قصة السينما والأطفال

Published On 6/7/2014
محمد موسى
بعد أن قدم قبل عامين، وفي خمس عشرة ساعة كاملة، قصة قرن من السينما في برنامجه التلفزيوني " قصة الفيلم… أوديسا “، يعود الناقد والمخرج البريطاني مارك كوزينز مجدداً إلى تاريخ السينما في مشروعه التوثيقي الجديد "قصة للأطفال مع الفيلم"، لكن هذه المرة ليقدم موضوعا أكثر تعقيداً من مشروعه الأول. هو يجمع وبدون الترتيب الزمني لمشروعه الأول مجموعة من الأعمال التي قدمت الأطفال في السينما، فيعثر على بعض الدُرر المنسيّة ويزدري شحنات العاطفة الجاهزة التي قدمتها هوليوود في الثلاثينيات من القرن الماضي، عندما سُخِر الأطفال ليكونوا أداة لاستدرار الدموع والضحكات من الجمهور الواسع.
لماذا الأطفال والسينما؟ ليس من الواضح لماذا اختار الناقد السينمائي هذا الموضوع. هل لأن الأعمال القليلة الجيدة التي قدمتهم هي مزيج رائع لمواهب الممثلين من الأطفال ورؤى مخرجين عادوا إلى طفولتهم أو ذكرياتهم عنها للبحث في معاني الوجود. فمن هناك ستتعقد الحيوات ويغدو الفكاك من ثقل آثارها أمراً شديد الصعوبة. كما أن الأطفال سيعرفون في السينما، كما في الحياة، تعقيدات الطبقية والقلق من المستقبل وتسلط المجتمعات التي ولدوا فيها بقيمها ومثلها البالية.

يجد المخرج والناقد السينمائي في سلوك عائلته المدخل للحديث عن تيمات فيلمه. هو يصور بكاميرا ثابتة أبناء شقيقته الذين كانوا يزورونه في شقته الصغيرة. سيدخل ويخرج الشقيقان من الكادر الثابت للكاميرا التي كانت تصور لساعات، وستكون لحظة التأمل المقلقة التي كانت بادية على سحنات بنت شقيقته المناسبة لتعرضه للأفلام التي قدمت أطفالا قلقين يمرون بصمت بمِحن داخلية. فيقدم هنا مشاهد من فيلم "الأرض الصفراء" للمخرج الصيني جين كاغيه من عام 1985، كما سيربط المخرج بين وحدة الطفل في فيلم "آي تي" للمخرج الأمريكي ستيفن سبيلبرغ وبين بطلة الفيلم الصيني، عندها تغدو قصة الكائن الفضائي القادم الى الأرض والتي قدمها الفيلم الأمريكي الشهير مناسبة فقط للحديث عن الوحدة والبحث عن الحب والانتماء. وعندما يأتي الحديث عن الطبقية، سيستعيد المخرج والناقد فيلم المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي القصير "عامل البخار والكمان"، والذي أنجزه أثناء دراسته. في الفيلم يقدم المخرج علاقة صداقة غير مألوفة بين صبي من عائلة ميسورة وعامل روسي من خلفية فقيرة.
وكحال مشروعه التلفزيوني الضخم الأول لا يخفي مارك كوزينز انحيازه الكبير للسينما الأوربية والآسيوية، وهنا، كما في البرنامج الأول، يفرد الناقد السينمائي مكانة متميزة للسينما الإيرانية، التي يختار منها المخرج ثلاثة أفلام، اثنان منها من توقيع المخرج الإيراني محمد علي طالبي هما: "الحذاء"، و"الصفاف والريح"، و"البالون الأبيض" لجعفر بناهي. لا يشترك فيلما المخرج طالبي بتقديمهما لأبطال صغار فقط، فالفيلمان بأسلوبهما الفنيّ الذي يقترب من السينما التسجيلية، هما دراسة عن حال المجتمع الإيراني، وخاصة طبقاته الفقيرة. يقدم "الحذاء" قصة طفلة صغيرة تجبر والدتها على شراء حذاء، لكن إحدى فردتي الحذاء ستفقد في الطريق إلى البيت. أما فيلم "الصفاف والريح " فيقدم ابن صانع النوافذ الذي يُجبَّر على تصليح نافذة مدرسته الفقيرة. ليرافقه الفيلم بشاعرية كبيرة في حياته اليومية في القرية النائية التي يعيش فيها.
يتنقل مارك كوزينز بين أعمال، بعضها شهير كفيلم "فاني والاسكندر" للمخرج السويدي إنغمار برغمان وعديد من الأعمال المجهولة لمجاليه. والغاية دائماً عرض المختلف، والذي دخل بتميز إلى المنطقة السحرية للطفولة والأطفال، كما سينتقل الفيلم بين الحقب التاريخية فيقدم أفلاماً من الثلاثينيات من القرن الفائت، وأخرى من هذا القرن الجديد كالفيلم الهولندي المتقن "كاوبوي"، عن علاقة صبي هولندي بغراب صغير يجده ملقى تحت شجرة قرب بيته، وكيف تكون هذه العلاقة "البلسم" لألم فقدان الصبي لأمه. يربط الفيلم بين هذا الفيلم وآخر عرض في نهاية عقد الستينيات من القرن الماضي لمخرج بريطاني كان مجهولاً وقتها. هو فيلم "كيس" عن علاقة لصبي آت من خلفية قاسية مع نسر يسقط عليه من السماء. لا يكتفي المخرج الإنجليزي كين لوتش بالقصة العادية، بل يطوعها ليخضع الخلفية الاجتماعية العمالية التي أتى منها الصبي لمشرح التحليل، وهو الأسلوب الذي سيطبع بعد ذاك السينما التي قدمها المخرج.
لكن أيا من الأعمال المذكورة لن يحظى بالاهتمام والعاطفة التي نالها فيلم الإيراني جعفر بناهي “البالون الأبيض". المخرج اختار نهاية الفيلم ذاك لتكون نهاية فيلمه الوثائقي. فبناهي الذي قدم قصة الطفلة الإيرانية التي فقدت النقود التي كانت تحملها في طريقها لشراء سمكتها الذهبية، سيمنح لفيلمه تلك القيمة العاطفية المدهشة والهّم الإنساني العام، عندما قدم شخصية الصبي الأفغاني ببالونه الأبيض، والذي كان يمر من هناك، وتطوع لمساعدة الطفلة الإيرانية. الذين شاهدوا الفيلم يتذكرون بالتأكيد تلك النهاية العسيرة على المشاهدة، للطفل الافغاني القادم من بلد المتاعب وحيداً في الشارع بعد أن ذهب الناس إلى بيوتهم. لا يقطع المخرج الإيراني مشهد النهاية بل يجعله يمتد للحظات طويلة ثقيلة مشحونة بالعاطفة والحزن، مصورا بكاميرا ثابتة وحدة الطفل الافغاني بحب وحساسية كبيرة.
لا يوجد ناقد يتحدث عن السينما بمثل الشغف والحب الذي يملكه مارك كوزينز. هو، بلهجته الأيرلندية المُحببة واستعاراته الفكرية وتلميحاته الذكية يكاد يكون شاعر النقد السينمائي الأبرز، لكن دون أن يغفل إخضاع الأفلام التي يتناولها لتحليلات نقدية صارمة. يربط الناقد، الذي قدم عديدا من البرامج التلفزيونية السينمائية قبل أن يقوم هو نفسه بالإخراج السينمائي، بين الأفلام التي يقدمها بتمكن العارف ويُعيد اكتشاف أفلام ومشاهد ويشرح مواطن الجمال والتفرد فيما يقدمه. لا تنحصر أهمية ما يقدمه مارك كوزينز في مشاريعه التلفزيونية الأخيرة بقيمتها البحثية، هو يُلهم كثيرين لمشاهدة ما يقوم باكتشافه من تحف سينمائية. فعروض فيلم "قصة للأطفال مع الفيلم" المتواصلة حالياً في بريطانيا، كانت مناسبة لعرض مجموعة من الأفلام التي مرَّ عليها الفيلم الوثائقي لجمهور السينما في بريطانيا، بل إن بعضها وجد طريقه للعرض لأول مرة وفي صالات سينما فنيّة.
المصدر: الجزيرة الوثائقية