"مشروع الضوء الأخضر"

محمد موسى

بعد ثلاثة مواسم متفرقة، عُرض الأول والثاني منهما على قناة "إتش.بي.أو" HBO الأمريكية، والثالث كان من حِصة قناة "برافو"، يعود برنامج "بروجيكت غرينلايت" إلى القناة التلفزيونية الأصلية التي أطلقته قبل ثلاثة عشر عاماً، وبالنجمين المعروفين "مات ديمون" و"بين أفليك" في مقعد القيادة مجدداً. أما الهدف فما زال على حاله: العثور على موهبة إخراجية سينمائية جديدة، تنطلق من منصة التلفزيون وأمواله على أمل أن تُحقِّق النجاح في الصالات السينمائية. يَمرّ المشتركون في البرنامج بسلسلة من الاختبارات والتجارب، التي يتم تسجيلها وتقديمها بأسلوب شيق، وبطريقة تختلف كثيراً عن برامج اكتشاف المواهب التي ينضوي تحتها، ذلك أن البرنامج التلفزيوني هذا، وبعد أن يجد المخرج المناسب للإضطلاع بهذه المهمة المُكلفة والمعقدة، سيشرف على إنتاج فيلم روائي طويل من الألف إلى الياء، ليُعرض بعدها في الصالات التجارية في الولايات المتحدة.
تُشَّكل عودة البرنامج إلى التلفزيون مفاجأة على أكثر من صعيد. فالعام الماضي شهد عرض برنامج تلفزيوني أمريكي آخر بنفس الفكرة، حمل عنوان "الكرسي" وعُرض على قناة "ستارز" الأمريكية. ما يُميِّز برنامج "الكرسي" عن "بروجيكت غرينلايت"، أن الأول أفسح المجال لاثنين من المتنافسين لإخراج فيلمهما، واللذان يستندان على القصة ذاتها، تاركا لهما مساحة إبداعية كبيرة لتقديم المعالجة السينمائية الخاصة. في حين يختار البرنامج الآخر مرشحّاً واحداً، ليُركِّز بعدها عبر حلقاته على الطريق الذي يقطعه هذا المرشح لإخراج فيلمه الروائي الطويل الأول. الأمر الذي يجعل برنامج "بروجيكت غرينلايت" يفتقد عنصر المنافسة الذي يميز برنامج "الكرسي"، لكنه في المقابل سيتخلّص من الزوائد التشويقية للتنافس، وينغمس أكثر في تفاصيل العمليات الإنتاجية السينمائية.
هناك، وإلى جانب المنافسة التي يواجهها اليوم برنامج "بروجيكت غرينلايت"، السجل السابق للأفلام الروائية الثلاثة التي قدّمتها مواسمه الثلاثة الماضية، والتي أخفقت تماماً في جذب الجمهور إلى صالات السينما عندما عُرضت تجارياً، لتُشكِّل خساراتها المادية الفادحة حرجاً كبيراً لصانعيها وللبرنامج التلفزيوني على حدّ سواء. لتؤكد مرة أخرى عدم خضوع النجاح الماليّ للأفلام التي تُعرض في السينما لأي قوانين أو تخمينات. وأن الجمهور الذي ربما تابع بحماس السباق التلفزيوني، لم يكن مهتماً بالقدر الكافي لدفع أموال بطاقات السينما. رغم ذلك، يعود البرنامج التلفزيوني بنفس وهمة جديدين، ليواصل البحث عن المخرج الذي يتوقع أن يفاجأ بفيلمه المختصِّين والجمهور.
تغير الكثير في العالم منذ الموسم الأول من البرنامج، فلم يعد هذا الأخير يستلم شرائط فيديو من الراغبين في المنافسة في البرنامج، فاليوم أصبح المتنافسون يسجّلون محاولاتهم الفيلمية السابقة عن طريق موقع "يوتيوب". كما يبدو أن المواهب قد بلغت مستويات تقنية ممتازة مقارنة بالموسم الأول. وهذا يعود إلى شيوع استخدام الكاميرات الشخصية الموجودة في معظم أجهزتنا الإلكترونية، لتأتي بعض النتائج مُتقنة وإلى حد كبير. كما يصل المتنافسون إلى البرنامج وبحوزتهم عدّة أفلام قصيرة. ومحاولات فيلمية تفتقد التعريفات السينمائية الشائعة، لكنها وجدت في التكنولوجيا الحديثة المتوافرة المجانية، الوسيط الأمثل للتجريب.

أما قواعد الموسم الجديد، فهي إخراج سيناريو من تأليف الأخوين الأمريكيين "بوبي وبيتر فاريلي"، والمعروفان بكوميدتهما الشعبية التي تجنح في تطرّفها في السخرية من العادات الاجتماعية السائدة وإلى حدود البَذاءة المُغلفّة ببراءة طفولية في مزيج غريب، لكن كثيراً ما أثبتت نجاحاتها عند الجمهور حول العالم (من أشهر أفلامهما:"الغبي والأغبى" و "هناك شيء ما عن ماري"). يبحث البرنامج عن مشترك يقوم بتحويل نص الأخوين فاريلي إلى فيلم كوميدي خُصِّص له مبلغ ثلاثة ملايين دولار. يتم إنتاجه في الأشهر القادمة. مع التأكيد هنا أن قناة "إتش.بي.أو" حدّدت مواعيد زمنية ثابتة لإنتاج البرنامج التلفزيوني، وموعد آخر لإطلاق الفيلم السينمائي. ليزيد هذا من الضغط النفسي على المشترك في البرنامج والفريق الذي يحيط به من منتجين ومساعدين.
وبعد أن كلف البرنامج المشتركين بإخراج مشهد واحد من الفيلم القادم. اختار، وبعد نقاشات حادة نقل بعضها البرنامج، موهبة الموسم التلفزيوني الجديد، هذا على الرغم من أن مشهد هذا المخرج الذي نافس فيه، كان بكوميديته السوداء، من أكثر المشتركين بُعداً عن كوميديا الأخوين فاريلي الجماهيرية. عمليات اختيار المخرج أخذت زمن الحلقة الأولى كله، وتضمنّت الكثير من التفاصيل التي تخصّ الصناعة السينمائية من الداخل، وما يجري وراء الأبواب المغلقة للاستوديوهات السينمائية. والصراع الذي لا ينتهي بين المواهب الفنيّة ورأس المال الذي لا يرى في السينما إلا طريقاً لجنيّ الأرباح.
ولعل ما يُميِّز هذا الموسم من البرنامج هو الشخصية العنيدة وإلى حدود الغرور للمشترك الذي وقع عليه الاختيار. فرغم أن في سجل هذا الشاب الذي تخرج حديثا من معهد السينما، فيلم قصير واحد فقط، إلا أنه لفت الانتباه لموهبته، وتميّز عن المشتركين الآخرين. سيكشف المخرج الشاب سريعاً أنه لا يُريد التعامل مع سيناريو الأخوين فاريلي. وسيستجيب البرنامج التلفزيوني لمطلبه هذا، وأيضاً لمن اختاره ليقوم بكتابة السيناريو الجديد. لكنه سيصطدم بالبرنامج، الذي رفض مقترحه بتصوير الفيلم عن طريق كاميرات "35 ملم". وأصرت القناة أن التصوير الرقمي سيوفر مبالغ كبيرة للجهة المنتجة، ستحتاج إليها في مراحل قادمة من إنتاج الفيلم الكوميدي المنتظر.
يواجه هذا النوع من البرامج التلفزيونية بالعادة، من التي تملك خططاً طويلة الأجل لتحقيق أحلام المواهب المتنافسة فيها، الكثير من التحديات الصعبة، فهي من جهة تريد أن تكون مستقلة ببنيتها التلفزيونية عن المنتج النهائي، متطلعّة أن تجذب جمهوراً يتابعها كما يتابع برامج البحث عن مطربين مثلاً. من الجانب الآخر يجب على هذه البرامج متابعة العمليات الفنيّة التي تقود إلى المشاريع بصيغها الختامية. وهذا أمر قد يتقاطع مع النجاح التلفزيوني، فليس كل المتنافسين يملكون شخصيات تصلح للتلفزيون، كما أن ليست كل الخطوات الإنتاجية التي تقود إلى المنتج النهائي تملك الإثارة التي تَشِّد مُشاهدي التلفزيون. ما يحاول أن يؤسِّسه الموسم الجديد من برنامج "بروجيكت غرينلايت"، هو تقديمه وبتسجيلية متفهمّة ومبتكرة ومتخلّصة من إرث التلفزيون التقليدي، العمليات المُعقدة الطويلة المجهدة لإنتاج فيلم سينمائي.