الرحلة الأخيرة لملابسنا!

محمد موسى

بدأ الأسبوع الماضي عرض الموسم الجديد من البرنامج التسجيلي البريطاني "هذا العالم"، والذي يقدم منذ سنوات على شاشة القناة الثانية لهيئة الإذاعة البريطانية ( بي بي سي). إختار البرنامج لحلقته الاولى فيلماً بموضوعة كونيّة، فقدم قصة الملابس التي يرتديها أبناء العالم الغني، وتنتهي بعد قِدَمها او الملل منها في أسواق أفقر دول العالم. لكن القصة لن تنتهي هكذا، فالملابس الاوربية تلعب دوراً  في تقويض عادات دول ومجتمعات وتغيير الهويّات الوطنية، وكما يزعم فيلم "القصة السريّة لملابسك".

تتنوع المواضيع في برنامج "هذا العالم"، والذي يُعَّد المنصة الأكبر لعرض الأفلام التسجيلية على شاشات هيئة الإذاعة البريطانية، فمع الأفلام التي تقدم موضوعات سياسية عالمية آنية، هناك الإهتمام دائماً بالقضايا الاجتماعية، خاصة تلك التي تحمل أبعاداً اقتصادية ونفسية تتجاوز الحدود الجغرافية لبريطانيا او اوربا. فقصة الملابس التي قدمها فيلم الحلقة الاولى من البرنامج، والتي ستعود في الحلقة القادمة منه ( يعرض البرنامج في الأسبوع القادم فيلماً بعنوان "ملابس للموت من أجلها"  والذي يقدم قصة الحادثة المأسآوية في بنغلادش في العام الماضي عندما إنهار معمل ألبسة وقتل مايزيد عن ألف عامل)، تبدو معياراً للعلاقات الاقتصادية المُلتبسة في زمن العولمة، وهي الثيمة التي تشغل مخرجين وقنوات تلفزيونية منذ سنوات. فال "بي بي سي" نفسها قدمت في السنوات الأخيرة مجموعة مُهمة من البرامج والأفلام التسجيلية التي تبحث في مراحل إنتاج الملابس في الدول الفقيرة، وحاججت  تلك الأعمال بأن رخص الملابس في الدول الاوربية في العقد الأخير، له أثمانه الباهضة، من بينها إستغلال ملايين من العمال الفقراء وأحياناً الأطفال لإنتاج تلك الملابس في ظروف عمل شديدة السوء غالباً وبإجور منخفضة للغاية، هذا بالإضافة الى ما تستنزفه من موارد الأرض.

إعلان

��بقى فيلم "القصة السريّة لملابسك"، مع الملابس الاوربية الرخيصة، لكنه يختار مُقاربة مختلفة، فيبحث في مآل هذه الملابس بعد أن يهبها أصحابها الى المؤسسات الخيرية في اوربا. فيرافق، اي الفيلم، الرحلة الأخرى للملابس، والتي ستنتهي في أشد الدول فقراً في العالم، في مفارقة لافتة، فالملابس ذاتها، تم إنتاجها في دول فقيرة أيضاً، تقع على الطرف الآخر في العالم، وهاهي تصل، وبعد أن عاشت حياة مختلفة في دول باردة غنية، الى دول فقيرة. كما إن المؤسسات الخيرية الاوربية والتي تقوم ببيع الملابس، والتي تحصل عليها مجاناً من اوربيين، الى دول افريقية وآسيوية، تُعيد غالباً الأموال التي تحصل عليها الى الدول الفقيرة، على شكل مساعدات او إستثمارها في مشاريع انسانية.

يختار الفيلم البريطاني الدولة الأفريقية غانا، كنموذج للدول التي تقوم بشراء الملابس الغربية المُستعملة. فيذهب البرنامج الى هناك، ليرافق وصول تلك الملابس، والتي أصبحت منذ سنوات جزءاً من عمليات تجارية قوامها ملايين الدولارات الأمريكية شهرياً. تصل الملابس مشدودة ومعلبة كالصناديق. لا أحد يعرف ما تحتويه تلك الصناديق، فقد تكون ملابس رثة، او ربما تعود لأشهر الماركات العالمية. هي ستكون جزءاً من لعبة الحظ الأفريقية. سيمر الفيلم على الرحلة التي تقطعها هذه الملابس. فيقدم الأسواق التي تبيعها، والناس التي تقوم بشراءها. كما سيذهب الى واحدة من أفقر مناطق البلاد، ليرافق رحلة الملابس المتضررة والشديدة الرخص، والتي سيكون لها سوق هناك بين الفقراء من أبناء تلك المناطق.

لا يغوص الفيلم البريطاني في ما يعنيه إقبال الغانيين على ملابس مستعملة اوربية ( يطلقون عليها "ملابس الرجل الأبيض الميت")، هو يشير فقط إن الناس هناك، لا تُعيير اهمية للحرج الذي يتعامل به كثير من البشر حول العالم مع ملابس إرتداها ناس غيرهم. لكن في المقابل يُحقق البرنامج في الأثر الذي تتركه شعبية الملابس المستعملة على التقاليد الاجتماعية، فالاولى ساهمت في إنخفاض الطلب على الملابس الأفريقية التقليدية ( والتي تواجه منافسة البضائع الصينية أيضاً)، لينحصر إرتداء الازياء الوطنية، والتي لها جذور قديمة، على طبقة متوسطة قادرة على شراء ملابس مُرتفعة الثمن، فيما يُقِبل كثيرين على شراء ملابس غربية مُستعملة قطعت بحار شاسعة حتى وصلتهم.

يقوم بمهمة التحقيق في فيلم " القصة السريّة لملابسك " الرياضي السابق والمقدم التلفزيوني حالياً أدي أدبتيان، والذي سيملأ الشاشة، رغم كرسيه المتحرك، بالحركة والطاقة. لا يبدي أدي أدبتيان أدنى إنزعاج من صعوبة الحركة في الأسواق والمناطق الضيقة او المرتفعة، هو سيتحرك بكل الإتجاهات ولن يواجه مشقة بالحصول على مقابلات مع كثيرين في غانا، بفضل تفاؤله وضحكاته التي لم تتوقف. لكن المقدم كان بعيداً عن الواقع عندما إنتقد ترك الغانيين لباسهم التقليدي وتوجههم الى الملابس الاوربية، فكيف يُمكن إطلاق أحكام أخلاقية على يقوم به ناس فقراء، وجدوا في بضائع رخيصة ما يسهل حياتهم اليومية. في المقابل يواصل الفيلم التسجيلي هذا، تقاليد هيئة الإذاعة البريطانية، بالإنحياز الى الأسلوب الإستقصائي، وتقديم موسع وشامل وتقليدي غالباً للموضوعات التي تقدمها هذه الأفلام، والعين دائماً على الجمهور الواسع، على حساب تجريب شكليّ او موضوعي.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان