"البحث" أول فيلم ينصف الشيشان

أمير العمري

للوهلة الأولى قد يستعصي تصنيف هذا الفيلم على المشاهد، فهو يبدأ بداية تسجيلية خالصة، ففي مشهد طويل نشاهد مجموعة من الجنود الروس في الشيشان يعبثون بمصير أسرة في بلدة حدودية وهم يضحكون مشهد بإطلاق الرصاص مباشرة على رأس الرجل ثم زوجته، بينما يشاهد ابنهما، وهو طفل في العاشرة من عمره، ما يحدث من خلال النافذة. ويستمر الطابع التسجيلي ليصبغ الكثير من مشاهد الفيلم التالية. مشاهد القصف العشوائي للقرى الشيشانية، والفظائع التي ترتكبها القوات الروسية في الشيشان في الحرب الثانية عام 1999، وهدم المنازل، مشاهد النزوح الجماعي للآلاف من السكان، والتنكيل بالنساء والأطفال.
الفيلم هو "البحث" The Search والمخرج هو الفرنسي (من أصل ليتواني)

ميشيل هازانافسيوس

Michel الذي فاجأ العالم قبل ثلاث سنوات بفيلمه الممتع "الفنان" The Artist الذي كان يحاكي فيه ببراعة، الأفلام الأمريكية الصامتة، وقد مضى هذا الفيلم ليحصد عددا كبيرا من الجوائز أهمها أحسن إخراج وأحسن فيلم في مسابقة "الأوسكار". لكن هازانافسيوس يعود اليوم بفيلم مختلف تماما، فهو لا ينحو بأي حال، إلى "التسلية" أو "تحقيق المتعة والاستمتاع"، بل على العكس، يرمي إلى تحقيق "الصدمة" بهدف كشف الجانب الخفي المسكوت عنه في حملة الروس على الشيشان، من زاوية إنسانية، تكشف وتعري وتفضح وتحتج. إنه بهذا المعنى أيضا، يصبح فيلما سياسيا بامتياز، لكنه أيضا عمل له مواصفاته الجمالية الخالصة التي تصل في بعض المشاهد إلى مستوى الشعر.
ولاشك أن فيلما مصمما لكي يكشف المأساة الإنسانية التي نتجت عن إجتياح القرى الشيشانية من قبل الجيش الروسي، سيتجه إلى إتخاذ موقف مخالف لما درج الإعلام العالمي- الغربي بخاصة- على ترديده والترويج له والتركيز عليه، أي أنه قد يتجاهل الجانب الآخر في الصراع، الذي نعت أمام الجمهور طويلا بأنه "إرهابي"، مدفوع بالكراهية والعداء للإنسانية.. هكذا على نجو تجريدي، دون أدنى اهتمام بكشف أسباب العنف.

إعلان

اقتباس الفكرة
يقول المخرج في مقابلة منشورة معه في النشرة الصحفية للفيلم التي وزعت في مهرجان "كان" السينمائي الأخير حيث عرض الفيلم داخل المسابقة الرسمية، إنه اقتبس فكرة فيلمه من الفيلم الأمريكي الذي يحمل الإسم نفسه، أي "البحث" The Search الذي أخرجه فريد زينمان عام 1948، وكان موضوعه يدور حول طفل يهودي يغادر معسكر اعتقال نازي في ألمانيا بعد أن انفصل عن أسرته التي لا يعرف ما انتهى إليه مصيرها، يلتقي بجندي أمريكي يتبناه ويساعده في البحث عن أسرته. وفي الوقت نفسه تبحث أمه عنه في ربوع أوروبا المحطمة بعد الحرب.

هنا نحن أيضا أمام هذا الطفل "حاجي" الذي شهد مقتل والديه، واضطر إلى ترك شقيقه الرضيع لدى أسرة سعيدة الحظ لم يهدم منزلها بعد في القرية اتي تعرضت للقصف الشديد، ويغادر "حاجي" القرية ويظل يسير هربا من الكابوس المرعب إلى أن تقوده قدماه إلى معسكر اللاجئين الذي تشرف عليه منظمة الصليب الأحمر الدولية. هناك يلتقي بالمسؤولة عن إيواء اللاجئين وهي "هيلين" الأمريكية التي تحاول بشتى الطرق أن تستمع إلى قصته لكنه لا يستجيب، فهو فقد القدرة على النطق من هول ما شاهده، أو لعل امتناعه عن الكلام يعبر عن رفضه التخاطب كع "الآخر" بعد أن أصبح لا يشعر بالاطمئنان لأحد. من هذا الخط، ينبع خط درامي جديد يرتبط بشخصية "كارول" الفرنسية ممثلة لجنة حقوق الإنسان في الاتحاد الأوروبي، التي أتت لدراسة أوضاع اللاجئين وكتبت تقريرا أقرب إلى الاستغاثة العاجلة لانقاذ حياة عشرات الآلاف المعرضين للموت، ورفعت التقرير إلى المسؤولين في الاتحاد الأوروبي لكنهم أصموا آذانهم. وهي تصرخ على الهاتف في أذن رئيسها على الطرف الثاني من الخط، تحتج على سياسة عدم المبالاة بينما يتسع نطاق المأساة الإنسانية يوما بعد يوم.  تلتقي كارول مصادفة بحاجي الذي غادر المعسكر وأصبح شريدا، وتقرر أن تؤويه في مسكنها، وتحاول بلا جدوى، أن تدفعه لكي يروي لها ما وقع له، وفي الوقت نفسه يدخل الخط الدرامي الثالث إلى الفيلم عندما نرى شقيقة حاجي "رايسا" تبحث عنه في كل مكان.
من هذه القصة المتداخلة المتشابكة الأطراف، يقدم الفيلم صورة تفصيلية شديدة الصدق، لواقع الحرب، للمتاهة التي تبتلع كل الجهود التي ترمى إلى التخفيف من المأساة، ويصور حالة اليأس والقنوط التي تنتاب الراغبين في عمل شيء، أي شئ لوقف نزيف الدماء.
على مستوى آخر، يتابع سيناريو الفيلم قصة أخرى بنفس اهتمامه بمتابعة قصة "حاجي"، هي قصة "كوليا" وهو طفل آخر أو بالأحرى، فتى روسي مراهق مثل غيره من ملايين الشباب، يهوى السهر واللهو والشراب، تضبطه الشرطة وفي حوزته قطعة من المخدرات فيصبح عليه أن يختار بين السجن أو الالتحاق بالجيش، فيختار الحل الثاني، لكنه بهذا الاختيار يتجنب السجن لكي ينفذ إلى الجحيم بعينه. في الجيش يتعرض كوليا لكل أنواع التنكيل والإهانة والاذلال، وتتم إعادة تشكيله بحيث يرضخ لما يطلبونه منه دون اي محاولة للتفكير أو لطرح التساؤلات، ثم يرسلونه إلى جبهة الحرب في الشيشان حيث يتعرض هناك لمزيد من العنف الذي يمارسه عليه رؤساؤه، وهم يلقنونه أن كل سكان الشيشان ليسوا سوى إرهابيين وقتلة يستحقون الإباد ةإلى أن  يتحول "كوليا" إلى آلة صماء تمارس القتل العشوائي بكل قسوة. إن كوليا نموذج آخر لما فعلته الحرب بالشباب. هو ضحية ذلك الانسياق الأعمى وراء سياسات تؤدي إلى مآس إنسانية يغمض العالم عينيه عنها!

إعلان

صورة صادقة
لاشك أن فيلما كهذا ليس من الممكن اتهامه باتخاذ موقف على حساب طرف آخر غائب هو طرف المقاتلين الشيشان، فكما أشرنا ليس موضوع الفيلم الحرب نفسها، ودوافعها وتطوراتها وتاريخ المنطقة في علاقتها بروسيا.. وما إلى ذلك، لكن الهدف الأساسي من الفيلم هو تصوير ذلك المأزق الإنساني الذي يدفع إلى تغييب العقل، إلى الامتناع عن الكلام واللجوء للصمت، إلى العجز عن المواجهة، مواجهة ذلك المصير الذي لا يبدو أن أحدا في العالم (المتحضر) يأبه له!

من هذه الزاوية نجح المخرج في تحقيق عمل يشع بالصدق والقوة التي تشمل كل تفاصيل الصورة: التصوير في جبال جورجيا في منطقة تكاد تتطابق مع طبيعة القرى في الشيشان، استخدام الكاميرا المحمولة المهتزة الحرة التي تحطم فكرة الصورة كلوحة ثابتة، وتجعلها عالما متعدد الطبقات والمستويات، أقرب ما تكون إلى صور الأفلام التسجيلية الميدانية، استخدام اللون الرمادي الشاحب الذي يطغى على اللقطات لكي يعكس كآبة الحرب وما أنزلته بالطبيعة الجميلة في المنطقة من دمار، الموسيقى التعبيرية الكلاسيكية التي تكثف إحساسنا بالمأساة، إعادة تصميم المواقع واستخدام المجاميع الكبيرة من الممثلين الثانويين (الكومبارس) في مشاهد مخيم اللاجئين، معسكرات الجيش، ومركز الاعتقال الجماعي.. إلخ
ربما يعيب الفيلم بعض التكرار والإسهاب في تصوير العلاقة بين كارول وحاجي، وربما أيضا يستغرق الفيلم زمنا طويلا قبل أن يبدأ حاجي في الشعور بنوع من الألفة تجاه كارول فيبدأ في سرد قصته عليها، دون أن نعرف نحن ما يكفي عن كارول نفسها وعن دوافعها وماضيها. وربما ينحرف الفيلم قرب نهايته في اتجاه "الميلودراما" التي تفيض بالمشاعر وترتبط بالمصادفات المختلقة، وربما يعاني الفيلم نتيجة لتعدد الخيوط، من الطول المفرط (يبلغ زمن الفيلم ساعتين نصف الساعة) لكنه ربما يكون الفيلم الروائي الوحيد الذي يتناول موضوع الحرب في الشيشان بكل هذا القدر من التفصيل والقدرة على الجمع ببراعة بين الأسلوبين: التسجيلي والروائي.
حاجي يتكلم في النهاية يروي مأساته لكارول، لكن رايسا شقيقة حاجي تفشل في العثور عليه في مخيم اللاجئين، فتلجأ إلى مقرالصليب الأحمر حيث تلتقي بهيلين، لكن هيلين التي سبق لها محاولة الاستماع الى حاجي دون نجاح، لا تعرف مصيره، ولا تعرف أنه يقيم مع كارول التي ترها من وقت لآخر، وبالتالي تنصرف رايسا وتستقل القطار للعودة من حيث أتت. لكنها تظهر قرب النهاية ونعرف أنها تراجعت عن قرارها بالرحيل وفضلت البقاء وقبول عرض هيلين بالعمل في مقر الصليب الأحمر في رعاية الأطفال الذين أبدوا تعلقا شديدا بها خلال الفترة القصيرة التي أمضتها معهم.

هنا يحدث ما يعرف بـ "الإنقاذ" في اللحظة الأخيرة، ذلك الأسلوب الذي ابتدعه رائد الفيلم الأمريكي جريفيث، عندما يتم الجمع بين الخطين المتوازيين، فيحدث اللقاء أخيرا بين حاجي شقيقته رايسا، لكي ينتهي الفيلم نهاية سعيدة. ولكن هل هي سعيدة حقا؟ وهل أصبح العالم أفضل مما كان عليه؟
من أبرز العوامل الفنية في الفيلم تمثيل الطفل عبد الحليم ماماتسوييف وهو طفل شيشاني لم يسبق له التمثيل اختاره المخرج من بين 400 متقدم للقيام بالدور، ولعله أكبر اكتشاف في هذا الفيلم بتقائيته وملامحه المعبرة وقدرته الهائلة على مزج الحزن بالبراءة بالمرح. ويبرز أيضا أداء كل من أنيت بيننج في دور هيلين، وبيرنيس بيجو (بطلة فيلمي "الفنان" و"الماضي") وهي زوجة المخرج، وقد أدت اداء جيدا في حدود ما سمح به السيناريو في رسمه لملامح شخصيتها، وربما يكون قد شاب أداءها بعض المبالغة وتكرار الانفعال، لكن لاشك أيضا في أن وجودها على الشاشة له سحر خاص.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان