"ميريل ستريب" تفتتح مهرجان القاهرة السينمائي الـ37

د. أمــل الجمل

لا شك أن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي أعرق مهرجانات السينما العربية تُقام دورته السابعة والثلاثين في الفترة من 11 – 20 نوفمبر الجاري في ظلّ ظروف سياسية محلية ودولية أقل ما توصف به أنها صعبة للغاية، خصوصاً في أعقاب حادث الطائرة الروسية بسيناء والموقف الدولي من مصر، مما ألقى بظلاله على المهرجان القاهري إذ اعتذر بعض ضيوفه خصوصا من فرنسا وإنجلترا، وذلك وفق تصريح أحد المسئولين لكاتبة هذه السطور.
كذلك لن نغفل الشقّ الاقتصادي وتأثيره على برمجة المهرجان، فهناك تصريح للمدير الفني للمهرجان يوسف شريف رزق الله بأنهم واجهوا صعوبات كثيرة أهمها الميزانية التي لم تُمكنّهم من شراء حقوق عرض أفلام عالمية معينة، وربما هذا يفسر أمرين: أولهما؛ لماذا لم يتمكن المهرجان من تحقيق وعده بأن تكون السينما اليابانية ضيف شرف المهرجان في دورته الحالية، وأن يُستبدل ذلك بتسليط الضوء على سينما التحريك اليابانية التي أنتجها استوديو "چيبلى" والذي تمكن على مدار ثلاثة عقود من الاستمرار في إنتاج أفلام تنال تقديراً عالمياً.
ذلك في برنامج عروض خاص يقدم له المهرجان سبعة من أفلامه هي: نوسيكا أميرة وادي الرياح – جاري توتور – خدمة كيكي للتوصيل – الخنزير القرمزي – أرواح بعيدة – الأميرة كاجويا – مهب الريح. كما سيعرض أيضاً الفيلمين الروائيين الطويلين "أختنا الصغرى" للمخرج هيروكازو كوريدا، و"رحلة إلى الشاطيء" للمخرج كيوشي كوروساوا، واللذان عُرضا لأول مرة عالمياً في مهرجان "كان" بشهر مايو الماضي. هذا بالإضافة إلى اختيار المنتجة اليابانية "ميتسوى ايجوشى" والتي تشغل حالياً مدير مهرجان طوكيو لفيلم التحريك لأن تكون أحد أعضاء لجنة تحكيم المسابقة الدولية.
جانب آخر للمأزق المادي الذي واجه القائمين على إدارة وتنظيم المهرجان يتبدّى في اختيار أفلام المسابقة الرسمية الدولية، إذ تتضمن ثلاثة أفلام تم عرضها في مهرجانات سينمائية دولية كبرى بينما ينص أحد بنود المادة رقم 11 من اللائحة الفنية للمهرجان على: "ألا يكون الفيلم الذي يعرض في المسابقة قد عرض في مسابقة مهرجان دولي آخر مُعتمد من الاتحاد الدولي للمنتجين (FIAPF)" والأفلام الثلاثة هي: "مدام كوراج" للمخرج الجزائري مرزاق علواش وقد عرض في مسابقة "آفاق" بمهرجان فينيسيا السينمائي الثاني والسبعين المنعقد في سبتمبر الماضي، والفيلم الروماني الفرنسي المشترك "الكنز" للمخرج كورنيليو بوريمبويو، والفيلم الأرجنتيني "بولينا" للمخرج سانتياجو ميتر والحاصل على جائزة أسبوع النقاد بمهرجان كان الماضي.
حظ الجمهور
رغم كل ما سبق، لا يمكن إنكار أن جمهور مهرجان القاهرة السينمائي محظوظ للعام الثاني على التوالي، لأنه بعد دورة العام الماضي التي عقدت برئاسة الناقد السينمائي سمير فريد والتي حققت حضوراً جماهيريا مكثفا وشهدت تنوعاً وزخما في نوعية الأفلام العالمية الجيدة – بعيدا عن أي انتقادات أخرى وُجهت له – فالجمهور محظوظ لأن الدورة الحالية تأتي تحت قيادة جديدة أيضاً مشهود لها بالخبرة السينمائية خصوصاً أن مديرها الفني الناقد السينمائي "يوسف شريف رزق الله" معروف بذوقه السينمائي الجيد وبخبرته الطويلة ومتابعته المستمرة الدؤوبة لأحدث نتاجات السينما العالمية، وكذلك رئيس المهرجان السيدة "ماجدة واصف" التي تمتلك خبرة في تنظيم المهرجانات السينمائية بدءاً من مشاركتها في تأسيس مهرجان الفيلم العربي عام1983، والذي من خلاله تم تكريم السينما المصرية، ثم واصلت مهمتها وأتاحت فرصة الاطلّاع على تراث السينما المصرية والعربية منذ تولّيها رئاسة "بينالي السينما العربية" الذي كان يقام مرة كل عامين بمعهد العالم العربي بباريس على مدار 15 عاماً. ثم رئاستها لمهرجان السينما المصرية والأوروبية بالأقصر.
أفلام الجوائز
في دورته السابعة والثلاثين يفتتح المهرجان القاهري فعالياته بفيلم "ريكي وفرقة فلاش" Ricki and The Flash ويجتمع في الفيلم 3 شخصيات نالت جوائز الأوسكار وهي كاتبة السيناريو "ديبالو كودي" والمخرج "جوناثان ديم" وبطلة الفيلم "ميريل ستريب" صاحبة الرقم القياسي في الترشح لأوسكار أفضل ممثلة حيث رُشحّت 19 مرة بين عامي 1979 و2014 وفازت بالجائزة 3 مرات في أعوام 1980 و1983 و2012.
وطوال فعاليات دورته الحالية يعرض المهرجان أكثر من 100 فيلم موزعّة بين المسابقة الدولية ( 16فيلم) وقسم "عروض خاصة" (20 فيلم) وقسم "مهرجان المهرجانات" (45 فيلم) من بينها أفلام حصدت جوائز رفيعة في مهرجانات عالمية كبرى، ويعرضها المهرجان خارج المسابقة الدولية مثل: الفرنسي "ديبان" للمخرج جاك أوديارد الذى نال السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي الدولي هذا العام، والروماني "عفارم" الذي حصد مخرجه "رادو جود" جائزة الإخراج في مهرجان برلين 2015، والإيطالي "قلوب جائعة" الذي حصد بطلاه "آدم درايفر" و"ألبا روهرواشر" جائزتي أحسن ممثل وأحسن ممثلة فى مهرجان فينيسيا عام 2014، والفيلم التشيكي "رعاية منزلية" الذي مُنحت بطلته "إلينا ميهولوفا " جائزة أحسن ممثلة في مهرجان كارلو فارى الدولي الأخير، وهو المهرجان الذي شهد أيضاً فوز "فيزار مورينا" بجائزة أحسن إخراج عن فيلمه "باباي".
كما تضم القائمة الفيلم الدانمركي "بريدجند"، الذي فازت بطلته "هانا موارى" بجائزة أحسن ممثلة في مهرجان ترايبيكا الأمريكي مايو الماضي، والفيلم الإيطالي "المراعي الخضراء" للمخرج الكبير "أرمانو أولمي" الذي اختاره أعضاء نقابة الصحفيين السينمائيين كأحسن إنتاج إيطالي لعام 2014، كما يعرض المهرجان الفيلم الأرجنتيني "النار" الذي مُنحت بطلته "بيلار جامبوا" جائزة أحسن ممثلة بمهرجان "مالاجا" الأسباني، والفيلم الباكستاني "دوختار" الذي فاز بجائزة الجمهور في مهرجان "كريتي" الفرنسي. وذلك بالإضافة إلى الأفلام التي رُشح بعضها لتمثيل دولها في مسابقة أوسكار أحسن فيلم أجنبي في سباق أوسكار 2016، مثل: "أوديسّا عراقية" للعراقي "سمير" المقيم في سويسرا منذ عدة سنوات، ورشحته سويسرا لتمثيلها في مسابقة أوسكار أحسن فيلم أجنبي وفيلم "متاهة الأكاذيب" الذي يمثل ألمانيا في المسابقة والفيلم البوسني "حياتنا اليومية"، والفيلم الفنلندي "المبارز".
حصة وافرة للأفلام المصرية
على عكس السنوات السابقة التي كان يصعب فيها العثور على فيلم مصري يليق بالمشاركة في المسابقة الدولية والبرامج الموازية، تشهد هذه الدورة مشاركة سبعة أفلام مصرية تتواجد في كافة الأقسام، فإضافة إلى مشاركة الفيلمين الروائيين الطويلين "من ضهر راجل" تأليف محمد أمين راضي وإخراج كريم السبكي، و"الليلة الكبيرة" تأليف أحمد عبد الله وإخراج سامح عبد العزيز في المسابقة الرسمية، يُشارك المخرج الشاب كريم شعبان بفيلمه الروائي الطويل الأول "في يوم" في مسابقة "آفاق السينما العربية"، بينما يُعرض في المسابقة نفسها فيلم "الثمن" أحدث تجربة للمخرج هشام العيسوي بعد فيلمه الطويل "الخروج من القاهرة" الذي كان أثار ضجة كبيرة وحاولت الرقابة منع عرضه. أما في قسم "عروض خاصة" فتشارك المخرجة الشابة كوثر يونس بفيلمها التسجيلي الطويل الذي يُعدّ مشروع تخرجها "هدية من الماضي". وفي "أسبوع النقاد الدولي" يُشارك المخرج روماني سعد بفيلمه التسجيلي الطويل "توك توك"، وفي "مسابقة سينما الغد الدولية" يُقدم المخرج الشاب محمد كريم نفسه من خلال فيلمه الروائي القصير الأول "الزيارة".
هناك مؤشرات أخرى من داخل هذه الدورة لمهرجان القاهرة تُعيد إلينا الأمل في مستقبل السينما المصرية خصوصاً مع إعلان وجود ستة أفلام مصرية من بين 12 مشروع اختارتها اللجنة المسئولة عن ملتقى القاهرة السينمائي برئاسة المنتج والسيناريست محمد حفظي للحصول على الدعم، سواء في مرحلة تطوير السيناريو أو مرحلة ما بعد الإنتاج، واصفة إياها بأنها مشاريع واعدة.
ومن المنتظر أن مشاريع الأفلام الستة اللي تم اختيارها سيوفّر لها الملتقى فرصة اللقاء بين ممثلي هذه المشاريع والمنتجين والموزعين المصريين والأوروبيين لبحث أوجه التعاون، وتأمين فرص عرض وتوزيع مشاريعهم في أوروبا؛ وهذه الأفلام هي "أمل" إخراج محمد صيام، وفيلم "يوم أكلت السمكة" إخراج عائدة الكاشف وكلاهما أفلام تسجيلية في مرحلة الإنتاج وما بعد الإنتاج، إلى جانب فيلم "ورد مسموم" إخراج أحمد فوزي صالح وهو روائي في مرحلة الإنتاج وما بعد الإنتاج وفيلم "طلقة" إخراج كريم الشناوي،" مرحلة التطوير"، وفي ذات المرحلة أيضاً فيلمي "الجسر" إخراج هاله لطفي بعد تجربتها الرائعة والمميزة "الخروج للنهار"، و"سعاد" للمخرجة أيتن أمين بعد تجربتها شديدة الخصوصية "فيلا 69".
هذا إلى جانب ستة مشاريع أخرى من دول أخرى مثل: "ذيل الكلب" إخراج رامي ياسين الأردن، و"يوم آخر في بغداد" إخراج ميسون باشاشي ( العراق/ الكويت)، "ابن رجل مهم" إخراج نجوى نجار (فلسطين)،"مدّ" إخراج حسين إبراهيم (لبنان)، "إلى جميع الرجال العراة" إخراج بسام شخيص (سوريا)، و Noiselessly إخراج جيل لابور، ماسي مادراجي وميكال مادراجي (المغرب/ فرنسا).
البرامج الموازية
للعام الثاني على التوالي يضم المهرجان ثلاثة برامج موازية تنظمها ثلاث جهات سينمائية مختلفة؛ أولها «أسبوع النقاد»،الذي يعرض الأعمال الأولى والثانية لمخرجين من كافة أنحاء العالم، وتتولى تنظيمه جمعية نقاد السينما المصريين ويديره المخرج السينمائي أحمد حسونة، ويعرض سبعة أفلام هي: "رحلة إلى روما" إخراج: توماس ميلنيك، و"العنكبوت الأحمر" إخراج: مارسين كوشالكا، و"لأولمو وطائر النورس" إخراج مشترك بين: بيترا كوستا وليا جلوب، "العودة" إخراج: جرين زينج. والفيلم التسجيلي "غريبة، مثيرة، وما إلى ذلك" إخراج: إيفانجيليا كرانيوتي. و"بدو سمائيين" إخراج: ميرلان أبديكاليكوف.
وتتافس الأفلام السبعة على جائزة شادي عبد السلام لأفضل فيلم، وجائزة فتحي فرج لأفضل إسهام فني، ويرأس لجنة التحكيم المخرج المصري محمد خان، والناقد السينمائي اللبناني محمد رضا، ومن نيجيريا الصحفي والناقد السينمائي شايبو حسيني.
أما ثاني البرامج الموازية فهو «آفاق السينما العربية» الذي تنظمه نقابة المهن السينمائية ومديره الفني السيناريست سيد فؤاد، وثالثهما «سينما الغد»، ويعرض الأفلام القصيرة وأفلام الطلبة، وينظمه المعهد العالي للسينما، بينما تتحمل إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي مسئولية تمويل جميع هذه البرامج الموازية، بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة.
التكريمات والتحكيم
في مبادرة لافتة من أسرة فاتن حمامة وافقت إدارة المهرجان على وجود أربع جوائز تكريمية تحمل اسم سيدة الشاشة العربية، وسيقوم الفنان آدم حنين بنحت تلك التماثيل للمكرمين، ومنها جائزتين يحصل عليهما كل من الفنان حسين فهمي والنجمة الإيطالية كلوديا كاردينال وهى جوائز تقديرية لمشوارهما الفني الطويل، كما سيتم منح نيللي كريم والمخرجة الهندية فرح خان جائزة فاتن حمامة للتميُّز. وسيكرم المهرجان النجوم الراحلين فاتن حمامة وعمر الشريف ونور الشريف، إلى جانب تقديم كتب عنهم بالعربية وبالإنكليزية.
أما لجنة تحكيم المسابقة الدولية فتتمثل في المخرج الجورجي "جورج أوفاشفيلي" الحائز على الجائزة الكبرى في مهرجان كارلو في فاري عام 2014 عن فيلمه "جزيرة الذرة"، والمنتج البريطاني بول وبستر الذي يُعد واحد من أشهر المنتجين في بريطانيا حاصل على جائزتى البافيتا والجولدن جلوب، كما رشح لجائزة الأوسكار عام 2008، ومن أفلامه "المريض الإنجليزي"، و"تعويض أو تكفير"، وأنا كارنينا" و"صيد سمك السلمون في اليمن" بالإضافة إلى المنتجة الفرنسية "آن دومينيك توسان"،التي أنتجت أكثر من عشرين فيلماً، والتي اهتمّت بالإنتاج للمخرجين الجدد والأجانب كما أنتجت فيلمين للمخرجة اللبنانية نادين لبكى وهما فيلم ( كراميل أو "سكر بنات" – 2005) و( "وهلأ لوين ؟"- 2011).
وتضم لجنة التحكيم الدولية أيضاً المخرجة المغربية ليلى المراكشي صاحبة فيلمي "ماروك" المثير للجدل، و«روك القصبة» آخر الأفلام الروائية الطويلة للنجم الراحل عمر الشريف، والمخرجة والممثلة ومصممة الاستعراضات الهندية فرح خان التي صممت استعراضات أكثر من سبعين فيلماً هندياً، وشاركت في بطولة 12 فيلماً، ويمثل مصر في لجنة التحكيم: المخرج مروان حامد والفنانة داليا البحيري.
الندوات وورش العمل
يشهد "أسبوع نقاد السينما" تكريم الناقد والباحث والمخرج التسجيلي هاشم النحاس الذي قدم أفلاماً مهمة عن الإنسان المصري وقدرته على الصمود، خصوصا في أعقاب حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، كما يعقد "أسبوع النقاد" حلقة بحث حول المخرجين الراحلين صلاح أبو سيف وكامل التلمساني والتي يشارك بها عدد من النقاد والباحثين.. ومن بين الأنشطة وثيقة الصلة بصناعة السينما ينظم مهرجان القاهرة السينمائي ندوتين؛ أولهما عن "دور الدولة في دعم السينما"، والثانية عن "ترميم الأفلام بمشاركة الجهات المتخصصة".
كذلك تقام ورشة تُديرها د. منى الصبان، وتضم بين صفوفها عشرين من الشباب المصري والعربي، وتتضمن محاضرات لكبار المتخصصين المصريين في السيناريو والتصوير والإخراج والمونتاج، والصوت، وتهدف الورشة إلى تمكين الشباب من أدوات التعبير بثقافة الصورة، من خلال التعريف بعناصر صناعة فيلم سينمائي، بحيث يتمكن المشاركون من إنجاز فيلم قصير في نهاية الورشة.
الترجمة إلى العربية
بقي أن نشير إلى أنه في جميع المهرجانات السينمائية الدولية العريقة مثل "كان"، "برلين" و"فينيسيا"، تقوم إدارة المهرجان بترجمة جميع الأفلام إلى لغة الدولة المنظمِّة للمهرجان حتى يستفيد أكبر عدد ممكن من الجمهور المحلي من مشاهدتها، فإلى جانب شرط أن تكون الأفلام ناطقة أو مترجمة إلى الإنجليزية يقوم مهرجان فينيسيا مثلاً بترجمة الأفلام إلى الإيطالية، وبرلين يقوم بترجمة الأفلام للألمانية، وهكذا في بقية مهرجانات السينما، أما في مهرجان القاهرة فكان الأمر يقتصر على الترجمة إلى اللغة الإنجليزية، وفي مرات قليلة جداً ومحدودة تمت ترجمة بعض الأفلام إلى اللغة العربية، لكن هذا العام حرصت إدارة المهرجان على ترجمة نصف الأفلام التي تُعرض من خلال المسابقة الرسمية أو العروض الخاصة أو مهرجان المهرجانات، إلى اللغة العربية ليستفيد من مشاهدتها أكبر عدد ممكن من المتفرجين.