"إلياس شوفاني": سيرة ذاتية للغياب

محمد موسى

في فيلمها التسجيلي الذاتيّ "رحلة إلى الرحيل"، تُقَلِّب المُخرجة والشاعرة الفلسطينية "هند شوفاني"، السيرة الخاصة المُضطربة والعاصفة لوالدها الباحث الفلسطيني الدكتور "إلياس شوفاني".

ولأنه كان جزءاً واسمّاً لامعاً في الحركة الفلسطينية الفكرية والسياسية والمسلحّة منذ نهاية الستينيات من القرن الماضي، يتنقل الفيلم بدوره من الذاتيّ إلى العام ومن الماضي إلى الحاضر، فيغدو في مواضع منه استعادة للتاريخ الفلسطيني الحديث، الطافح بالخيبات والهزائم والفرص الضائعة، والشهداء الذين سقطوا في أكثر من بلد في معارك نزيهة وأخرى مُلتبسَّة. الفيلم هو أيضاً رحلة في التيّه الفلسطيني المُفجع المُتواصل الذي انتهى بالنسبة للشخصية الرئيسية بالموت كخاتمة لحياة، غاب عنها الاستقرار. ليدفن شوفاني في دمشق، المدينة التي عاش فيها شطراً من حياته وأحبّها، ورفض مغادرتها حتى بعد تفجُّر العنف من حولها في الأعوام الأخيرة الماضية.

يَرتكز الفيلم على شهادة طويلة توزّعت على مقابلات عديدة نفذّتها المخرجة مع والدها في دمشق، ومكالمات هاتفية كانت تُجريها من أمكنة إقامتها مع الأب الذي ربط مصيره بعد الثورة هناك بمصير السوريين العاديين الذين عاش بينهم سنوات طويلة كما وصف هو نفسه. يبدأ الفيلم بواحدة من تلك المكالمات الهاتفية بين الابنة القلقة على والدها المُسّن الذي يعيش وحيدا، والأب الذي يحاول أن يُطمئن ابنته، لكنه لا يستطيع أن يخفي تململه أحياناً من تبدُّل الأحوال في العاصمة السورية. قضت المخرجة عامين وهي تصوِّر والدها في شقته الدمشقية التي لم يغادرها كثيراً، وقبلها بضعة أعوام أخرى وهي تَعّد لفيلمها التسجيلي الطويل هذا. فصورت لقاءات عديدة مع أفراد من عائلتها فارقوا هذه الحياة في السنوات القليلة الماضية. في حين جعل رحيل الوالد المفاجيء بالإمكان للمخرجة صياغة المعالجة الخاصة لفيلمها، إذ حَسّم الموت ترددات المُخرجة تجاه طبيعة الحكاية التي تُريد سردها، ومكانة الوالد الذي لم تعرفه كثيراً فيها.

تكاد حياة إلياس شوفاني أن تكون صورة حية لكل مُكابدات الفلسطيني في القرن العشرين، فهو الذي ولد في بداية العقد الثالث، عرف النزوح الأول في عام 1948، ولجأ مثل كثيرين غيره إلى سوريا، لكنه عاد إلى فلسطين بعد أشهر، ليواجه هناك قسوة الحياة تحت حكم السلطة العبرية. في نهاية عقد الستينات غادر فلسطين بجواز إسرائيلي متوجها إلى أمريكا للدراسة، وهناك اصطدم بالمنظمّات اليهودية المتطرفة. شوفاني أكمَّل رغم التهديدات المجهولة المصادر دراسته في واحدة من أبرز الجامعات الأمريكية ليعود بعدها إلى الشرق الأوسط. ليس إلى أهله في فلسطين بل إلى الأردن وبعدها لبنان وسوريا. عمل شوفاني في منظمة التحرير الفلسطينية، واطلّع عن قرب على مشاكل القيادة في المنظمة، التي اقترفت حسب رأيه أخطاءً تاريخية لا تُغتفر. وجّه المفكر الفلسطيني نقده الشديد إلى ياسر عرفات ومحمود عباس، اللذان يعتبرهما طعنة في جسد المقاومة الفلسطينية. كان الأكاديمي الفلسطيني من الشخصيات الرئيسية التي وقفت وراء الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وكاد أن يُقتل في الحرب الإسرائيلية عام 1982. تفرّغ شوفاني في السنوات الأخيرة من حياته لبحوثه وكتبه التي أصدر منها الكثير. وتخصّص في تاريخ الحركة الصهيونية في الشرق الأوسط تحديدا.

إعلان

تتحدّى المخرجة ثقل المادة التاريخية التي تتضمنّها شهادة والدها، بربطها بين مقاطع الشهادة وأحيانا كخلفية صورية لها، بكولاجات من الصور المُتحررة، والمنفلتة من ضوابط الترجمات الجديّة الحرفيّة لما يرد في الشهادة. لتمثل هذه الصور المخرجة نفسها، بما فيها شهادة والدها. وإذا كان المونتاج الصوري بدا في البداية مُفاجئاً وصادماً، بصوره التي تمزج الفيديوهات المنزلية بصور نشرات إخبارية أمريكية من عقد الستينيات وقبلها بالإضافة إلى صور فوتوغرافية من الماضي والحاضر، إلا أن هذا التوليف والقراءة الشعرية للمخرجة باللغة الإنكليزية، سيفتح الفيلم على مدى فني أبعد. متفلتّا من إرث الشكوى الذي طبع العديد من الأفلام التسجيلية التي تصدّت لموضوع القضية الفلسطينية. تُدخل المخرجة الجرافيك إلى فيلمها، وتمزج وتهشم صور عديدة لأجل بناء العالم الخاص لفيلمها الذاتيّ الذي اجتهدت حتى يكون نسخة عن عالمها. كفلسطينية من جيل جديد.

يتجّه الفيلم إلى الصفاء، وتقلّ الانتقالات التوليفية فيه عندما يقترب من منطقة العائلة الشائكة والموجعة. فالأب الذي أقرَّ مراراً بأن رجلاً مثله، وهب حياته للقضية الأكبر، ماكان عليه أن يتزوج أو ينجب أبناءً. سيواجه أسئلة الابنة العاتبة أحياناً عن حضوره النادر في حياتها وحياة أختها وأمهما. كما سيكون الفيلم نفسه، بالاستعادات وجردة الحسابات التي يقترحها، مناسبة مُؤلمة للغاية للأب والعائلة لإحصاء خسائر الحياة. فشوفاني الذي ترك إخوته وأخواته في فلسطين، سينشغل في صراع انتهى إلى لا شيء. ولينتبه في سنواته الأخيرة أن عائلته هناك، التي قابلها مرة واحدة بمناسبة وفاة الزوجة ومنذ أن تركهم في نهاية عقد الستينيات، قد شاخت. وبعض أفرادها ودّع العالم. غالب شوفاني دموعه وهو يتذكّر أحد أخوته الذي يعتبره صديقه الحميم. والذي سنراه أيضاً في الفيلم، متحدثاً  من فلسطين عن "إلياس" الذي كان الابن المفضّل عند العائلة. مشاهد العائلة هذه ستربط، وأكثر من محطّات السياسة فيها، بين الفيلم وجوهر القضية الفلسطينية الإنساني، والخسائر التي لا حصر لها التي يحملها الفلسطينيين ويتوارثونها.

لا تتصدّى المخرجة للوقائع السياسية التي ترد في شهادة الأب. بل تتركها للتاريخ والذي سيطلق أحكامه النهائية ذات يوم. المخرجة في المقابل تضع شهادة الأب هذه بجانب شهادات أخرى.  كما تميل إلى الجانب العائلي من حياة أبيها. بتركيزها أولاً على حياة عائلة والدها التي تقيم في فلسطين، ثم التحية المؤثرّة التي وجهتها إلى "ياسمين"، أُمّها الفلسطينية السورية. الزوجة الشابة التي أُغرمت بالقائد الفلسطيني وتزوجته رغم الفارق العمري الكبير بينهما. تستعيد هند شوفاني حياة والدتها بإصرار من يريد أن يمنح تلك المرأة المجهولة وجها وحضوراً. عاشت "ياسمين" في ظلال زوجها، الذي اعترف أنه لم يكن يربطه الكثير بها. فهي ومثل زوجته الأمريكية الأولى، تحلّان دوماً بعد قضية حياته الأولى. ستموت "ياسمين" في عمّان بعد إصابتها بالسرطان. وستجتمع في جنازتها ولأول مرة منذ ثلاث عقود عائلة شوفاني في لقاء سيكون الأخير للأب، الذي كان يرفض دائماً الذهاب إلى فلسطين ما دامت محتلة ومهما كان الثمن.

إعلان

بدا الفيلم أحياناً وكأنه ساحة صراع بين جيلين وإرادتين وفهمين مختلفين: الابنة، المشغولة بإعادة ترتيب أحداث حياة عائلتها من أجل فهمها والتعامل معها وتقبّلها، ليقترب الفيلم والعمل الطويل عليه مما يقوم به العلاج النفسيّ الحديث، والأب الذي لا يتوقف عن ترديد أنه لم يعرف إلا حياة واحدة قضاها على جبهات الصراع المختلفة في معارك أخذت عمره كله. يتبدّى الاختلاف مثلاً في المونتاج السريع اللا مُبالي للفيلم، بشهادة الأب عن الزعيم الراحل عرفات، معبراً عن رؤية مبتكرة وأمينة لنفسها وللتاريخ الفلسطيني المُعقد. تدفع الابنة والدها إلى أكثر من جهة مؤلمة في الربع الأخير من الفيلم. مما دفعه للإنزعاج ورفض الحديث في عدة مواقف. لكن المخرجة لن تُبالغ في القسوة على والدها. فهي وكما وجهّت تحية شفافة مُؤلمة لأمّها الراحلة. تستعيد في فيلمها التسجيلي هذا حياة الأب، كأمثلولة لجيل الثورة الفلسطينية، والأثمان الباهظة التي دفعها في صراعه الطويل.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان