قراءة في الوثائقيات العربية بـ "مالمو"

حمّادي كيروم

لقطة من فيلم "روشميا"

تميزت الدورة الخامسة لمهرجان الفيلم العربي بمالمو MAFF 2015 بحضور قوي للفيلم الوثائقي، وقد وصل عدد الأفلام المعروضة خلال المسابقة الخاصة بهذا الجنس السينمائي  إلى أربعة عشر فيلما، نُقدّمها حسب ترتيب عرضها للجمهور السويدي الذي استقبل هذه الأفلام بحماس يستحق الاهتمام : من المغرب فيلم "لنكسر الصمت" للمخرجة هند بنصري، من السودان "خريف كردفان" للمخرج إيهاب الخمايسة، من لبنان فيلم "يوميات كلب طائر" للمخرج بسام فياض، من إيطاليا "صدى النساء" للمخرجة كارلوطا بيشيني، من فلسطين "رسائل من اليرموك" للمخرج رشيد مشهراوي، وفيلم "روشميا" للمخرج سليم أبو جبل، وفيلم "أنا مع العروسة" الذي شارك في إنتاجه ثلاثة مخرجين هم "أنطونيو أوغيغليارو" و"غابريال دنلكراندي" من إيطاليا والمخرج الفلسطيني "خالد سليمان الناصري"، ومن ليبيا شريط حكايات ليبية للمخرج أحمد أيوب، ومن تونس فيلم "انظر لإيمان دليل"، ومن مصر فيلم "أم غايب" للمخرجة نادين صليب، ومن الأردن فيلم "المجلس" للمخرج يحيى عبد الله، ومن الإمارات فيلم "توحُّد" للمخرجة هانا مكي، ومن الدانمارك فيلم "إحساس فلسطيني" للمخرجة ريك روبي، ومن جنوب إفريقيا فيلم "أحلام شهرزاد" للمخرج فرانسوا فيشر.

ومن خلال قراءتنا لهذه الأفلام نجد أن المخرجين والمخرجات العرب بدأوا في الاتجّاه لهذا النوع من الأفلام دون عقدة نقص ودون مقارنة أفلامهم بالأفلام الروائية التي يعتبرها الرأي العام هي السينما الحقيقية التي تستحق الإنتاج والتوزيع، في حين تظلّ الأفلام الوثائقية سجينة بعض المهرجانات وبعض القنوات المتخصصة، أو لملء فراغات برامج القنوات العامة.

بين الرواية والفيلم
إذا كان الجوهر المشترك بين الرواية باعتبارها أقدم وأعرق فن بورجوازي أو  "ملحمة البورجوازية" كما سمّاها كولدمان، والفيلم باعتباره انعكاس للواقع، هو الحكيّ، هذا السحر الجميل الذي يسافر بخيالات الناس نحو عوالم أخرى، فإن الرواية تخلق بهذا الحكي عالما في حين أن الفيلم يخلق بالعالم حكياً.
بناء عليه نجد أن الفيلم الوثائقي هو فيلم يبني هذا العالم كما يبني موضوعيته. إنه فيلم يعرض العالم ليحكي به، في حين أن الفيلم التخييلي أو الروائي يحكي العالم ليعرضه.

لقطة من فيلم "يوميات كلب طائر"

إن إشكالية هذه الثنائية بين العرض والحكي وبين التصديق والتخيُّل، هي التي خلقت التمايز بين هذه الأفلام الوثائقية المعروضة خلال هذه الدورة، والتي يمكن أن نُصنّفها بناء على ما سبق إلى ثلاثة مستويات فنية:

إعلان

يتميز المستوى الأول، والذي يشمل الأفلام الفلسطينية الثلاثة: "رسائل من اليرموك – أنا مع العروسة – روشميا"، بالرؤية الوثائقية المبنية على إيقاع تحليلي شعري وسياسي، تُفعلّه عملية توليف ومونتاج تركيبي جدلي، يدفع الواقع المرئي إلى حلبة التفكير، ويجعل من الفيلم مرآة تفكر عبر مرايا الآخرين ومن خلال نظرتهم ووجوههم وحكاياتهم وتاريخهم الشخصي والعام.
لقد استطاعت هذه الأفلام الثلاثة بكتابتها الجريئة أن تستفزّ الأشياء و تتجاوزها،  لتستفز معنى الأشياء، من خلال حضورها الحسّي الصارخ.
 فسليم أبو جبل يواجه بين النملة والدبابة: بيت قصديري تعوي فيه الريح ويسكنه زوجان عجوزان تجاوزا الثمانين سنة، تقصده كتيبة من الشرطة والجيش مدججّة بالبلدوزر ومكبرات الصوت. وأثناء الهدم الذي هو بؤرة الفيلم، تنسحب الكاميرا بترافلينغ خلفي لتُغيِّم الرؤية وتُفرِّغ المشهد من دراميته المعهودة.

أما فيلم "أنا العروسة" الذي يحكي قصة تهريب لاجئين سوريين على شكل عرس، فإنه يفرغ الحكاية من كل الحواجز التي كان المشاهد ينتظرها. ليؤجّج بذلك التساؤل حول أين ينتهي الواقع ومتى يبدأ الخيال. أو بعبارة أدق، أين ينتهي اللعب والتمثيل ويبدأ الجد، الذي تتوارى وراءه حقيقة شعب بكامله.

 أما المستوى الثاني، والذي يُمثّله فيلم "لنكسر الصمت" لهند بنصري، و"صدى النساء" لكارلوطا بيشيني، و"المجلس" ليحيى عبد الله، بالإضافة لفيلم"انظر لإيمان دليل"، فهي أفلام تعتمد أكثر على الواقع العيني المباشر  الذي جعلها مهددة بالتكرار والكليشي. فإذا كان المستوى الأول يثق في الصورة وفي فن التمثُّل، فإن هذه الأفلام تثق وتراهن على الواقع وعلى ما يُقدّمه ويعرضه، وأثناء بنائها لهذا الواقع غيّبت السينما، وبقي الصوت الخلفي المعلّق والحوارات الثرثارة، التي يقع فيها الحافر على الحافر، فتصغر القضايا مهما كانت كبيرة (قضية الاغتصاب مثلا )، عوض أن تكبر مهما كانت صغيرة، وهذه وظيفة الفيلم الوثائقي.

لقطة من فيلم "خريف كردفان"

المستوى الثالث والأخير، والذي يشمل ما تبقّى من أفلام، فهي عبارة عن صور سمعية بصرية، يُعلِّق عليها مرافق سياحي، يعرف كل شيء، ويوجد في كل مكان، ويُكرّر بالقول ما تراه العين بالصورة. مثل فيلم "خريف كردفان" الذي يصف فصل الربيع بالاخضرار ، وفصل الخريف بالاصفرار، و يتمادى في التأكيد ليستدعي فنانة تشكيلية ترسم بشكل ساذج هذه الفصول.
 وتتفنّن الكاميرا مبتهجة بلقطات راقصة، تهدم كل القواعد المؤسسِّة للغة الفن السينمائي. وتحوّل الصورة إلى مجرد أداة بصرية لإنجاز ريبورتاج يقف سقفه عند الإخبار والإفصاح بوسائل الإيضاح. وكأن هذه الأفلام في حاجة إلى أحداث غير طبيعية لتثبت نفسها. وهي شبيهة بالمقولة الإعلامية المعروفة:"لا يشعر الناس بوجود القطارات إلا عندما تخرج عن طريقها".

وأتساءل في الأخير، عن حدود الحق في الصورة في مجال الفن الوثائقي، عندما شاهدت متواليات فيلم "المجلس" للمخرج الأردني يحيى عبد الله، والتي يتواجه فيها طفل – لا يتجاوز عمره السنوات العشر – مع طفل اعتدى عليه جنسيا، فيصوِّر الفيلم استنطاق مدير المدرسة للتلميذ المغتصَب، بشكل متعرِّي، يظهر من خلاله الطفل محطّما نفسيا وجسديا وهو يعترف بمأساته التي يتلذّذ المخرج بتسويقها عبر العالم، ولهذا يحق لنا أن نقول من جديد  أن اللقطة المكبّرة هي مسألة أخلاق وديونتولوجيا.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان