قراءة في جوائز كارلوفي فاري

قيس قاسم: كارلوفي فاري

يحيلنا، فوز الفيلم الجورجي "جزيرة الذُرة" للمخرج جورج أوفاشفيلي بالجائزة الكبرى للدورة 49 لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي (كرة الكريستال و25 ألف دولار) وحصول المجري "سقوط حر" على جائزتي لجنة التحكيم الخاصة (15 ألف دولار) وأفضل مخرج (جيورجي بالفي)، للتفكير بمسار نظرية "الواقعية الأشتراكية"  في الفن والتي طبعت مرحلة أبداعية طويلة بدأت ملامحها بالتبلور مع ثورة أكتوبر الروسية ومضت في هيمنتها على النتاج السينمائي لدول المنظومة الشيوعية لعقود بعدها، غاب خلالها تقريباً، أي وجود لتيارات جديدة واضحة المعالم، على عكس ما كانت تشهده دول خارج فلكها، كإيطاليا على سبيل المثال التي أنجبت "الواقعية الجديدة" ومن الدنمرك نبعت فكرة "دوغما 95" وظل الغرب يشهد منذ الحرب الباردة بروز تيارات ومدارس متنوعة (فردية أو جماعية) راحت تجرب لغة تعبيرية غير مألوفة تعكس الروح التجديدية لمبدعيها وحاجتهم الى أبتكار أشكال وأساليب عمل تكسر المألوف والسائد وهذا ما كان صعباً بالعموم على سينمائي "المعسكر الأشتراكي" قبل سنوات التغيير التي شهدتها بلدانهم منذ ما يزيد عن عقدين ونصف، تقريباً، وبالتالي فوز الفيلمين المذكورين يُفضل النظر اليه من هذه الزاوية، أي بوصفهما نتاجاً يؤشر الى محاولات تجريب جديدة تعبر عن رغبة في التخلص من موروث ثقافي ـ ماضوي، ربط السينما وبقية فروع الأبداع بتوجه سياسي محددة فمال الى التقوقع مع ما فيه من ثراء.

من فيلم تصحيحات صفية

سقوط حر
يذهب المخرج المجري جيورجي بالفي في فيلمه "سقوط حر" الى أقصى درجات التعبير الفانتازي ليجسد فكرته الساخرة عن الحياة المعاصرة، منطلقاً لرسم ملامحها الجغرافية من مناخ محلي مشبع بروح بودابستية، أحدى العمارات السكنية  فيها ستكون مسرحاً لسرد تجارب مختلفة لبشر من سكانها، بمجموعها سيتبلور المشهد السوريالي للمدينة وأهلها في زمن منفلت غير محدد، لأن السرد السينمائي المجزء تعمد طمسه. تفتح الكاميرا عند دخولها لشقة ما من شقق العمارة عالماً خاصاً، منفرداً يحتضن علاقة بشرية، أشكالية في جوهرها ووجودية تطرح أسئلة عصية عن الحسم ما دام مكونها الأساس: المرأة والرجل والأطفال. قاعدة التأسيس للحكاية العجائبية عجوزان في شقة يعيشان حياة مملة وفي مناكفة دائمة، صامتة تقريباً. المرأة العجوز تخرج منها صبيحة كل يوم للتسوق ولكنها تختار طريقاً يؤدي الى سطحها ومنه ترمي نفسها الى الشارع، وبعد لحظات ترمم نفسها وتنهض ببطىء لتكمل مشوارها بتثاقل كائن ضخم ومتعب سقط للتو من علوٍ على الأرض. سقوطها الحر يبدو كما لو أنه عملية  موت يومية، توجز تعبيراً عن عذاب العيش وتقارب المقولة الدارجة "الشيخوخة موت دائم". في كل صبيحة تموت العجوز موتاً ناقصاً، ينغص حياتها رجل ملول مريض متطلب، يعد عليها أنفاسها. حالتهما نتاج مرحلة "أرذل العمر" الموت لا يأتي لحسمها فيطيل من حياتهما بعذاب على مراحل، ليقول لهما: تذوقوا ما كان  يعيشه سيزيف بحثاً عن خلوده الموهوم!. كل يوم في طريق عودتها الى المنزل تصعد درجاً، لأن المصعد غالباً ما يكون عاطلاً، ومع أقترابها من كل شقة تكون عدسة المصور قد ولجت بابها ومهدت لرسم حياة آخرى في عمارة هي الحياة نفسها، منظور اليها بعين سينمائية فنتازية. يسخر جيورجي بالفي من فعل الخيانة الزوجية بطريقة حاذقة قريبة من طرق معالجة الكاتب الروسي تشيخوف لموضاعاته القصصية. ففي حفلة عائلية لأفراد من الطبقة الراقية تظهر امرأة جميلة عارية وسط المجموع المنشغل عنها بأهتمامته الخاصة.

جزيرة الذرة الفائزة بكرة الكريستال

عري كاشف لسلوك مشين أكثر سوءاً من عرض الجسد كما هو ودون غطاء كاذب. وفيما يُشغلنا في تفاصيل الحفلة يخطط "سقوط حر" لأنهاء فصلها الأخير بأظهار العشيق عارياً، هو الآخر مثلها، جالساً بين الحضور، فيبدوان وكأنهما مجرمان خططا للتستر على فعلتهم النكراء بالتعري!. في شقة ثانية يمس بالفي جانباً معاصراً يتعلق بمخاوف الناس من الأصابة بالأمراض بمكافحة الجراثيم الخفية أو الحشرات الناقلة لها الى درجة الهوس. فالزوجان الشابان يعيشان عالماً منغلقاً نظيفاً أبيضاً لدرجة تشعرنا بأنهما ينتميان الى عالم فضائي، كل شيء فيه مكيف لعدم الأختلاط حتى العلاقة الزوجية الحميمية مغلفة بعوازل بلاستيكية ولكن ما أن يرى الزوج صرصاراً على جدران غرفة نومهما حتى يصاب بذعر فيشهر سلاحه الناري ويبدأ التصويب نحوه وبعد برهة سيكتشف أن هناك أكثر من صرصار فيبدأ البحث عن مصدر  تكاثرها، وحين يكتشف أنها تأتي من داخل أحشاء زوجته يطلق أعيرة نارية عليها فيفجر رأسها الى شظايا. سخرية لاذعة من الخوف المرضي الذي يصل الى درجة القتل فيتساوي الحفاظ على الحياة واطالتها مع الموت والأسراع في أحضاره الى غرفة بيضاء مغطاة بدم بشري. غرائبية وجود ثور في أحدى الشقق لا تضاهيها إلا حكاية الأم التي تَحضر لعيادة طبيب أمراض نسائية ونهايتها المفزعة حين تسلم مولودها الصغير الى الممرضة ليشرع الطبيب بأجراء عملية أعادته الى رحمها ثانية، مجسداً بهذا الفعل السوريالي المصور بإبداع مدهش فكرة الولادة والحياة وما يرافق عيشها من آلام. خوف الأم على ابنها يقارب فكرة الحفاظ الغريزي على النسل البشري ولكن خوفها هذه المرة من الحياة نفسها ومن أحتمال تكرار ولدها نفس تجربة العجوز الهنغارية "الساقطة بحرية" من سطح عمارتها في رحلة عذاب يومية تشهدها  مدينة بودابست التي استحق ابنها البار جيورجي بالفي الفوز بجائزة أفضل مخرج في دورة شرق أوربية الهوى.

إعلان

جزيرة الذُرة
جمل قصيرة سبق بها المخرج الجورجي جورج أوفاشفيلي مشاهد فيلمه "جزيرة الذُرة" ساعدت على تقريب أجواء قصته الغامضة لكنها لم تكشف اللثام كاملاً عن المخفي من تفاصيلها التي تبطن صراعاً سياسياً وقومياً خطيراً بين جمهوريتي أبخازيا وجورجيا، تاركاً لمشاهده فرصة مشاركته صناعة فيلمه بما توفر له من قدرة على التحليل وتفكيك رموز الحكاية المقتصدة والعميقة الدلالات على مستويات متعددة أكثرها مدعاة للتفكير: الجد وحفيدته والجزيرة نفسها. النص المكتوب بدوره يفرض ذاك النوع من المشاركة بسبب غياب الحوارات الطويلة أو التوضيحية فالفيلم يكاد أن يكون صامتاً، بسبب تجنب كاتب سيناريوه الخوض في عرض صراع قائم لم يحسم بعد على المستوى السياسي والعسكري وبالتالي أكتفى  بتسجيل موقفه منه عبر خلق نماذج قابلة للتجسيد سينمائياً بأكبر قدر من الاقتصاد في التعبير عن مكنوناتها شفاهاً (حواراً) مفضلاً عليها لغة بصرية عميقة التعبير لدرجة بدا الفيلم فيها قريباً من حكاية "الشيخ والبحر" لهمنغواي وأكثر جمالاً من الفيلم المقتبس عنها بكثير.

من فيلم سقوط حر

ما يلفت الأنتباه في "جزيرة الذُرة" عزلتها وضيق مساحتها، والغموض المحيط بها فهي لا تعلن لأي منطقة تنتمي ولهذا ظهرت كمساحة أرضية طوباوية تحتضن حلماً طوباوياً بالضرورة فلا يستقيم المنطق الحياتي السوي في الأجابة على الاسئلة العادية المتعلقة بحياة العجوز، الذي أختارها موطناً مؤقتاً وأرضاً يعتاش بما تجود به من زرع،  مثل: من أين أتى العجوز وحفيدته؟ ومن أين يجلب أدوات البناء البسيطة التي بنى بها العجوز بيت القصب، رغم معرفته التامة بأن مياه النهر ستجرفه في موسم فيضانه. حلم طوباوي ملتصق أشد الألتصاق بالأرض المتنازع عليها، عن بعد، فيما تعابير القتال من أجلها تتجلى بتلميحات من بينها سماع أطلاق عيارات نارية متبادلة بين أطراف لا نراها لكن هناك من يمثلهم بطريقة غير مباشرة كالدوريات العسكرية النهرية أو وجود الجنود للجوار منها وربما أحداث صغيرة تكشف عن جوانب منها لكن الأقتصاد في التعبير يضيق العبارة في الوقت الذي يوسع الرؤية السينمائية لمنجز يحسب للسينما الجورجية الصاعدة، ذات الأرث السينمائي الروسي، المعتمد كثيراً على جماليات الصورة والتي رأينا واحدة من أجملها تطبيقاً لحظة غرق الجزيرة بمياه النهر الجارفة والرياح العاتية، الى جانب وجود رؤية حداثوية عند بعض مخرجيها تفصلهم بمسافة عن الأرث الأيدولوجي المنغلق أمثال: ليفان كوغواشفيلي صاحب "مواعيد عشوائية" الذي عرض في الدورة الأخيرة لمهرجان أبو ظبي السينمائي وسبق له أن أخرج الفيلم المميز "أيام الشارع" عام 2010، الى جانب مخرجة الفيلم الرائع "ابتسم دوماً" روسودان شكونيا. يكشف المشهد الأخير ل"جزيرة الذُرة" عن عودة لرجل يشبه العجوز الأول ربما يكون حفيده لكنه وفي كل الأحوال يمثل أمتداداً لعناد أصحاب الجزيرة في زراعتها والاقامة فيها مع كل تحديات الطبيعة الشديدة المحيطة بها. نهاية تلائم بين منطقتين مختلفين وتؤسس لمنطق سينمائي عبثي وغير مفهوم في ظاهره مع أنه مثل الحكاية نفسها يضمر فهماً رائعاً للعلاقة الأزلية بين البشر والأرض من جهة وصراعهم مع الطبيعة من جهة أخرى، وبالتالي فنحن أمام نص آخاذ عرف كيف يغافل وعينا السياسي ليذهب الى نقاط هي بالنسبة لصانعه أهم منه بكثير لأنها تؤسس لفهم العلاقات الوجودية وألتباساتها التي تجلت في فيلم رائع نال كرة الكريستال ووضع السينما الجورجية في مسارها الصحيح كسينما متفوقة مثل التركية والايرانية وبعض الأمريكية اللاتينية التي نال منها في دورة هذا العام الممثل الأرجنتيني ناهويل بيريز جائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم "أنا لَكَ" من أخراج البلجيكي ديفيد لامبيرت. وفي "مسابقة شرق الغرب" التي تمنح جوائزها للأعمال الأولى والثانية لمخرجين من دول أوروبا الشرقية وأوروبا الوسطى ودول الاتحاد السوفياتي السابق، فاز بها فيلم المخرج الروسي إفان تفيدوفسكي "تصحيحات صَفيّة" كما منح إيفان إيكي تنويهاً خاصاً عن فيلمه "البرابرة". أما جـــائزة كــرة الكريســتال لأفضل فيلم وثائقي فذهبت كما توقعنا في تغطيتنا السابقة إلى تيودورا أنا ميهاي عن فيلمها "حتى شهر أغسطس".

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان