً حيث المعاناة وكأن صراعاً داخلياً قوياً يعتمل في داخلها، صراع لا تنقصه الغيرة المتأججة، والقلق ومأزق العمر وتجاعيد الزمن الذي يحفر أخاديده في اللحم الحي، والذي تؤكّده اللقطات المتوالية، والتي في إحداها تجلس أمام المرآة تتلمس مسام الوجه، وتمسح على بعض الخطوط الخفيفة التي بدأت تظهر على وجهها، وشبح ابتسامة تكسو الوجه قبل أن تغزوه الهواجس التي تجعلها تمسك بقطعة القطن وتُعَجِل بتغطية مسام وجهها بالبودرة وكأنما تغلق المسام على الأفكار التي تؤرقّها، وكأنها لا تريد المزيد. الحركة العصبية ليدها أثناء وضع البودرة تؤكد ذلك، وكذلك عضلات الوجه المشدودة، والعيون بها شبح خوف.

يبدو المشهد الافتتاحي تمهيداً حيوياً رمزياً لما سيحدث فيما بعد طوال بقية الشريط السينمائي. فبعد أن كانت أوليفيا صاحبة الدور النسائي الرئيسي ها هي تجلس في البيت تتابع أخبار الفرقة، وتتأمل شريكها في الحياة والذي كانت تتقاسم معه بطولة المسرحية. تحاول أن تقتنص منه نتف عن الممثلة التي حصلت على دورها، وكيف تؤدّيه، وهل هي أفضل منها؟ والزوج الغارق في جهاز الكومبيوتر يرد بين حين وآخر باقتضاب ينم عن عدم الارتياح أو القلق، لكنه في النهاية يصف الممثلة بأنها تلقائية وأنها منحت الدور بعض الفكاهة والسخرية المفيدة، فترد الزوجة؛ إذن هي تؤديه بشكل أفضل، ثم سرعان ما يتطور النقاش إلى الحديث عن وضعها وتحمّلها المسئولية بمفردها رغم أنه من المفترض أنهما شركاء في إنجاب هذا الطفل، لكن نظراً لكونها "الوعاء" الذي يحمل الجنين صارت في هذا المأزق، وأنها الآن تدفع الثمن وحدها، هنا يدافع الزوج "سيرج" عن نفسه بأنه يعمل ساعات طويلة ليوفر الأموال اللازمة لحياتهما ولدفع الفواتير، فهو يكسب 1800 يورو شهرياً بينما هي تكسب عشرين يورو فقط يومياً.

ثم فجأة والمتلقّي غارق في ذلك المأزق النفسي وحالة الارتباك التي تسيطر على الطرفين، متتبعاً النقاش الكاشف عن حقيقة رؤية الزوج وعدم قدرته على تفهم موقف وأحاسيس شريكته، ومحاولته التقليل من قيمة ما تكسبه مادياً – وإلا لماذا يحسب ما تكسبه هي يوميا بينما يحسب ما يحققه هو شهريا، فهي تكسب نحو 600 يورو شهريا أي ثلث ما يكسبه وهى جالسة في البيت، لكن عندما يقول 20 يورو فالرقم يبدو متواضع، وربما حقير – هنا وسط هذا الاحتدام يأتي صوت نسائي من خارج الكادر ليحطم الإيهام الذي يغرق فيه المتلقي. إنه صوت المخرجة تطلب من الزوجين تعديل بعض الأفكار، وأن يطورا النقاش بأسلوب أكثر حيوية وأكثر تنوعاً، وأن تحاول الزوجة أن تكون أقل حدة وأن يكون الزوج أكثر قسوة.

في المشهد السابق عندما تم تحطيم الإيهام كان الفيلم بالكاد يقترب من منتصفه. لم يكن هذا هو الظهور الأول لإحدى المخرجتين، لكنه كان الظهور الذي يؤكّد وجود المخرجة، كان ظهور يكسر الإيهام بما يدور، وبما يتم تمثيله، وليعيدنا إلى الواقع ونحن في حالة ارتباك بشأن الأسلوب الفني، ومن تلك اللحظة سيُدرك المشاهد أنه أمام عمل يمزج بين الوثائقي والروائي، لكن رغم إدراك هوية بعض المشاهد والتأكد من كونها وثائقية، مثل تلك التي تستعين فيها المخرجتين بلقطات فيديو مصورة من مراحل مختلفة لحياة أوليفيا العاشقة للتمثيل من طفولتها، متضمنة لقطات لها مع حبيبها، لكن مع ذلك المزيج السينمائي يصعب في أحيان أخرى تحديد أي من المشاهد تم كتابته وصياغته وأي منها كان تعبير حقيقي خالص عن المشاعر، يصعب تحديد أيها كان مشهد وثائقي صرف من دون تدخل أو إيعاز من المخرجتين، وأيها تحقق عبر الخلط بين الأثنين سواء عبر الارتجال أو عبر التفكير وإعادة التفكير.

إعلان

 فهناك مشاهد تعبر فيها أوليفيا عن خوفها من الانزلاق إلى الجنون، عن شواهد له وتوابعه من الانتحار في عائلتها، مما يُذكرنا بتيار الوعي عند فرجينيا وولف، ومما يجعلنا نعيد التساؤل؛ أين حدود التمثيل وحدود الوثائقي؟ وكذلك في المشاهد التي تُعيد فيها أوليفيا الحكي عن مشاعرها واختلاف الإحساس بشريكها الحالي سيرج وبين الحبيب الأول.
   رغم ما سبق؛ الإجابة لا تستمد قيمتها من أهمية معرفة التفاصيل الواقعية من غيرها، ولكن لأنها حين تُطرح تنصبّ أساسا حول مهارة الأسلوب الفني الذي يأخذ المتلقي في دروبه بسهولة ويُسر لا يخلو من الوعي والعمق، فيجعل المتلقي في ختام الفيلم غير مهتم بما هو وثائقي وما هو روائي لأنه سيكون قد عاش رحلة ممتعة فنياً، رحلة جعلته يُفكر في حياته ويحاول أن يستخرج من وعيه الباطن مشاعره وهواجسه الدفينة، ويناقشها من دون خوف ليُكمل الحياة بأسلوب صحي يتلاحم فيه العقل الباطن والعقل الواعي من دون صراع أو نزاع يدمر صاحبه.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان